الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء عن حقيقة “وهم الحرية” وترجُّل الفارس

عن حقيقة “وهم الحرية” وترجُّل الفارس

رغم ما يتميز به مفهوم الحرية عن غيره من المفاهيم من جهة احتوائه على صفات فلسفية تجعله متمتعاً بامتياز إمكانية النقاش الأزلي حوله، إلا أنه يضارع بكثير من النواحي أيضاً معظم المواضيع الوجودية من جهة جدليتها وقدرتها على التحول لمفاهيم زئبقية يستحيل وضعها في قالب واحد.

هذه القدرة بالذات هي ما جعلت الحرية بمفهومها المعاصر سلاحاً ذا حدين؛ إذ يُمارس التسلط على الإنسان ويتم استعباده باسم الحرية، كما وتُتخذ قرارات بالنيابة عنه ظناً منه أنه هو الذي امتلك حرية القرار والاختيار. وإني إذ أتحدث بصيغة المبني للمجهول وأقول (يُمارَس ويُتخَذ) لا أقصد البتة تحييد الطرف المسؤول عن تحويل الحرية لمجرد وهم، بل إنني أقصد تماماً صفة المجهولية التي ألصقتها به.

هذه كانت المقدمة لمقالي الثاني في سلسلة شرحي لسيطرة السلطات الغامضة، الذي بدأتُ بكتابته قبيل اغتيال الناشط المدني والصحفي رائد الفارس بيوم واحد. كنتُ أبغي الوصول به لطرح الكثير من الأمثلة عمّا يعانيه السوريون عموماً، والمتواجدون منهم في بلاد المنفى خصوصاً، من آثار سلبية غيرت مجرى حيواتهم بشكل نهائي دون إحاطتهم المباشرة بمن يقف وراء تلك التغيرات. عملية الاغتيال هذه جعلتني أُحجم عن التفصيل المبيت مني، لكنها لم تمسّ بجوهر فكرة المقال “وهم الحرية”.

كثيرةٌ هي عمليات الاغتيال التي سبقت ترجلّ الفارس، وبالنظر إلى ظروفها وطبيعتها نجدها تتشابه بطريقةٍ أصبح من المعيب أن نقول إنها تدعو للاستغراب، فبقاء الجاني (كشخص محدد) مجهولاً هو شرط أساسي من شروطها، تحديد جهتين على الأقل لا بد وأنهما شاركتا بتلك العملية، إحداها بالتنفيذ والأخرى بالحماية لضمان تنفيذها، فتح الأبواب على مصارعها لكثير من الـ “من” والـ “لماذا” والتي ستؤدي لا بد الغرض منها، بتشتيت البوصلة وضياع الحق، وأخيراً وليس آخراً وكنتيجة لما سبق من معطيات، حصر الحزن بأصحابه المعنيين به فقط، بحيث يصبح العجز صنواً له، والعجز هنا بمعنى عدم القدرة على تحويل أي من تلك الاغتيالات لقضية عالمية تملك قدرة تغيير المعادلة.

جميعنا يعلم أن رائد لم يكن عسكرياً، أو عضواً تابعاً لتنظيم إسلامي، بل كان مدنياً برع بتوجيه رسائل ورسومات “لافتات كفرنبل” إلى كل العالم، حتى باتت مدينته أشهر من نارٍ على علم، وساهم في تأسيس منابر إعلامية و مؤسسات عمل مدنية بأقل الدعم وأكثر الجهد. من جهةٍ أخرى ندرك أيضاً أن العمل المدني غير مرتبط بمكان أو زمان، وأنه يستمد قوته من قوة وأحقيّة القضية المعني بها. إذن لماذا أصرّ رائد على عدم مغادرة سوريا على الرغم من كل الفرص التي أُتيحت له للعمل لصالح الثورة مع ضمان سلامته خارجاً؟ خاصة بعد الكثير من التهديدات التي تلقاها ومحاولات القتل التي سبقت عملية اغتياله. وعلى الرغم من جميع مطالبات المقربين منه الملحة، التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين التاليين لاغتياله كرسائل نعزي بها أنفسنا بمصابنا به. بل وأكثر من ذلك، لم يكتفِ رائد بعدم مغادرة سوريا، إذ كان جوابه لمن يقول له من أصدقائه أنهم لا بد وسيقتلونه، بأن يفعلوا ما يشاؤون، لأنه غير عابئٍ بتلك النتيجة إن كانت حتمية لما يؤمن به.

هذا الإيمان بالثورة السورية استمر عنده بعد سنوات من تخلي كثيرين منا عن فكرة أنها ما زالت ثورة، وأن المعطيات على الأرض ترفض تماماً أن نطلق عليها ذات المسمى الذي بدأت به، بعد أن تحولت لحربٍ عالمية تشارك فيها كثيرٌ من القوى الأجنبية والدولية. هذا الإيمان هو الذي منعه من مغادرة سوريا، وهو السلاح الأقوى الذي كان بحوزة رائد، والمسبب الأول لاغتياله.

يقال إن حرية الفرد لا تكمن في استطاعته فعل ما يريد، بل في أنه لا يجب أن يفعل ما لا يريد. حقيقةٌ أدركها رائد بشكل جيد سمحت له أن يرى تماماً كيف أن حرية الخروج لم تكن بحقيقتها اختياراً بقدر ما كانت وهم اختيار، وأن البقاء برغم ما يحمله بين طياته من مجازفة هو الحرية الحقيقية. إدراكه ذاك جعل منه ومن الأشخاص الذين يشاركونه هذا الإيمان عدواً حقيقياً في وجه تلك السلطات التي أرادت بشتى الأثمان تحقيق سيطرتها وفرض أجندتها الداخلية والخارجية بغية الوصول لمصالحها. كان لا بد وأن يُغتال أمثاله، لأن بقاءهم يعني بالضرورة أنهم سيصبحون ذوي شأن في مستقبل سوريا سواءً كان ذلك قريباً أم بعيداً، وأن يصبح هؤلاء أصحاب شأن وكلمة يعني بالضرورة إحباط ما تسعى له كل القوى الآن، لا أعني هنا الحرب بل ما بعدها، فكيف أخوض حرباً لا أضمن أن نتائجها ستصبُّ في نهاية المطاف لصالحي؟ وكيف يتحقق صالحي إن كان ما يزال مثل هؤلاء على قيد الحياة، بل وربما سيتقلدون مناصب تعيد تصحيح مسار البلاد بما أرادته الشعوب منذ البداية؟

بالعودة لصفة المجهولية التي ألصقتها بهذه السلطات في بداية مقالي ومحاولة تفسيرها أقول: ليس غريباً أن تبقى هذه الجهات مجهولة، إذ إنها المصدر الأول لفكرة وهم الحرية والاختيار التي جعلت الكثير منا يظنون أنهم أصحاب قرارٍ في حياتهم و قضاياهم الخاصة، هذا الوهم لا تنفع معه عدالة إذ إنها ستكشف حقيقة الجاني والمجني عليه وحينها يصبح العالم مرغماً في موقع المسؤول عن خيار المحاسبة، ولأن مصالحهم كما سبق ونوهت متنافرة ظاهرياً متآلفة باطنياً، كان من الطبيعي أن تصبح العدالة أيضاً وهماً وليس فقط الحرية.

“سنعلمكم معنى الصمود، لنعلمكم أن الحجر يؤكل، وأن البرد أجمل، وأن الموت أفضل! المجتمع الدولي شريك المجازر فلا تحاوروه (الثورة السورية – كفرنبل 01 . 02 . 2013)”. كانت هذه إحدى اللافتات التي كتبها وحملها الناشط المدني والصحفي رائد الفارس. وبقدر ما تحمله من تحدٍ وقوة، فإنها في الوقت ذاته كانت تؤكد منذ ذلك الوقت على الحقيقة التي أدركها الفارس مبكراً جداً “المجتمع الدولي شريك المجازر” الحقيقة التي اغتالته لاحقاً لأنه لم يكن واهماً، بل حراً.

يقول جان جاك روسو: إنني أضحك من تلك الشعوب التي تجرؤ على التحدث عن الحرية وهي تجهل ما تعنيه، وتتصور أنه لكي يتحرر الإنسان يكفي أن يكون ثائراً متمرداً. أيتها الحرية المقدسة السامية، ليت هؤلاء يتعلمون أيّ ثمنٍ يُبذل للظفر بكِ ولصيانتك، وليت في الإمكان تعليمهم أن قوانيك أشد صراحة من نير الطغاة.

*صحفية ومدونة سورية