تحت عنوان “رؤية منظّمات مجتمعٍ مدنيٍّ سوريّة حول المبادئ العامّة لعمليّة إعادة البناء” قدمت “مجموعة العمل من أجل بناء سورية حرّة” تصورها عن أخلاقيات وثوابت عملية إعادة الإعمار في سوريا، أمام ما يتم تداوله حالياً في الأوساط الدولية، وذلك في ورقة نشرتها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت عليها حتى الآن ٣٨ منظمة مجتمع مدني سورية.

وتشير مقدمة الورقة إلى اطلاع الفريق القائم على إعدادها على ما يدور في أروقة المجتمع الدولي حول عملية إعادة الإعمار، وتنوه إلى ما تظهره المناقشات التي اطّلع عليها الفريق، حسب ما نشر، من “ارتباط هذه العمليّة بالتسويات الممكنة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا على وجه الخصوص، وبقيّة الأطراف الدوليّة والإقليميّة بدرجةٍ أقلّ”، وإلى ما تبديه من “ميل للتخفّف من شروط العدالة والديمقراطيّة”.

وتصف الورقة التفاعل مع موضوع إعادة البناء على أنّه “المحدّد الأساسيّ لمستقبل بلدنا وشعبنا، والفاصل بين أن تكون هناك ديمقراطيّةٌ في أيّ وقتٍ، أو أن تتمّ رعاية إعادة بناء الاستبداد والظلم، الأمر الذي سيكون له تأثيرٌ طويلُ المدى. ومن ذلك أن تقوم روسيا وإيران، وسلطة الأسد، بإعادة بناء النظام الاستبداديّ، ومكافأة من شارك في قتل السوريّين من أركان النظام وأتباعهم، ورشوة قطاعات من المحبطين عبر تقديم المساعدات الدوليّة لهم على أنّها عطايا من هذا التحالف. ومن ذلك أن يقوموا بصرف معظم النفقات المخصّصة «لإعادة الإعمار» في المناطق التي يعدّونها مواليةً لهم كمكافآتٍ سياسيّةٍ، ولإعادة الأغلبيّة السوريّة التي ثارت عليهم إلى الصمت والطاعة الذليلة؛ وإن حصل ذلك، وكلّ تحرّكات الأطراف الثلاثة المذكورة تدلّ على أنّهم يهيّئون لذلك، فستكون عمليّة إعادة الإعمار مكافأةً من المجتمع الدوليّ لمجرمي الحرب، بدلًا من معاقبتهم، وتمويلًا لإعادة بناء نظام الاستبداد”.

وتوضح الورقة أن الشروط المتضمنة فيها تأتي في سياق ضمان أن “يصبّ تمويل المجتمع الدوليّ لإعادة البناء في مسار صناعة العدل والديمقراطيّة في سوريا”، بالتشديد على “أن يربط المجتمع الدوليّ مساهمته المتدرّجة في إعادة البناء (ويتضمّن ذلك رفع العقوبات المتدرّج) بهذه الشروط والمعايير”.

وتحدد الورقة فهم الفريق العامل على إعدادها للـ “الديمقراطيّة الضامنة لحريّة تنظيم الناس لأنفسهم، وحريّة التعبير، وحريّة الصحافة، ومشاركة الناس من التخطيط إلى المراجعة النهائيّة” على أنها “شرطٌ لنجاح عمليّة البناء، وإلّا ستفضي إلى نظامٍ استبداديٍّ فاسدٍ يستحيل إصلاحه، وتفكّكٍ مجتمعيٍّ مستدامٍ”.

وحسب الورقة المعلنة، تقترح هذه المنظمات “محدّداتٍ أساسيّةٍ ومبادئَ عامّةٍ… لضمان أن يُعادَ البناء وفق محدّدات حماية حقوق الإنسان والقانون الدوليّ، وأن تضمن سلمًا حقيقيًّا ومستدامًا لبلدنا”. أهم هذه المبادئ وفق ما ورد أن تكون عملية إعادة البناء “عمليّة تمنع استمرار الانتهاكات، أو إعادة إنتاجها”، وأن تكون “عادلة ومبنيّة على أسس الديمقراطيّة والشفافيّة والمصلحة الوطنيّة”، و “مستدامة، وتشارك فيها المجتمعات المحليّة”.

عن اختيار توقيت نشر هذه المبادئ تقول علا البرازي منسقة المجموعة لبوابة سوريا إن “هدفنا المرحلي هو مؤتمر المانحين الذي سيعقد في بروكسل في الربيع القادم، كما أن المجتمع المدني السوري بلغ مستوى من النضج، يتم التعبير عنه اليوم بالتصدي لموضوعات مختلفة منها موضوع إعادة الإعمار. وفي هذا السياق تدرك المنظمات المكونة لمجموعة العمل من أجل سوريا حرة، تدرك شروط وجود دولة ديمقراطية، وسلام مستدام، والتي هي مصالح وطنية ديمقراطية للسوريين، وعوامل أساسية لا غنى عنها لوجود واستمرار المجتمع المدني السوري”.

أما عن الغاية من حشد التبني من قبل منظمات المجتمع المدني السوري لهذه الورقة، فتنوه البرازي:  “لسنا بصدد حشد، بل فتح حوار، وتشبيك وإنتاج رؤية مشتركة”. موضحة أن “ما حصل حتى الآن هو خطوة من مسيرة طويلة نجتهد لتتحول إلى حالة من التفاعل المدني، والتعاون، بحيث نستطيع الوصول لأوسع شرائح سورية ممكنة لحشد التأييد وتأمين الضغط اللازم على الأطراف السورية والدولية المعنية”. محددة تصور المجموعة عن الأثر المرجو من الورقة استناداً على أنها “تشكل خطوة إجرائية يتخذها المجتمع المدني السوري، وتتضمن في نفس الوقت المعايير التي ستحدد تفاعلنا كعاملين في الشأن العام السوري. وتأثيرها بالتالي هو سياق نضالي طويل، يتجلى بتحولها إلى معايير إجماع وطني ديمقراطي من جهة، وبقدرتنا على تطوير البنى المدنية اللازمة لضمان هذا التحول من جهة أخرى”.

يشار أن الورقة هي أول جهد جماعي معلن في سياق تثبيت موقف للمجتمع المدني السوري من قضية إعادة الإعمار، ضمن إطار لا ينصفه وصفه بالثوري فقط، بل بالوطني، الساعي لأن يكون جامعاً، والطامح إلى إعادة إعمار تالية لعدالة ولإرساء حد أدنى من الديمقراطية والحريات في سوريا.