ارتبطت محافظة إدلب منذ القديم بزيتونها وجودة زيتها. حيث أن بعثات الآثار التي عملت في المحافظة كشفت الكثير من معاصر الزيت الأثرية التي تعود إلى العهد الروماني والقرن الأول الميلادي. واستمر الاهتمام بتلك الشجرة وخدمتها آلاف السنين فكانت أحد أهم مصادر الدخل للمزارعين في إدلب.

بعد انطلاق الثورة السورية وما تبعها من تطورات متسارعة وتغيرات على الأرض وصولاً إلى خروج النظام السوري من المحافظة بشكل كامل وما نتج عنه من انقطاع لمواد التدفئة وصعوبة الاعتناء بأشجار الزيتون وعدم توفر الأدوية الزراعية إضافة لشح الأمطار والغلاء الفاحش في الأسعار مع تدني قيمة الليرة السورية  كل ذلك كان سبباً في قلة الاهتمام بها.

أبو محمد /40/ عاماً من مدينة كفرنبل يعمل في تقطيع الحطب بمنشاره الذي يعمل على البنزين يقول عن أسباب توجه الفلاحين في ريف إدلب إلى قطع أشجار الزيتون:” إن من أهم أسباب قطع الزيتون في السنوات الأخيرة قلة الأمطار وحالة المحل التي أصابت المنطقة في السنوات الأخيرة مما تسبب في قلة الانتاج التي تقل كثيراً عما يقدمه الفلاح من مصاريف تتمثل في الحراثة والتقليم والرش بالمبيدات الحشرية إن توفرت وأحيانا لا يكون هناك محصول على الإطلاق مما يرهق كاهل الفلاح. أو هناك سبب آخر يعود إلى نسبة الزيت القليلة في بعض ثمار الزيتون نتيجة طبيعة الأرض غير الملائمة”.

ويتابع أبو محمد حديثه قائلاً:” ليس ذلك هو السبب الوحيد الذي دفع الناس نحو قطع أشجارهم بل هناك أسباب أخرى من أهمها استبدال أشجار الزيتون بأشجار التين التي تعطي إنتاجاً وفيراً كل عام بعكس الزيتون الذي ينتج كل عامين مرةً واحدة. بالإضافة إلى استخدام حطب الزيتون في التدفئة وذلك بسبب انقطاع مواد التدفئة والمحروقات وفي حال توفرت فإنها تكون باهظة الثمن ناهيك عن خطورتها لأنها غير مكررة بالشكل الصحيح والآمن”.

الحاج عبد الرزاق /63/ عاماً من مدينة كفرنبل يملك خمسة عشر دونماً مشجرة بأشجار الزيتون تتوزع على منطقتين في أطراف المدينة يقول:” في الأرض الفوقانية تركتُ الزيتون على ما هو عليه. بينما في الأرض الثانية والتي تبلغ مساحتها ستة  دونمات قمت بقطع الزيتون لأنه أصبح مكلفاً دون إنتاج وأنا فلاح أعتمد على محصول الأرض اعتماداً رئيساً ولكنني في السنوات الأخيرة لم أُعوض منها بشيء إلا القليل والذي كان مؤونة لي ولأبنائي من زيت الزيتون. باستثناء هذا العام الذي كان فيه المحصول وفيراً ولأول مرة منذ عدة سنوات”.

يكمل الحاج عبد الرزاق حديثه قائلاً:” في العام الماضي وصل سعر الكيلو غرام الواحد من التين إلى /1250/ ليرة سورية أي ما يعادل أربعة دولارات وربع. وهذا العام وصل إلى /1000/ ليرة سورية. بينما الكيلوغرام من زيت الزيتون بـ/1000/ ليرة سورية ومعدل إنتاج التين أكبر من إنتاج الزيتون وفي ذلك فرق كبير في كمية الإنتاج بالإضافة إلى الثمن هذا دون النظر إلى أن التين يقدم محصولاً وفيراً كل عام مع تكلفة ومجهود يصل إلى نصف ما يحتاجه الزيتون من التكلفة لذلك قررت تشجير الأرض بالتين (البياضي) بدلاً من الزيتون الذي تم قطعه”.

أما أبو علي /52/ عاماً من بلدة حزارين يقول:” خلال السنوات الأخيرة لم أحصل على ربع الإنتاج الذي كنت أحصل عليه في السنوات التي سبقتها من زيت الزيتون فقمت بتضمين الأرض لتاجر حطب بسعر مرتفع يساعدني قليلا ريثما تبدأ غراس التين – التي سأغرسها – بالإنتاج”.

لكن تاجر الحطب سامر العبدو /39/ عاما يرى غير ذلك حين قال:” إن ارتفاع أسعار الحطب وزيادة الإقبال عليه بالتوازي مع قلة المحروقات وصعوبة توفيرها وتوجه الفلاحين إلى زراعة التين شجعهم على قطع أشجار الزيتون وبيع حطبها الذي وصل الكيلو غرام الواحد منه إلى /65/ ليرة ورغبة الناس في حطب الزيتون أكثر من غيره نظراً لجودته كل ذلك زاد من ظاهرة قطع أشجار الزيتون في المنطقة حتى أننا في كثير من الأحيان نبيع حطب الزيتون بعد قطعه مباشره وقبل أن ييبس بالإضافة إلى جذوره التي تعرف باسم (قرمة الزيتون) والتي يفضلها الكثيرون نظراً لرخص ثمن الكيلوغرام منها ومدة اشتعالها الطويلة أثناء الحرق حيث أن الشجرة الواحدة ربما يصل وزن جذرها إلى /500/ كيلو غرام كمعدل وسطي تقريباً”.

من جانب آخر مصطفى الرحال /45/ عاماً خبير زراعي نبّه إلى خطورة هذه الظاهرة على المدى البعيد فقال:”  خطأ فادح ما يقوم به الكثير من الفلاحين في هذه الأيام من استبدال أشجار الزيتون بالتين أو المحلب. وذلك يعود إلى طبيعة التربة فهناك تربة تناسب الزيتون ولا تناسب أشجار التين أو المحلب. وذلك غير أن أشجار الزيتون هي أشجار معمّرة لمئتي أو ثلاث مئة سنة. وما يحصل بأن الفلاحين وطمعاً بالربح السريع قد تفاجئهم طبيعة التربة أو الأحوال الجوية كالصقيع فيقضي على الأشجار التي تم غراسها حديثاً. فكيف يمكن لنا أن نجازف ونقطع شجرة معمّرة منذ مئات السنين لنستبدلها بشجرة قد تناسبها التربة وربما لا تناسبها فنكون خسرنا كل شيء”.

وردّاً على ما يقال بأن الزيتون محصول خاسر يقول الرحال:” على المدى الطويل مثلاً لمدة /25/سنة الزيتون أفضل من التين لأنه يبقى على نفس السوية من الانتاج بينما يتعرض التين لأحوال جوية قاسية فتؤدي به إلى اليباس. بالإضافة إلى أن سعر الزيت ثابت بينما سعر التين قد يتعرض للارتفاع المفاجئ أو الهبوط المفاجئ ولا يمكن القياس على السنتين الأخيرتين من ارتفاع في سعره لأنه في هذا العام تهاوى حتى وصل /600/ ليرة للكيلو الواحد. والمحلب أيضاً يرتبط سعره بالسوق الخارجية فيصعد أو يهبط بحسب وضع السوق بينما يبقى سعر زيت الزيتون ثابتاً لأنه حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها “.

ويحمّل الرحال جزءاً كبيراً من السبب على أصحاب معاصر الزيتون فيقول:” بسبب الضغط الكبير على معاصر الزيتون يقوم أصحابها بتسريع خط الانتاج لتمرير أكبر عدد ممكن من أكياس الزيتون مما يقلل نسبة استخلاص الزيت من كمية الزيتون مما يؤدي إلى ضياع نسبة كبيرة من الزيت في البيرين ولو تم تخميره بالشكل المطلوب وعصره بشكل جيد لحصل الفلاح على ما يستحقه من الزيت. وهذا سبب رئيس جعل الفلاحين يبحثون عن بدائل تحقق لهم الربح مقابل ما يقدمونه من تعب وجهد ومال. وقد مرت معنا في المحاكم الكثير من القضايا التي رفعها بعض الفلاحين على أصحاب معاصر زيت ضيعوا لهم محصولهم نتيجة إهمال أو سوء إدارة أو جشع”.

بعد أن كانت شجرة الزيتون أيقونة محافظة إدلب ورمزها الخالد منذ القديم ها هي اليوم تموت على أسنان المناشير بينما يتردد في حقول الزيتون صدى تلك الأغنية التراثية التي كان يرددها أجدادنا في موسم القطاف:

وتحوش زيتوني… وتحوش زيتوني

ومكحلة للغــــوا… بميال زيتونـــي
ولو قطعوني شقف … بغصون زيتوني

ماحيّد عن عشرتك… يا نور عينيا

*فريق بوابة إدلب