اعتاد السوريون على سماع المثل الشعبي قبل اندلاع الثورة السورية: “للحيطان آذان” في إشارة إلى الأجهزة الأمنية ومدى الخوف منها. لكن بعد الثورة وخروج المظاهرات والانفتاح على عادات وقوانين وممارسات جديدة، ازدادت الجرأة في إبداء الرأي وتوسعت مساحة الحرية والتعبير عن الرأي، إلى أن ظهرت التشكيلات العسكرية المختلفة.

ولا بد هنا من لفت النظر إلى عمل الناشطين المحليين في مختلف مناطق حلب، والتي تخضع لسيطرة أكثر من فصيل عسكري. فاستمرار العمل الإعلامي اليوم رغم المخاطر والصعوبات والقيود يعدّ إنجازاً كبيراً.

الفصائل تصادر الحريات

يقول هشام اسكيف وهو “رئيس الدائرة السياسية لاتحاد ثوار مدينة حلب” في حديث إلى “بوابة سوريا” أن “الثورة السورية خلقت مساحات واسعة من حرية التعبير بعد نصف قرن من سياسة القمع وتكميم الأفواه، لكن ومع وجود -المناطق المحررة- ازداد هامش الحريات الصحفية والإعلامية ونشاطات الاحتجاج بشكل عام. إلا أن هذا الأمر لم يستمر طويلاً بسبب ظهور التنظيمات المتشددة وغيرها، وهو ما ضَيّق هذه المساحات وزاد من مخاطر التعرض للاعتقال والتضييق على الساحة الإعلامية”.

ولفت اسكيف إلى أن “الكثير من المناطق تسيطر عليها قوى راديكالية متشددة، ولذلك تقلّ مساحات الحرية. ويتصدّر داعش هذه التنظيمات، فهو أقسى من نظام الأسد والحريات في مناطقه معدومة، وهناك أيضاً مناطق سيطرة جبهة النصرة، إذ تم رصد عشرات الحالات من الاعتقال والمعاقبة على جرائم النشر أو إبداء الرأي، ويرتبط التضييق بمدى قدرة النصرة على تفادي الغضب الشعبي. فكلما أمِنته زادت في قمعها وكلما شعرت بقوته وسّعت الهامش المحدد للحريات”.

وفيما يخص مناطق سيطرة “الفصائل الثورية”، فقد قامت هذه الأخيرة بعمليات قمع بدورها هي الأخرى، ولكنها لم تكن عمليات ممنهجة ولا واسعة النطاق، ولم ترقَ إلى أن تكون سياسة عامة لها، بل كانت عبارة عن حالات وحوادث متفرقة تحدث بفترات متباعدة. أما بالنسبة لمناطق “درع الفرات” و “غصن الزيتون”، فقد فاق عدد الفصائل في هاتين المنطقتين عشرين فصيلاً.  وشهدت هذه المناطق في الآونة الأخيرة عدة انتهاكات، فمن المحال أن يتفوه الفرد برأي قد يمس بمصلحة أي فصيل من تلك الفصائل في منطقة عفرين وريفها شمال حلب. ومثال على ذلك ما حصل مع الناشط الإعلامي بلال سريول والذي تعرض للتعذيب على أيدي عناصر من فصيل “السلطان مراد” من دون علم قيادة الفصيل بذلك، والتهمة التي واجهته كانت أنه يسير حاملاً الكاميرا الخاصة به، بالتزامن مع مرور دورية للأتراك في مدينة عفرين.

وقد قامت قيادة “الجيش الوطني” بشن عمليات أمنية لا تزال مستمرة، لضبط ومحاسبة الذين ارتكبوا انتهاكات ضد المواطنين عموماً وضد الإعلاميين تحديداً، وإذا كانت هذه الخطوة غير كافية تماماً إلا أنها قد تكون بداية يبنى عليها إذا استمرت فيما بعد.

أمون العاروب وهي إحدى خريجات الحقوق غرب حلب، اعتبرت أن “مناطق ريف حلب الغربي التي تسيطر عليها الجبهة الوطنية للتحرير تتميز بالاعتدال وبإمكانية التعبير عن الرأي بنسبة كبيرة قياساً ببقية المناطق التي تختلف باختلاف القوى العسكرية المسيطرة فيها. فهناك مساحة واسعة من التعبير وممارسة حرية الرأي، وأكبر مثال هو ما جرى في بلدة عينجارة في  الانتخابات الحرة لأهالي البلدة واختيارهم أعضاء المجلس المحلي بالانتخاب”.

في مناطق “هيئة تحرير الشام”

تسببت حملة الاعتقالات التي تشنها “هيئة تحرير الشام” بحالة من الاحتقان والغضب الشعبي لدى الأهالي.

أبو أحمد الحلبي شاب سوري من ريف حلب الغربي في العقد الثالث من عمره، ومن أوائل الناشطين الثوريين في منطقته، اعتقل في مدينة “إدلب” من قبل الأمنيين التابعين لـ “تحرير الشام” عندما كان في زيارة لأحد أقربائه في المدينة، وكانت تهمته الوحيدة أنه من أبناء ريف حلب الغربي.

يتحدث أبو أحمد لـ”بوابة سوريا” بعد خروجه من “سجن العقاب” التابع للهيئة قائلاً بأنه “ولد من جديد بعد أيام قضاها في زنزانات مظلمة لا تتعرض لأشعة الشمس على الإطلاق”، واصفاً تلك الفترة وكأنها سنين طويلة لشِدة ما ذاقه من شتى أنواع التعذيب”.

يتابع أبو أحمد كلامه مبيناً سبب اعتقاله بأنه كان يعبر عن رأيه عن طريق النشر على موقع التواصل الاجتماعي، فايسبوك، وفي أحد منشوراته انتقد عملا لـ “هيئة تحرير الشام” أثناء اندلاع المعارك مع الجبهة الوطنية للتحرير في الأشهر الفائتة.

الاعتقالات مستمرة 

بات التعبير عن الرأي محفوفًا بالمخاطر مع تزايد الاعتداءات والانتهاكات ضد المدنيين وضد الصحفيين بشكل خاص، ومع ارتفاع وتيرة العنف في المناطق بحسب توزع  سيطرة كل فصيل. وقد تم توثيق 2574 شخصاً من بينهم 298 طفلاً و987 سيدة لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي في سجون الفصائل العسكرية حتى شهر آب من العام الجاري، الأمر الذي دفع بعض المنظمات الحقوقية ومنها “المركز السوري للحريات الصحفية” في “رابطة الصحفيين السوريين” للدعوة إلى حماية العاملين في وسائل الإعلام المتعددة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتفعيل دور المنظمات الدولية للدفاع عنهم ومتابعة عملهم دون التعرض لهم.

*بوابة حلب