منذ انطلاقة الثورة عام 2011، وما تلاها، برز اسم مدينة اللطامنة وانتشر على نطاق واسع، بعد أن أظهرت المدينة أحد أكبر أشكال المقاومة لجيش الأسد وقواته الأمنية. لاحقاً، تحولت المدينة  لرمز من رموز الثورة والصمود أمام طغيان الأسد والميليشيات المساندة له، الذين أمطروها بالصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة، حتى أصبح القصف على المدينة، ومنذ سنوات، جزءاً من طقوس الحياة اليومية.

يقول الناشط فياض الصطوف، وهو من أبناء المدينة وأرشيفها الثوري، إن المظاهرات انطلقت في المدينة مبكراً وقوبلت كغيرها بالقمع الدموي، إذ اقتحمها الأمن والشبيحة بحماية جيش الأسد إحدى عشرة مرةً، ارتكب في إحداها مجزرة فظيعة، راح ضحيتها نحو ستون شخصاً أعدمتهم الميليشيات الطائفية ميدانياً، وبعضهم قضى ذبحاً بالسكاكين، وذلك في مطلع نيسان/ أبريل من العام 2012 الذي، شهد أيضاً عودة القصف الذي كان متقطعاً على فترات ومقتصراً على القذائف، ثم بدأت غارات الطيران الحربي مع مطلع العام التالي، ووصل عددها حتى اليوم لأكثر من 3200 غارة جوية.

ويضيف الصطوف: “وصلت معركة بدر الكبرى التي قامت بها الفصائل في منتصف أيلول/ سبتمبر من العام 2014 إلى تخوم مطار حماة العسكري، بعد أن حررت أغلب مدن الريف الشمالي، لكن الثوار لم يتمكنوا من الصمود وانكسرت الحملة وبدأت قوات الأسد باستعادة المناطق، ووصلت إلى أطراف مدينة اللطامنة التي اشتد عليها القصف الهمجي على نحو غير مسبوق، ووصل لمستويات قياسية لم تتناقص لأربع سنوات تالية. في النتيجة نزح المتبقون من أهل المدينة بالكامل خوفاً من المجازر التي قد تحصل في حال تمكن جيش الأسد وميليشياته من دخولها، ولم يتبق أحد سوى المقاتلين، وتصدى تجمع العزة يومها للحملة وأفشلها، قبل أن يتحول لاحقاً لجيش العزة (نواته تجمع العزة وكتيبة شهداء اللطامنة)، والذي أصبح القوة الضاربة في ريف حماة الشمالي وأحد أقوى فصائل الجيش الحر، ويشكل أبناء اللطامنة عموده الفقري”.

وفي المحصلة، فإن المدينة أصبحت مدمرة بشكل كامل، يقول محمود الحموي وهو من أبرز ناشطي ريف حماة الشمالي: “تجاوزت نسبة الدمار الكلي في المنازل والمباني العامة 90%، في حين أن المتبقي مدمر جزئياً ولا يوجد أي شيء سليم، شبكات الكهرباء والماء والهاتف والطرق كلها مدمرة وخارج الخدمة”.

 وكنتيجة مباشرة لهذه الظروف بات حتماً على غالبية الأهالي النزوح عنها. توجه قليل منهم نحو مدن الداخل، بينما كانت مخيمات الحدود الشمالية وجهة الغالبية منهم. يقول أبو عبد الله، وهو نازح من مدينة اللطامنة في مخيمات ريف إدلب الشمالي: “اضطررت للخروج من المدينة بسبب القصف المكثف الذي طالها، بدايةً حفرتُ مغارة صغيرة لأحتمي بها وعائلتي خلال القصف، لكن بعد تهدم منزلي في إحدى الغارات لم يعد هناك شيء أبقى من أجله، خصوصاً مع عدم إمكانية العمل بزراعة أرضي، وهي مهنتي الوحيدة، فلماذا أبقى وأبقي أولادي في هكذا أجواء؟”.

يضيف أبو عبدالله: “أزور مدينتي كلما سنحت لي الفرصة لإشباع حنيني إليها، وأتمنى أن يعود الاستقرار لأعود وأبني منزلي المدمر وأكمل حياتي وأبنائي فيه قرب جيراني الذين عشت معهم وعرفتهم منذ أن كنت طفلاً، قبل أن تفرقنا الأيام وتلقي بنا في بلاد الشتات التي ضاقت روحي ذرعاً بها ومللت مخيماتها”.

تشهد مدينة اللطامنة كغيرها من المدن استقراراً جزئياً في الآونة الأخيرة، بعد التفاهمات التركية الروسية التي تمثلت باتفاق سوتشي، ما دفع ببعض الأهالي للعودة ضمن هامش الأمان المحدود جداً، رغم الدمار الهائل.

وفعلياً يتم تسجيل حالات عودة للمدينة من قبل أهلها النازحين سواء في المخيمات أو قرى إدلب. يقول محمود الدرويش أحد أبناء المدينة من المقيمين في تجمع مخيمات الكرامة إنه “بالفعل بدأت مئات العائلات بالعودة للمدينة عقب الاتفاق الأخير (سوتشي) وبدء شعور الأهالي بنوع من الأمان بعد توقف القصف الجوي وتناقص معدلات القصف المدفعي. وكان أغلب العائدين هم ممن يملكون أراضي زراعية كون الموسم الزراعي الجديد على الأبواب. وقد عملت الأسر العائدة على ترميم منازلها بشكل سريع وجزئي، لتتمكن من الإقامة فيه ولو مؤقتاً ريثما ينتهي موسم الزراعة”.

ويضيف الدرويش بأن أغلب الصعوبات تمثلت بالدمار الهائل للمنازل، “حيث إن أغلب الذين فضلوا البقاء في المخيمات، بيوتهم في اللطامنة مدمرة بشكل كامل ويستحيل ترميمها لأنها تحتاج لإعادة بناء من القواعد، وهو ما لا تطيقه غالبية العائلات، حيث قام بعضهم بنصب خيم ضمن منزالهم المدمرة لعدم قدرتهم على إعادة ترميمها، ولعدم وجود أي جهة تتبنى فكرة إعادة الإعمار أو مساعدة المدنيين على ذلك في الوقت الحالي”.

وقام عدد من المدنيين العائدين بالتعاون مع المجلس المحلي بترميم بعض المرافق العامة كالمسجد والمدرسة وبئر الماء، وعملت فرق الدفاع المدني على مساعدة المدنيين على ترحيل ركام المنازل المدمرة وفتح الطرقات المغلقة وردم الحفر الضخمة الناتجة عن القصف الشديد.

يقول محمد العموري، وهو متطوع من فريق الدفاع المدني: “تعمل فرقنا على مدار الساعة في المدينة للمساهمة بتسهيل حياة المدنيين العائدين إليها، ومساعدتهم على تنظيف الركام من منازلهم وترحيله لإعادة ترميمها، كما نقوم بمساعدة المجلس المحلي على مد شبكة الكهرباء وصيانتها لتأمين تشغيل بئر الماء المغذي للمدينة”.

عن دور المجلس المحلي في المرحلة الحالية تحدث المهندس حسام الحسن رئيس المجلس لبوابة سوريا عن وضع المدينة حالياً، وخصوصاً بعد توقيع الاتفاق المعروف “بالمناطق العازلة” وعدد العائلات التي عادت لها وطبيعة الخدمات التي يقدمها المجلس، فقال: “منذ التهدئة النسبية الأخيرة التي حصلت بعد الاتفاق، بدأت العائلات بالعودة للمدينة وترميم منازلها، وبلغ عدد الأسر العائدة حتى منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر نحو 900 عائلة. وقام المكتب التعليمي ومكتب الخدمات في المجلس المحلي بإعادة ترميم إحدى المدارس سريعاً، وتم افتتاحها فعلياً لاستقبال الطلاب من أبناء الأسر العائدة، ومع تزايد عدد الطلاب تم افتتاح مدرسة ثانية لاستيعابهم”.

وأضاف الحسن أن “المكتب الخدمي يقوم بعمل دؤوب لتوصيل الكهرباء إلى بئر الماء لتأمينها للأهالي كونها العنصر الأهم للحياة، ولاحقاً سيتم العمل لإيصالها لكافة المنازل. وقد أصدر المجلس المحلي في المدينة عدة دعوات للمنظمات الإنسانية والجمعيات العاملة في الشأن السوري لدخول المدينة وتنفيذ المشاريع الخدمية والتعليمية، لدفع حركة الحياة للأمام وتمكين العائدين للمدينة من الاستقرار فيها”.

وحول مآلات الوضع في المنطقة بعد الاتفاق الروسي-التركي الأخير وحقيقة الاستقرار النسبي الذي تشهده المنطقة المحررة منذ توقيع اتفاق المنطقة العازلة في 17 تشرين الأول/ أمتوبر المنصرم، تفاوتت آراء أهالي المدينة، إذ يشعر “أبو عمر” بتطور الوضع للأفضل، وهو ما جعله يعود للمدينة ويرمم أحد منازل أقربائه ويقيم فيه، لكنه في نفس الوقت لم يترك المنزل الذي يستأجره في إحدى بلدات محافظة إدلب، لأنه قد يحتاجه فجأة، حسب تعبيره.

ويرى الناشط فياض الصطوف أن “الأمر ما زال غامضاً والخطر قائماً، خصوصاً مع الدور التركي المشبوه في الاتفاق، كون تركيا تعتبر ضامناً لتنفيذه من جهة الثوار، وهي تشاهد عبر نقاطها المنتشرة القصف الذي لم يتوقف فعلياً على أطراف المدينة وأراضيها الزراعية” وينوه الصطوف إلى سقوط خمسة شهداء وإصابة عشرة آخرين من أبناء المدينة بينهم امرأة بترت ساقاها منذ توقيع اتفاق سوتشي حتى الآن.

بدوره، يرى العقيد “مصطفى بكور” قائد عمليات جيش العزة، أن الهدوء الجزئي الذي تشهده المدينة والمنطقة عموماً هو هدوء خادع مؤقت، وذلك بسبب عجز النظام عن فتح معركة الشمال، ما جعل وكيله الروسي يتجه للحيلة عبر اتفاق سوتشي كخدعة مؤقتة لن تطول، ريثما تتهيأ الظروف المناسبة لشن الهجوم الذي سيبدأ دون سابق إنذار ومحاولة إعادة المنطقة لسيطرة الأسد.

بانتظار الأيام المقبلة وما سيحدث فيها، ستبقى مدينة المنكوبين تشهد عودة تدريجية للحياة فيها، ولو جزئياً وبصعوبة بالغة، وسيبقى شهداء المدينة، الذين فاق عددهم 900 شهيداً، رموزاً للتضحية في سبيل الأرض ومنارة تسير عليها أجيال قادمة من الأطفال الذي سيعلمون أن آباءهم بذلوا دماءهم ليتمكن هؤلاء الأطفال من العودة يوماً ما إلى مدينتهم ليبنوها من جديد ويعيشوا فيها بحرية وكرامة.

*فريق بوابة سوريا – حماه