الثورة.. مناهضة النظام.. الشرخ العربي- الكردي

رسخت انتفاضة الكرد في سوريا عام ٢٠٠٤، بوضوح صورة لغضب سلطة البعث السورية، اتجاه الكرد الذي زاد اليقين لديهم بضرورة الاستمرار في النضال ومناهضة النظام حتى التغيير. فكانت ردة فعل النظام السوري على التمرد الكردي قاسية، لم تقتصر على الاعتقالات والتضييق، بل رافقها سياسات استثنائية جديدة، توحي أن النظام لن يتسامح مع من حطم تماثيل حافظ الأسد، وكسر اليافطات التي تحمل صور بشار الأسد، إضافة لإزالة شعارات حزب البعث العربي الاشتراكي من جدران المدن، فبدأ النظام بتضليل الرأي العام السوري، بأن الكرد يسعون لمشروع انفصالي، كان ذلك مرافقاً للحكم الذاتي الذي تمتعت به كردستان العراق إبان سقوط نظام صدام حسين. وفي عام ٢٠٠٨ أصدر النظام المرسوم التشريعي رقم /٤٩/ الذي يمنع نقل وبيع واستئجار واستثمار العقارات في المناطق الحدودية، الذي جاء كقانون مخصص للمناطق الكردية، رافقه ظاهرة تصحر وجفاف في المنطقة، ما ساهم بنزوح مئات العوائل الكردية مدنهم إلى مدن الداخل السوري.

انتفاضة الكرد في سوريا، لم تأخذ حيزاً في الإعلام، لضعف وسائل التواصل آنذاك، وهيمنة السلطة وأيضاً عدم اهتمام من قبل وسائل إعلام عربية ودولية للتغطية، بجانب ضعف وسائل الإعلام الكردية، ومن بينها إعلام الحركة السياسية الكردية.

كثير من الظروف مجتمعة جعلت الأحزاب الكردية تتأنى في مسألة تبني الثورة السورية في آذار عام ٢٠١١، فبرغم أنها لم تكن بعيدة عن الأوضاع الدائرة في البلاد، خاصة أن الشارع الكردي في سوريا شهد مشاركة واسعة في معظم المدن منذ الأسابيع الأولى للثورة دعماً لثورة هادفة إلى التغيير، لكن أسباب التأني كانت نابعاً من تخوف الكرد لئن يكونوا ضحية للنظام مجدداً، في حال تم القضاء على الثورة، عدا عن حسابات الحركة السياسية من أن تكون المعارضة في حال وصلت للسلطة، أن تحمل فكراً سلبياً تجاه القضية الكردية في سوريا، وتهمش القضية الكردية، فلا يدرك كثيرون من السوريين حتى اليوم، أن المطالب القومية للشعب الكردي، هي جوهر القضية الكردية لدى الشارع والحركة السياسية، فالأحزاب الكردية تمثل رغبة الشارع متخذة مكانة هامة بين الكرد، من هنا فشلت العديد من محاولات النظام والمعارضة في إبراز شخصيات كردية لتمثيل الشعب الكردي، بحسب أهوائهم وتفكيرهم، لكن هذا لم ينجح، بحكم أن تمثيل الكرد عملية معقدة وحساسة، فالكرد وطنيون بقدر احترام هويتهم القومية، وقوميون تجاه قضيتهم بقدر عدم الاهتمام بها، وديمقراطيون يطالبون بحقوق الغير وحقوقهم، فشعارات الأحزاب الكردية تأخذ بغالبيتها المفهوم الديمقراطي، ولا تخلُ أدبياتهم من تبيان أن حل القضية الكردية في سوريا يوازي حل عادل للقضية الوطنية السورية، فلم يدعي أي حزب كردي الانفصال كما يتهمهم الشارع السوري.

غالبية الطروحات نحو شكل الدولة التي قدمتها الحركة السياسية الكردية للمعارضة السورية بعد الثورة، لم تلق الاهتمام والدعم، حيث أرادت المعارضة صهر الكرد في البوتقة السورية، وتأجيل الحقوق الكردية لعقد ما بعد النظام. فشكل اللامركزية السياسية الذي طرحه الكرد قوبل بالرفض، أيضاً طرح شكل “الفدرالية” والذي يعني الاتحاد قوبل بالاتهام بالانفصال. فيما البرنامج السياسي للمجلس الوطني الكردي الذي يمثل الحركة السياسية الكردية بغالبية أحزابها في سوريا يتضمن البنود التالية: – الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية وبـ”الشعب” الكردي الذي يعيش على “أرضه التاريخية”.

  • إزالة كافة السياسات الشوفينية والقوانين التمييزية التي طبقت على كرد سوريا (يقصد فيها الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي).
  • إزالة كل السياسيات الشوفينية والقوانين التميزية التي طبقت على أكراد سوريا، وتنفيذ إجراءات لألغاء مفاعيلها والتعويض عمن تضرروا منها.
  • اللامركزية السياسية للحكومة في إطار وحدة أراضي سوريا.

بعد أشهر من الحراك الثوري، ظهر التواجد العلني للحركة السياسية الكردية، التي انخرطت في أجساد الثورة السورية، بل وكانت مؤسسة لأجسام مثل المجلس الوطني السوري، فقط حزب الاتحاد الديمقواطي الـ PYD ، اتخذ طريقاً أخر في تلك المرحلة، برغم أن الحزب كان يخرج في تظاهرات بشكل فردي، وانضم إلى هيئة التنسيق الوطنية المعارضة، إلا أنه لم يتخذ موقفاً رسمياً في تأييد الثورة السورية، وكانت له نظرته الخاصة لمفهوم الثورة، برغم أن الحزب تعرض قبل سنوات من انطلاقة الثورة، لاعتقالات في صفوف قيادته وكوادره.

أن حراك الكرد مع الثورة لم يتوقف برغم عديد الإغراءات التي قدمها النظام، من بينها منح الكرد المحرومين من الجنسية السورية (الأجانب ومكتومي القيد)، الجنسية، في محاولة لاستمالة الكرد لجانبه، لكن هذا لم يوقف الحراك المناهض للنظام في المناطق الكردية! أيضاً رفضت الحركة السياسية الكردية، دعوة من النظام السوري بزيادة إلى دمشق!

كل الحديث آنف الذكر كان واضحاً في مرحلة سلمية الثورة السورية، التي شكلت تعارفاً متيناً بين السوريين، بين الكردي والعربي، وإبن قامشلو/ القامشلي وإبن حمص، ففي الفترة التي كان النظام يقوم بقطع شبكات الاتصال والانترنت عن المحافظات السورية، أيام الجمعة، لمنع بث التظاهرات المناهضة له، كانت المدن الكردية (قامشلو وديريك والدرباسية وسري كانية وعفرين وكوباني وعامودا) بحكم جغرافيتها مع تركيا، تملأ تظاهراتها شاشات الإعلام. إلا أن هذه اللوحة بدت تتلاشى مع ظهور الخلافات والصراعات، كان أهم أسبابها عسكرة الثورة السورية، رافقها اتهام الكرد بالانفصال عندما كانوا يرفعون العلم الكردي لجانب علم الثورة في التظاهرات، برغم أن رفع العلم الكردي ليس بالضرورة أن يعني الانفصال، كما لا يعني أن ليس من حقهم أن يفكروا بتقرير مصيرهم.

استطاعت الحركة السياسية الكردية الممثلة بالمجلس الوطني الكردي، ومجلس شعب غربي كردستان بتشكيل الهيئة الكردية العليا، ذلك عندما بدأت سلطة النظام يخف وتيرتها في المنطقة، فبدأ الهيئة بتسيير الأمور الحياتية، باستقبال النازحين السوريين من مدن ومحافظات سورية متعددة، والاهتمام بهم ومساعدتهم، لكن هذه الصورة لم تدم كثيراً بعد أن قام ٤٨ فصيل عسكري معارض بدعم من تركيا، بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠١٢، باقتحام مدينة سر ي كانيه/ رأس العين عبر البوابة الحدودية التركية، ما أسفر عن نزوح أهل المنطقة، ووقوع ضحايا نتيجة الاشتباكات وقصف النظام، الأمر الذي أدى لصراع جديد بين الكرد والمعارضة السوري، الأمر الذي شكل أثراً سلبياً في المشهد العام للعلاقات العربية- الكردية، التي عززتها العسكرة من جهة، واستنكار المعارضة السياسية السورية لحقوق الكرد من جهة أخرى، وهو ما نشهده حتى اليوم من نزاعات لن تنته بميسرة، إلا بعقد سوري جديد كاللذي يحلم به الجميع، ويحفظ للجميع حقوقهم وقضاياهم.

*كاتب كردي سوري