أنا لاجئ في ألمانيا، وألمانيا هي الوطن الحلم، كنت أحلم بها وطناً في صغري ومراهقتي، والحلم: هو رغبات يجافيها الواقع فيحققها اللاوعي، أو مخاوف يواجهها اللاوعي حين يتعذّر على الأنا الواعية مواجهتها في الصحو.

كنت أحلم بألمانيا رغبة بحُرية سياسية وجنسية ودينية واقتصادية وثقافية افتقدتها في واقعي، وخوفاً من مواجهتي الدائمة لمحرّمات ذلك الواقع إن أردت أن أكون حراً، تلك المواجهة التي لم تكن لتؤدي عادة سوى إلى الاعتقال أو العار أو الفقر، أو لهم مجتمعين. ففي سوريا التي حُرِّمت فيها السياسة على الناس، كان كل شيء سياسياً، وكل شيء مخيفاً، وانعدام الأمان هو وحده الواقع المتسيّد.

جاءت الثورة عام 2011، فأحببت سوريا كما لو أنها الحلم وفرحت، ثم جاءت الحرب بكابوسها فارتعبت، ثم جاءت الهجرة فغادرت! لكن الخروج من بلد لا يقدّم سوى الموت لا يعني أنّي نجوت، فالحطام والموت السوري بقي معلقاً على وجهي كدمغة يقرأها جميع العابرين الذين أعبر في بلادهم بوصفي “سورياً”.

سوري، بعد الفشل الشامل، تعني “لاجئاً”، وتعني ضحية، تعني شفقة مجبولة بالقرف والذنب، تعني تذكّر ما يريد الجميع نسيانه، تعني إرهاباً وتهديداً محتملاً لهذا العالم المُسالم.

لكني نجحت! وصلت إلى ألمانيا “الحلم”!

قبل نجاحي العظيم، ومعه، حقدت كثيراً، حقدت على النظام الذي أحقد عليه سلفاً وقبل الثورة بسنوات طوال، مذ كانت ترعبني، وترعب القرية كلها، سيارة المخابرات “البيجو” القادمة لتسأل عن أخي “الشيوعي”، مذ كان أبي يضرب أمي لأن ضيوف أخي الشيوعيين العلويين ناموا في بيتنا، فهي المسؤولة عن تلك التربية “العاطلة”… مذ أخفى أبي اسم أخي ذاته بلا سبب، أمام ضابط شعبة التجنيد (وليس حتى ضابط أمن) وهو يعدد أسماء أولاده، أخفاه كأنه ليس موجوداً، كأنه ليس من أبنائه، أخفاه كمن يخفي جريمة، أو يخفي العار… مذ رأيت عنصري أمن اثنين بزي مدني ومسدسات على الخصر وحرف القاف يلعلع عالياً، يضربان رجلاً مدنياً في الباص حتى سال الدم من وجهه وهو يتكوّر كدودة، دون أن يجرؤ أحد إطلاقاً على قول كلمة واحدة أو سؤالهم عن السبب أو حتى عن هوياتهم.. (كم شعرت أني بلا كرامة عندما بلعت خوفي يومها ولم أدافع عن ذلك الرجل!).

بعد الثورة، انضاف إلى حقدي على النظام حقدي على الإسلاميين، على إيران وحزب الله وروسيا، على أمريكا وأوروبا، تركيا والسعودية، حقدت كثيراً، وما زلت!

لكني وصلت ألمانيا “الحلم”!

تُصنَّف ألمانيا ضمن البلدان العشرة الأكثر سعادة ورخاء في العالم، تبعاً لمصنّفي السعادة الإلكترونيين وهكر المعلومات، لكني لست سعيداً! وذلك ليس لأني بلا وطن مثل الفلسطيني، على العكس، لي وطن واسمه سوريا، وتعترف بعلمه وحدوده ونظامه وجواز سفره كل دول العالم تقريباً، والأمم المتحدة لم تقصّر بالاعتراف به أبداً في الحقيقة، حتى إنها زوّدته بمواقع المشافي التي يتوجب عليه قصفها مع الروس في الغوطة وحلب للقضاء على “الإرهابيين” الأشرار.

ليس للفلسطيني وطن، لكن له قضية واضحة، ينصبها خيمة ويعيش فيها، أما السوري فلا يتفق أحد في العالم على قضيته، ولا يتفق عشرة سوريين مع بعضهم على عنوان القضيّة، يسميها بعضهم (ثورة)، وآخرون (إرهاباً)، وغيرهم (انتفاضة)، وغيرهم (تمرداً)، وغيرهم (أزمة)، وغيرهم (مؤامرة على النظام) ثم (مؤامرة على الشعب)… يعدّها الكثيرون حرباً عالمية بالوكالة تقودها أمريكا والماسونية، يسميها العالم حرباً أهلية، ويسميها أوباما حرباً قبليّة… تسميها السعودية والفصائل الإسلامية وهنتغتون (حرب الشيعة على السنّة)… ما هي هذه “القضية، وهذه الـ “سوريا”؟… يا ليتني كنت فلسطينياً!

 أنا علماني، وحاقد على التراث، لذلك بدأت أعلّم أطفالي أن كل ما يأتي من التراث (الديني خصوصاً) هو خاطئ، وهذا ينطبق على التراث الألماني. أخبرتهم بأن “بابا نويل” هو كذبة دينية، وأن من يقدم الهدايا للأطفال في الكريسمس هم الأهل وليس ذلك الكائن الخرافي. بكى أطفالي كثيراً لمعرفة الحقيقة، الحقيقة المؤلمة دائماً، (هل أنتقم من أطفالي! أو من وطني الذي خرّبه تراثه ودمره نظامه “العلماني”!) من أنا لأحرمهم الحلم، عبر حقيقة باردة كنصل السكين؟ من أنا!

لم تغب ملاحقة جنود النظام لي عن أحلامي الليلية، أمضي معظم نهاراتي غاضباً وغير آمن، في هذا البلد الآمن. لكنني متكيّف، وغالباً مندمج في هذا الوطن الجديد الذي اندمج هو أيضاً مع شعوره بالذنب، ولم يسامح نفسه، بعد. نعم متكيّف، فمن تكيّف مع زمن حافظ الأسد يمكنه التكيف مع الجحيم.

لم تكن سوريا وطناً لأحد، فالجميع خائف بغض النظر عن الطبقة والفئة والوظيفة، عنصر الأمن والضابط والوزير والمدير والسفير والعامل والفلاح؛ لا أوطان للخائفين سوى خوفهم، أما الوطنية فتُقاس بالولاء، والولاء لا حدود له، قد يسقط فوراً ويتحول إلى خيانة بمجرد خطأ واحد، أو تقرير من مخبر ينافس في الولاء… لا يحتمي أحد بالقانون، فحالة الطوارئ هي القانون، أما قانون “مكافحة الإرهاب” الحضاري الجديد، فاستبدل محكمة “أمن الدولة” الاستثنائية بمحكمة الإرهاب، واستبدل السجناء بلا محاكمة، بالقتلى تحت التعذيب ومحارق الجثث في صيدنايا، حسبما أخبرتنا “منظمة العفو الدولية” عميلة الإمبريالية.

نعم، لم تكن سوريا وطناً لأحد، لكنها أصبحت اليوم وطناً للاأحد، وطناً مفتتاً يعيش فيه السوريون الأعداء، والأفغان والإيرانيون واللبنانيون والروس والسعوديون والشيشانيون وكثيرون غيرهم. يتقاسمون هذا الوطن و”جنسيته الكريمة” كما يتقاسم الجوعى في المخيمات رغيف الخبز، ويتقاتلون على خدمته وإعادة تأهيله، كما تتقاتل الدول والـ NGOs على خدمة اللاجئين وإعادة تأهيلهم، أو ترحيلهم.

لكن سوريا ما زالت وطناً، بل هي الوطن. عاد كثيرون إلى حضن الوطن الدافئ؛ وبضمانات روسية، فقتلوا من دفئه تحت التعذيب. ومن سنجد أفضل من روسيا العظيمة ضامناً لسوريا المعذّبة، ومتعهداً طويل الأمد للعذاب السوري!

“قُتل تحت التعذيب” جملة مكررة وباهتة، أرتشفها عادة مع قهوة الصباح، أستطعم المرارة في فمي، والنقمة في شراييني، ثم أمضي سريعاً وسعيداً إلى عملي في وطني الجديد، وطني الحلم، وطني الغريب، فأنا ما زلت غريباً عنه، وهو غريب، وما زلت أحلم، كالأطفال، بسوريا!

*كاتب سوري