**الجزء الأول من شهادة طبيب من مدينة عفرين، عن اعتقاله في سجون إحدى فصائل المعارضة السورية.

تردد بداية في الكلام عن أي شيء حدث معه داخل سجن إحدى الفصائل، كان يختم كل جزء من حديثه، بأن عفرين ستبقى بخير مهما حصل وسيحصل.

أخبرته أنني لن أياس من تكرار الطلب، وعليه كطبيب أن يقدر طلب شاب يريد توثيق صورة عما حدث في عفرين، وأن يعلم أنني سأزوره في كل زيارة لي لعفرين، وأكرر طلبي، منه ومن غيره، سواء رفض أو وافق.

بعد أقل من شهر راسلني عبر الماسنجر، لأزوره في حال كنت في عفرين.  لم تفصلني عنه إلا مسافة الطريق، كنت أخشى إن أبدى استعداده بالتحدث اليوم، ألا يفعل مجدداً. وصلت، طلب مني أن أستريح قليلاً، لأن علينا الذهاب إلى قرية تتبع لناحية بلبلة، حيث يريد الأطمئنان على والد صديق مغترب، إذ كانت أخبار والد صديقه قد انقطعت منذ سيطرة فصائل المعارضة المدعومة من قبل تركيا على قريته.

سرنا باتجاه قرية صديقه، على الطريق الواصل بين قرى عفرين ومركز المدينة، حيث أشجار الزيتون على جانبي الطريق، أخبرني بعد نقاش طويل حول سوريا والتبدلات العسكرية والأخطاء المتكررة بحقنا: “لا أحد يحمي هوية عفرين إلا الزيتون، وهذا الزيتون الذي تراه أمامك لن يخون عفرين مهما حدث، مهما قطعوا من زيتونها لن يستطيعوا إلغاءه من عفرين”.

دار الحديث حول من خان ومن قطع الزيتون، ليخبرني أن الطامة الكبرى كان في ربط كرد عفرين وزيتونها بفصيل عسكري أو جسم محدد: “لن تفلح قضية لا تجد غير السلاح أداة لحمايتها، لا تظن أن كل كرد عفرين مع الوحدات، فالتجنيد الإجباري كان له سبب بإغراق أهالي عفرين بمستنقع الوحدات، لا يوجد بديل ولا تستطيع إيجاد بديل، إما معنا أو ضدنا أو يتم إقصاؤك. لا تريد الفصائل فهم هذه المعادلة، لأنه لا يروق لها البحث في المسببات، فدفع الإتاوات أسهل عليهم من البحث وتقصي حقيقة كل شخص سيدخل سجونهم”.

لقد تم تحوير القضية الكردية، والابتعاد عن مطلبها عندما ربطت بالسلاح، وكذلك الثورة السورية.
قاموا بضربي وإذلالي بطريقة لا تختلف عن طرق أفرع الأمن، كنت أسمع بعد انتفاضة ٢٠٠٤ عما حدث مع أهالي عفرين في سجون النظام السوري وأقارنه بما حدث معي، فأجد ما حدث معي أشد قسوة، لسبب واحد، أن من يضربك الآن، هو نفسه الذي أملت يوماً بأنه سيحررك من الأسد.

لا أخفيك أنني حاولت تحاشي النظر إلى علم الثورة المهترىء والمعلق داخل السجن، كي لا أكرهه، ذاك العلم الذي كان قلبي يخفق فرحاً وخوفاً كلما رأيته أثناء متابعة المظاهرات في عامي ٢٠١١ و٢٠١٢.

كنت أهتف بقلبي مع المتظاهرين، في أول مظاهرة شاهدتها بأم عيني في عفرين، بكيت لأنني لم أستطع المشاركة، لكنني عاينت المرضى بالمجان لمدة أربعة أيام، كنت كلما تذكرت وجوه الشباب الهاتفة لأجل الحرية، لا أطلب من المرضى أي أجر، على أمل أن يكون أحد المراجعين والد أحد المتظاهرين.

ربما كان خطؤنا نحن الكبار عندما تركناكم في البداية، فأخذ مكاننا أشخاص، بعضهم لا عهد ولا ذمة له، ظننتم مواقفهم بطولة، لكنها كانت مرسومة لشيء أكبر، تحويل هدفكم وتغيير الأولويات التي طالبتم بها. أخطأنا، لكني لا ألوم نفسي في ظل ما عاشته عفرين منذ عهد جمال عبد الناصر وحتى عام ٢٠١١ مما يصعب أن يتحمله إنسان. لن أعود لك بالتاريخ إلى ما قبل جمال عبد الناصر، لكني أحدثك عن الخوف الذي ورثته عن أبي والذي أخشى أن أورثه لابنتي الوحيدة، إذ قدرنا أن نتوارث الخوف.

ذهبت إلى حلب عندما كنت مراهقاً، لنسعف رجلاً مسناً من قريتنا (كان جد الفتاة التي أحببتها والتي هي الآن زوجتي). جد زوجتي لا يعرف أي كلمة باللغة العربية، وأثناء الجلوس أمام مشفى الرازي بحلب آنذاك، أتى دور جد زوجتي، فتحدث إليه الممرض بلهجة حتى أنا الذي أتحدث العربية لم أفهمها. لن أذكر لك اسم المحافظة التي ينحدر منها ذاك الممرض كي لا أكون داخل منظومة الكراهية التي اجتمع عليها أبناء هذا البلد لكره بعضهم، لكنه قال وقتها بسخرية:

إننا في دولة البعث وعلينا أن نتعلم العربية شئنا أم أبينا، وإننا خونة، وإن أراد العدو القضاء على سوريا فنحن في المقدمة لخيانة هذا الوطن! وقال إن بيننا الكثير من الجهلة. كم أتمنى اليوم وأنا طبيب متخصص، لو أراه لأخبره أني ذاك الكردي “الجاهل”! هل تؤمن معي بالحقد الإيجابي، ذاك الذي يدفعك للانتقام بالفكر؟

لقد حملت بقلبي ذاك الحقد إلى اليوم، لم أقتل أو أفجر ذاك الممرض وكل بعثي يؤمن بالفكر الذي يؤمن به، انتقمت عندما عالجت مساعداً ثرثاراً كان مصاباً بطعنة سكين عام ٢٠٠٤. لا أعلم من طعنه، لكنه كان يشتم الأكراد ويُرجع سبب الطعنة لمظاهراتهم التي طالبوا فيها بحقوقهم، تكلمت معه باللغة الكردية متعمداً، عرف أنني كردي وأن كردياً يعالجه من ضربة مجهول، هو نفسه الذي ظن أن الفاعل كردي… كنت أعلم أنه سيخرج وسيبقى يقول إن الطعنة كانت من كردي ولن يقول إن الذي عالجه كان كردياً كذلك، لكني اكتفيت بشعوره عندما يتذكرني.

اعتقلتني الفصائل لأنني أعالج مقاتلي الوحدات! لم يتركوا مجالاً للحوار أو توضيح دور الطبيب في الحروب، كانت أياماً مليئة بالصمت المؤلم، أردت أن أقول لهم: إن كانت ثورتكم على الأسد لتحصيل حقوقكم، فثورتنا عليه لاسترداد هويتنا ولغتنا. لكنهم لم يسمحوا لي بالكلام. ظلت هذه الكلمات أسيرة في ذهني أثناء وجودي داخل السجن وبعد خروجي.

يشعر المسافر إلى بلد أجنبي لا يتكلم لغته بالاغتراب، وربما اكتئاب نتيجة لذلك، والتخبط بقراراته وحياته… فكيف لمن يمنعك من لغتك فلا تستطيع التحدث بها على أرضك!؟

لم تجرب الشعور بسبب صغر عمرك، لن تفهم ما أقوله لك ولا أريد أن تعيش هذا الشعور لكي تفهم، لكنه شعور مؤلم أن يتم طمس هويتك، هذا ما فعله الأسد بنا، ثم يأتي المحقق داخل السجن ليتهمني بأنني عميل للأسد… هل تصوّر ذلك!

عندما لم يبقى وجود لنظام الأسد في عفرين أواخر عام ٢٠١٢ خفت، وعندما كان موجود خفت وبعد خروجه خفت أيضاً، لست رجلاً سياسياً واحترم مهنتي كطبيب واحترم دور غيري، لكن لا أحد يريد سماعك!

عندما تم الإعلان عن إقليم روجافا، تحقق ما كنت أخاف منه، فالأسد لم يخرج من المنطقة إلا لأجل هذا وبحجة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، يمارس ضدنا ما لم يمارسه علينا سنة ٢٠٠٤ وقبلها. كذلك عندما تم الإعلان عن إمارة النصرة ودولة العراق والشام، تحقق ما خفت منه وأنت ترى معي ما حدث في سوريا بعد إعلان العسكرة دويلات خاصة بهم، الأسد “ملعون” يعرف أنه على خطأ وأن الشعب صاحب مطلب محق، لكن مطالب الشعب غير مشتركة، فلا خلاف على ظلمه لكافة مكونات الشعب، لكن منظومته، تركت الكثير من المناطق وشاركت الظلم على المواطن مع داعش ومع الحر ومع الوحدات.

تلاحظ ذلك عندما تمنع داعش وجود أحزاب أو العيش مع الآخر وتقبله، وتلمسه عندما لا تتقبل الفصائل وجود آخر معها وكذلك الوحدات، فكل منهم رفع السواتر الترابية ووجه بندوقيته على الآخر، فيما الأسد مستمتع بهذا المشهد الذي يمده كل يوم بالشرعية بين دول العالم.

يتبع…

*صحفي سوري