“استطلاع رأي: أي دستور تحتاجه سوريا؟”. تحت هذا العنوان، أقيم في مدينة معرة النعمان يوم 28 تشرين الثاني 2018 مؤتمر حضرته نخبٌ من عدة محافظات سورية، جلّهم من الحقوقيين، وشهد تغطية إعلامية من عدة قنوات ومواقع مهتمة بالشأن السوري.

وبحسب الكتيب الذي وزعته منظمة “اليوم التالي” الجهة الداعية إلى المؤتمر، والمكون من أكثر من أربعين صفحة، فإن الاستطلاع شمل عينات من عدة محافظات سورية هي: دمشق وريفها، حلب، حمص، الحسكة، إدلب، درعا والسويداء، إلى جانب سوريين مقيمين في تركيا من كافة الأطياف والانتماءات الفكرية والعقائدية والإثنية، وقد تجاوزت نسبة النساء أكثر من نصف الأشخاص المستطلَع رأيهم في القضايا التي تناولها الاستطلاع، وتبدأ تلك القضايا من سؤال “أولوية مناقشة دستور جديد” في هذه المرحلة، وصولاً إلى “شكل الحكم وطريقة الحكم” التي يراها من استُطلعت آراؤهم.

تضمن الكتيب الذي وضعه المنظمون بين يدي المؤتمرين كماً من البيانات والجداول والمخططات البيانية التي منح نقاشها المؤتمر صبغة “ورشة العمل”، إلى جانب عدة عوامل مثل أهمية الطرح في هذه المرحلة تحديداً، وتوجهات الحضور، إلى جانب كمّ المعلومات المتعلقة المتاحة.

ورغم التمثيل المتنوع جغرافياً لضيوف المؤتمر، إلا أن الحقوقيين كانوا أكثرية الحاضرين، وإلى جانبهم عدد من الأطباء والمثقفين والناشطين من المتابعين والمهتمين بالشأن السوري العام. وكان وزير الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة أحمد قسوم برفقة بعض موظفي الوزارة على رأس الحضور، بالإضافة إلى ممثلين عن الهيئة السياسية والمحافظات.

وقدمت بيان ريحان، إحدى موظفات “اليوم التالي“، شرحاً مختصراً للمخططات البيانية التي خلص إليها الاستطلاع، مع قراءة مبسطة لتباين الآراء لذات الشرائح وتجاه ذات القضايا مع تغير الظروف على الأرض بين عامي 2015 و2017. وكان من أبرز نتائج الاستطلاع أن “قضية الدستور” جاءت في المرتبة السادسة من بين القضايا الستّ التي تعني الجمهور المستطلَع رأيه، إذ كان موضوع “وقف إطلاق النار” أولوية ومطلباً أساسياً للجميع سواء كانوا في المناطق المحررة أو من المتواجدين في مناطق سيطرة نظام الأسد، في حين جاء “إطلاق سراح المعتقلين” في المناطق المحررة في المرتبة الثانية، واحتلت قضية المعتقلين في مناطق سيطرة نظام الأسد المرتبة الرابعة من حيث الأولويات. وبكل الأحوال فقد احتل بند مناقشة دستور جديد لسوريا المرتبة الأخيرة لدى جميع الشرائح المستهدفة، مع اختلاف النسب.

كما فضلت شريحة واسعة من المستهدفين أن تكون الشريعة الإسلامية “مصدراً من مصادر التشريع في نص الدستور”، وأن ينص الدستور كذلك على التزام الدولة السورية بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان. كما شدد المستهدفون بنسبة عالية منهم على “الاعتراف بالحقوق الثقافية للأقليات العرقية والقومية والدينية”. وكان الملفت للنظر أن أكثر من 80% كانوا يعتمدون مقولة “يجب أن تتبنى سوريا نظاماً سياسياً لا مركزياً يقوم على منح السلطات المحلية صلاحيات إدارية واسعة”.

وقد أيّد الحاضرون في المؤتمر نتائج الاستطلاع، من ناحية أن مناقشة دستور جديد للبلاد غير واردة في هذه المرحلة ولا تتوافق مع مبادئ جنيف والقرار /2254/ الذي ينص على الانتقال السياسي، وأن الأرضية ليست مهيأة بعد لانتخاب لجان دستورية ذات تمثيل حقيقي، أو إجراء أي استفتاء في ظل عدم الاستقرار وهشاشة الاتفاقات السياسية والعسكرية على حد سواء، وفي ظل انعدام الثقة بين الأطراف المحلية والدولية، وهو ما أكد عليه الحقوقي عاطف زريق، رئيس الهيئة السياسية في إدلب.

ولفت أحد الحضور الانتباه إلى التغير في آراء الناس تجاه ذات القضايا بين عامي 2015-2017، معتبراً ذلك “مؤشراً على أن مناقشة دستور جديد للبلاد يحتاج لخلق بيئة آمنة ومستقرة كي تتاح صياغته بطريقة تضمن مستقبلاً أفضل للبلاد”.

وأشار الدكتور حسن حميدي عضو “الائتلاف السوري” إلى أن “مفاتيح الحل في سوريا ليست في يد السوريين، وأن الدول الفاعلة تتحكم بالملف السوري في ظل تراجع القضية السورية، وبأنه يتوجب على السوريين فهمٌ أفضل للواقع، ومحاولة الاستفادة من المرحلة ما أمكن، لتحقيق مكاسب للثورة السورية على المستوى السياسي”. وأيد “حميدي” فكرة صياغة دستور مؤقت للبلاد، مفضلاً هذا الخيار على الإعلان الدستوري وعلى فكرة مناقشة دستور دائم للبلاد، مبيناً أنه “يفضل اللامركزية كطريقة حكم، على أن تكون على أساس المحافظات والمناطق”.

من جانبه، اعترض الحقوقي محمد سلامة، مدير مكتب العلاقات في الحكومة المؤقتة، على رأي الدكتور “حميدي” من جهة أن الأطراف السورية لا دور لها في الملف السوري، مستشهداً بما حدث في مؤتمر سوتشي، معتبراً أن “الضغط الشعبي قلل من أهميته وخفض من سقف آمال النظام بمخرجات المؤتمر”.

بدورها، تحدثت الحقوقية هدى سرجاوي، مديرة “تجمع المرأة السورية ” عن “أهمية أن يقيد أي دستور قادم للبلاد صلاحيات الرئيس بشكل يضمن عدم استبداد الطغاة بالسلطة في مستقبل سوريا”.

وفي مداخلة عبر الــ “سكايب” لأحمد مراد، مدير البرامج في منظمة “اليوم التالي”، في معرض إجاباته على تساؤلات الضيوف، قال إن “هذا العمل قام بجهود العاملين في المنظمة دون تدخل أو إيعاز من أحد، وإن هذا المؤتمر بما يتمخض عنه من مخرجات، هو لمناقشة الاستطلاع الذي قامت به المنظمة من قبل نخب معنية بشكل مباشر بهذه القضايا”.

في سياق متصل، كتب الرئيس رضوان الأطرش، السابق للهيئة السياسية في إدلب، على صفحته في “فايسبوك” مقللاً من أهمية المؤتمر والاجتماعات التي تتزامن مع انعقاد جولة جديدة من مفاوضات أستانة، مطالباً النخب السورية “بالعمل على مشروع بحجم الوطن ومأساته”.

*فريق بوابة حماه

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments