مع خروج مناطق الشمال السوري عن سيطرة قوات الأسد، غابت أغلب الخدمات الأساسية نتيجةَ لاستهداف تلك القوات البنية التحتية من جهة، ونتيجة لتحكمها ببعض الخدمات وقطعها عن المناطق من جهة أخرى. ولجأ الأهالي إلى حلول بديلة توفر لهم بعض الخدمات التي غيّبت ولا غنى لهم عنها.

كانت وسائل الاتصال أولى الخدمات التي غابت عن المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، إذ كانت وسيلة قطع الاتصالات إحدى أهم الوسائل التي استعملها النظام عند اقتحامه لأي منطقة بهدف قطع الاتصال بين الثوار. وقد حاول أهالي إدلب إيجاد بدائل لذلك، حيث ظهرت أجهزة اللاسلكي، وهو جهاز استعمل كثيراً للتواصل بين القطعات العسكرية،  إلا أن حاجة المدنيين لأي وسيلة اتصال دفعتهم إلى استعماله أيضاً بهدف متابعة الأخبار والتطورات العسكرية وبهدف التواصل في الأمور الهامة.

ثم بدأت تنتشر أبراج “الإنترنت الضوئي”، والتي زُودت بأجهزة بث واستقبال لإيصال خدمة الانترنت من تركيا إلى الداخل السوري .وتوزعت تلك الأبراج لتشمل كل المدن والقرى ولتصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة المثلى التي تربط سكان الشمال بالعالم الخارجي بعد غياب خدمة الجوال.

 يقول سامر (35 سنة) وهو مدينة كفرنبل: “غابت وسائل الاتصال عن المدينة مع خروج قوات الأسد من البلدة سنة 2012، ودُمّر مقسم البلدة نتيجة القصف بالإضافة إلى تعرض معداته للسرقة من قبل ضعاف النفوس, الأمر الذي دفع أهالي المدينة إلى لاستعاضة عن ذلك عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي”.

من جانبها عملت مراكز البريد على إعادة تفعيل المقاسم التي لا تزال صالحة للعمل بخبرات محلية، لكن عمل تلك المقاسم اقتصر على الاتصالات الداخلية ضمن المدينة الواحدة أو مع القرى والبلدات المربوطة على نفس المقسم.

مقسم تلمنس (شرق معرة النعمان) هو واحد من المقاسم التي عادت إلى العمل من جديد، حيث عمل فنيو المقسم بالتعاون مع المؤسسة العامة للاتصالات على إصلاح الخلل الفني الموجود ضمن المقسم، وتوصيل الكابلات الضوئية التي تعرضت للقطع نتيجة القصف منذ أيام معارك وادي الضيف، مما سيتيح خدمة المكالمات الأرضية ضمن البلدة من جديد مع إمكانية تغذية المقسم بخدمة الانترنت، بحسب رئيس المقسم منير البكور.

ولم تكن محطات الكهرباء أفضل حالاً، فقد أوقف نظام الأسد تغذية تلك المحطات، كما تعرضت محطات التحويل الرئيسية للقصف وخرج بعضها من الخدمة إضافة إلى تعرض كابلات الكهرباء وبعض الأعمدة إلى السرقة، فغابت الكهرباء بشكل شبه كامل عن المحافظة مما شكل أزمة جديدة لدى المدنيين، وبدأ البحث الجاد عن حلول مفيدة وبتكلفة مادية مقبولة. وبدأ الناس باستعمال المولدات الكهربائية التي تعمل على البنزين أو الديزل، إلا أن استعمالها بشكل منفرد لا يفي بالغرض المطلوب، وتترتب عليه كلفة مادية عالية نسبياً، فلجأ الأهالي لما يسمى “خدمة الأمبيرات” حيث تم تركيب مولدات كهربائية ضخمة تكفي لكامل الحي، وتم توزيع خطوط كهرباء ضمن الحارات لكل بيت.

يقول عمار، وهو أحد العاملين في هذا المجال:”لقد لجأنا إلى العمل في هذا القطاع بعد غياب الكهرباء بشكل كامل عن المناطق التي تقع خارج سيطرة قوات الأسد، وكانت المولدات الكهربائية هي الحل الأمثل في ذلك الوقت بسبب توافر مادة المازوت وسهولة تأمينها”. وتابع قائلاً: “لكن تعقد الوضع السياسي والعسكري انعكس بشكل سلبي  على هذه المهنة، فقد ارتفع سعر ليتر المازوت من ستين ليرة للتر الواحد في بداية انتشار هذه المشاريع إلى أكثر من 200 ليرة، كما أن ارتفاع سعر الدولار أدى إلى ارتفاع أجور الصيانة وكل ذلك انعكس على جودة الخدمة”.

 وقد أدى ذلك إلى انخفاض ساعات التشغيل من خمس أو ست ساعات يومياً إلى ثلاث ساعات وبسعر ألفين ليرة سورية للأمبير الواحد، وهو سعر مرتفع نسبيا مقارنة بدخل المواطن السوري، ما دفع البعض إلى التوجه نحو ألواح الطاقة الشمسية ذات التكلفة العالية نسبياً.

من جانبها، عملت المجالس المحلية على تأمين خدمة الكهرباء لبعض المدن عن طريق تركيب مولدات ضخمة تتوزع في الأحياء. يقول فادي الخطيب وهو إعلامي في “المجلس المحلي في كفرنبل”: “عمل المجلس المحلي على شراء مولدات وتوزيعها ضمن الحارات بهدف تغطية المدينة بشكل كامل، وتم وصلها مع المنازل عن طريق خدمة الأمبيرات وبأسعار منافسة بهدف تخفيف التكاليف على المواطنين, كما عمل المجلس على توصيل الكهرباء النظامية إلى المرافق الحيوية والمشافي ومناهل المياه” .

على صعيد آخر، شكّل غياب المياه عن المحافظة العقبة الأكبر أمام المدنيين، فبعد توقف محطات الضخ وتعطل بعض الآبار.. انقطعت المياه عن الشبكات الرئيسية، ولجأ بعض الناس إلى حفر آبار سطحية وإلى بيع المياه للصهاريج التي تقوم بنقلها للمواطنين، وهو ما تترتب عليه كلفة زائدة ترهق كاهل الناس.

أبو محمد (55سنة) من بلدة حاس يدفع قرابة 8 آلاف ليرة سورية ثمناً للمياه في كل شهر، ويقول: “تعبتُ من شراء الصهاريج. سعر الصهريج 2000 ليرة سورية وأحتاج إلى 4 صهاريج شهرياً، ونعيش على أمل توفر المياه اليوم أو غداً”.

في كفرنبل، عمل المجلس المحلي على تشغيل البئر الرئيسي بإمكانيات محدودة، وقام بضخ المياه إلى خزان البلدة بهدف توزيع تلك المياه على سيارات النقل بسعر الكلفة، بحيث تصل إلى المواطن بسعر أقل بحوالي 400 ليرة سورية من سعر مياه المناهل الخاصة، بحسب الخطيب.

وبعد توقيع اتفاقية سوتشي، يأمل الكثير من أهالي إدلب تحسن الأوضاع الإنسانية ووجود مؤسسات بديلة تؤمن لهم خدماتهم اليومية.

*بوابة إدلب