الاضطهاد.. الانتفاضة.. الثورة السورية

مع تأسيس الحركة السياسية الكردية في سوريا عام ١٩٥٧، كانت ولادة الوحدة بين سوريا ومصر قد اقتربت، ليليها انفصالهما ووصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى سدة الحكم، ليدخل البلاد في حقبة جديدة، يبرز فيها حافظ الأسد رأساً السلطة في سوريا.

لقد استفرد البعث بحياة السوريين، حكم بالنار والحديد، وأدخل سوريا مرحلة ضياع الأمل في ترسيخ الديمقراطية، عبر تدمير قيم الحرية والكرامة، وفرض نفسه كحاكم أوحد على السوريين، أما بالنسبة للكرد فكان فلم يكن في أي من النظامين الناصر أو البعثي خيراً لقضيتهم.

أجبر الضغط الذي مارسه نظام الحكم على الكرد الحركة السياسية الكردية على العمل بشكل سري، خاصة مع حملة الاعتقالات التي طالت القيادة والقاعدة، واتهام الكرد الدائم بمحاولة الانفصال عن سوريا. واجه الكرد ذلك دوماً بالإيمان بالديمقراطية والتغيير السلمي، ورفع شعار الأخوة العربية- الكردية، ودعم أي عمل وطني جامع، فقد نادت الأحزاب الكردية في نضالها بالتفكير ببنية المجتمع والتنوير والمعرفة والعلم ومحو الأمية، وتأسيس أندية ثقافية. وقد كان لغالبية أحزاب الحركة السياسية الكردية نشرات دورية، وبيانات تعبر عن مواقفها السياسية، ومحاولات لإقناع الحكومة آنذاك، بافتتاح المدارس في المناطق الكردية، وتعليم الفلاحين، والاهتمام بالجانب الصحي، لكن كل هذا لم يلقَ اهتمام “البعث”، الذي أصبح قائد الدولة والمجتمع، واحتكر السلطة ومنع أي تطوير في البلاد، ناشراً الفساد وثقافة المحسوبيات.

إن عمل السلطات السورية على عزل الحركة السياسية الكردية عن الإطار السوري العام، لعب دوراً سلبياً بحق المكونات السورية، لذلك عمل الشعب الكردي في سوريا على الاصطفاف خلف حركته السياسية، فانضم آلاف الشباب إلى صفوف الحركة، حتى شكلت خطراً واضحاً على السلطة، فقامت الأخيرة باضطهادها والعمل على زرع الشقاق في صفوف الأحزاب الكردية، وهذا ما تم، ففي مرحلة نهاية الستينيات من القرن الماضي، أمسى الحزب الواحد ثلاثة أحزاب، وتتالت الانشقاقات، واليوم لدينا عشرات الأحزاب الكردية في سوريا.

كانت مرحلة النزاع داخل الحركة السياسية الكردية، تُقاد بهندسة السلطة ولصالحها، رغم تزامنها مع مراحل تاريخية في الاضطهاد الممارس بحق الكرد السوريين، فقد رافقت تلك النزاعات ضربات موجعة من السلطة التي كانت تقف في وجه كل مجموعة مناهضة للحزب الحاكم، بينها مشروع “محمد طلب هلال” الذي أعد دراسة تناولت النواحي قومية، سياسية، اجتماعية، ضمنها توصيات بتذويب الكرد في سوريا وصهرهم وتهجيرهم، والاستيلاء على أراضيهم، وكانت أحد نتائجه الإحصاء الاستثنائي لعام ١٩٦٢ الذي جرد عشرات آلاف الكرد من جنسيتهم وحقوقهم، لتتالى السياسيات العنصرية ومحاولة محاصرة الكرد والحركة السياسية الكردية، في عدم انشغالها بمطالبهم. تلا ذلك إجراء عنصري آخر عندما أصدرت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، القرار رقم (٥٢١) بتاريخ ٢٤ حزيران/ يونيو ١٩٧٤، القاضي بتفويض عدد من المسؤولين تسليم أراضٍ زراعية عائدة لكرد سوريين يعيشون في منطقة الجزيرةعلى الشريط الشمالي للحدود مع تركيا، وتوزيعها على مستوطنين جلبهم النظام من محافظتي حلب والرقة، فتم منحهم ٣٩ تجمعاً تعود إلى سكان ٣٣٥ قرية تصل مساحتها إلى ٨٠٠ ألف دونم في منطقة تعتبر من أخصب الأراضي الزراعية في سوريا، تسمى “خط العشرة”، ممتدة من مدينة رأس العين/ سري كانيه إلى المالكية/ ديريك في شمال شرق سوريا.

لم تتح عقود ما قبل الثورة السورية للكرد العمل في الجانب الوطني مع شركاء سوريين، باستثناء مرحلتي “ربيع دمشق” مع استلام بشار الأسد للسلطة، و”إعلان دمشق” منتصف الألفية الثانية، إذ استطاعت الحركة السياسية الكردية في تلك الفترة الالتقاء بالمعارضة السورية، ضمن إطار واحد، لكن النظام السوري قرر وأد المرحلتين باعتقالات جماعية وملاحقات.

تفكير الحركة السياسية الكردية بالإطار الوطني برز منذ التأسيس، ويروى أن الدكتور “نور الدين زازا” رئيس وأحد مؤسسي أول حزب كردي في سوريا طالب في رسالة وجهها لمعارضين، بتشكيل إطار سوري وطني جامع.

لم تكن مرحلة ما بعد التأسيس من حياة الحركة السياسية الكردية إيجابية من كل الجوانب، لأن المرحلة التالية شهدت بداية انشقاقات، استمرت حتى يومنا هذا. رافقت تلك الانشقاقات منعطفات نضالية في حياة الكرد السوريين، ففي عام ١٩٨٦ تم إطلاق النار على متظاهرين كرد من دمشق أمام القصر الجمهوري، طالبوا بالسماح لهم بإقامة العيد القومي (عيد النوروز)، فرد حرس القصر الجمهوري بالرصاص الحي، ما أسفر عن مقتل الشاب “سليمان آدي”. كما شهدت بداية التسعينيات قيام الحركة السياسية الكردية بنشر ملصقات حول المجردين من الجنسية، فكانت النتيجة اعتقال العشرات من السياسيين الكرد. شهدت تلك الفترة أيضاً وصول الكرد إلى البرلمان لأول مرة دون تعيينات مباشرة من قبل السلطة الحاكمة، إذ وصل بعض البرلمانيين الكرد عبر الانتخابات إلى البرلمان بأصوات شعبهم، لكنها بقيت تجربة يتيمة لم يقبل البعث بتكرارها. ولم يشهد واقع الحركة السياسية الكردية بعد ذلك حراكاً فعالاً حتى عام ٢٠٠٤، عندما انتفض الكرد في سوريا ضد النظام السوري، فعلى خلفية مباراة لكرة قدم في القامشلي/ قامشلو بين ناديي الجهاد والفتوة، حصلت خلافات بين جمهور الفريقين، وتدخل الأمن السوري ضد الجمهور الكردي، ليتحول الملعب إلى حلبة. قام النظام يومها بإطلاق الرصاص على الجمهور الكردي داخل وخارج الملعب، أسفر ذلك عن مقتل أشخاص بين المحتشدين، لتنطلق الانتفاضة ضد النظام في اليوم التالي، وذلك خلال التشييع، وامتدت في جميع مناطق تواجد الكرد في سوريا، في تظاهرات هزت النظام، وكسرت الخوف، عبر تحطيم تماثيل حافظ الأسد وإزالة صور بشار الأسد من الدوائر، وتحطيم جميع اللافتات التي حملت شعارات البعث. لكن النظام واجهها بالعنف واعتقل آلاف الشبان، مبيناً للرأي العام السوري أن الكرد مجرد “انفصاليين”. ومع أن الكثير من السوريين فهم مع بداية الثورة السورية ٢٠١١ أسباب انتفض الكرد عام ٢٠٠٤، إلا أن نظرية الانفصال بحق الكرد مستمرة حتى اليوم، حتى في عقول العديد من مناهضي نظام الأسد.

*صحافي كردي سوري