تعد الزراعة من أكثر المهن التي يعتمد عليها السكان في ريف حلب، وهي غالباً ما تكون المهنة الأساسية والمصدر الرئيس للعيش لديهم. وقد شهد القطاع الزراعي في الفترة الأخيرة تغيرات عديدة كانت نتائجها سلبية جداً على المزارعين.

بعض السياسات المتبعة في التوزيع 

 ترخي الأزمات بثقلها على الفلاح الذي طالما انتظر نتاج جهده وحصاد هذا الجهد طيلة العام. ولعل من أهم أسباب الأزمة التي يعانيها العاملون في القطاع الزراعي، تراجع معدلات هطول الأمطار في السنوات الماضية بشكل كبير بحسب الأرصاد الجوية، ممّا أثَّر على الزراعات البعلية والشتوية بشكل خاص.

على صعيد آخر، يقول المهندس الزراعي عبد الرحمن أحمد، في حديث إلى “بوابة سوريا” إن “أكثرية السكان في مناطق ريفي حلب الجنوبي والغربي يعتمدون على الزراعة، حيث تشكل نسبة اعتمادهم عليها 80%، أما بقية السكان فيعتمدون على العمالة في أكثر من قطاع، وقسم بسيط منهم يعتمد على التجارة”. ويكمل حديثه عن الواقع الزراعي واصفاً إياه “بالسيء للغاية من حيث التخطيط في الأمور الزراعية، وأسعار المنتجات الزراعية، وهو ما لعب دوراً كبيراً في هذه الأزمة، نظراً لكون الزراعة تعتمد على العرض والطلب، ولا يوجد من يتحمل مسؤولية خسارة المزارع”.

ولفت أيضاً إلى دور التجار في تغيير أسعار المحاصيل الزراعية، “عبر إدخال سلع شبيهة بسعر أقل، ما أدى إلى انخفاض أسعار المحاصيل وإلى خسارة أكيدة للمزارع، إلى جانب عدم وجود أسواق مباشرة للتصريف أو تصدير البضاعة سواء إلى مناطق النظام أو إلى تركيا. فقد رفضت الحكومة التركية استقبال أي نوع من المحاصيل كالثوم والقمح خوفاً من إلحاق الضرر بالمزارعين الأتراك”. وتختلف أسعار المحصول بين منطقة وأخرى “نظراً لاختلاف سيطرة الفصائل المعارضة عليها” بحسب قوله.

وقد كان لاختلاف أسعار المحروقات دورها أيضاً في التأثير السلبي على الزراعة. يقول أحمد العلي، وهو بائع محروقات، لـ “بوابة سوريا” إن “تغير أسعار المحروقات لعب دوراً كبيراً في التأثير على المزارع، حيث ارتفع سعر البرميل الواحد في الآونة الأخيرة إلى 60 ألف ليرة سورية، ما شكل عائقاً كبيراً أمامه للاستمرار في عمله”. وبيّن العلي سبب ارتفاع وانخفاض السعر بهذه الطريقة بــ “عدم السماح لصهاريج المازوت بالعبور من مناطق الإدارة الذاتية وغيرها من مناطق تواجد المحروقات، و أيضاً لعب احتكار التجار لمادة المازوت دوراً مؤثراً على المزارع وعلى الزراعة عموماً”.

المهندس الزراعي رامي الأحمد شرح دور المنظمات المختصة والعاملة في القطاع الزراعي قائلاً لــ “بوابة سوريا” إن “توزيع ما يسمى بـالمعونة الزراعية من قبل المنظمات يؤثر سلباً على المزارعين من خلال التوزيع غير المدروس والعشوائي، حيث يتم توزيع أصناف سيئة للمزارع وخاصة القمح وملحقاته كالأدوية والأسمدة وغيرها. ويلجأ المزارع إلى المنظمات بسبب التوزيع المجاني للمواد دون الاكتراث لنوعها وجودتها”.

أحد المسؤولين في منظمة “إحسان” طلب عدم ذكر اسمه، نفى ذلك وما تم الحديث عنه من عدم جودة الأصناف الموزعة، قائلاً إنه “يتم عرض المواد: قمح، شعير، عدس… والتي سيتم تسليمها للمزارع، على خبير يقوم بفحص العينات والتأكد من جودتها و قابلية استخدامها”.

الإنتاج وتسليم المحصول أو تصديره

“الإنتاج جيد بشكل عام لكافة المحاصيل، وهذا ينتج عن رعاية المزارع الجادة بأرضه التي هي مصدر عيشه الأساسي”. هذا ما قاله المزارع محمد علي لـ “بوابة سوريا”. وتابع “علي” معتبراً أن “إنتاج محصول القمح والثوم للسنة الماضية كان جيداً”، وأن “المشكلة الأساسية لدى المزارعين هي التكلفة الباهظة وعدم وجود أسواق أو تصدير للمحاصيل كافة”.

“تكلفة الموسم مرتفعة جداً” بحسب “علي”، والسبب هو “شراء المزارع للمستلزمات، كـالأسمدة والأدوية، بقيمة الدولار الأمريكي، ثم بيع المحصول بالعملة السورية، ما يشكل فارقاً كبيراً لديه في السعر عوضاً عن انخفاض سعر المنتج عند بيعه مقارنة مع وقت شرائه”.

وبالنسبة لتصريف المحاصيل الزراعية، أكد المزارع عامر الفضل “عدم وجود أسواق لتصريف المحاصيل خاصة في العامين الماضيين، على صعيد محاصيل الثوم والقمح والحمص والبطاطا”، الأمر الذي “أدى إلى وقوع كارثة” بحسب وصفه، “فقد اضطر المزارع لبيع الطن الواحد من مادة الحمص المغربلة بـ 600 دولار أمريكي، بينما كان قد اشترى البذار في بداية الموسم بمبلغ 1050 دولار أمريكي، كما اضطر إلى بيع الكيلو الواحد من الثوم بـأقل من 25 ليرة سورية كعلف للأغنام في حين كان قد اشترى الكيلو الواحد بأكثر من 500 ليرة وقت البذار. فالفارق كبير، والسبب هو عدم وجود أو صعوبة وجود فرص تصريف للمواد في المناطق الأخرى الواقعة تحت سيطرة قوات الأسد أو الإدارة الذاتية”.

ونوّه “عامر” إلى “قيام بعض التجار بشراء محصول القمح (دكما) من المزارعين وتسويقه في مناطق النظام السوري عبر معابر المنصورة أو معبر مورك، وبيعه بسعر أعلى من المناطق المحررة”. وحول هذا، تحدث التاجر محمد يوسف قائلاً إنهم “كتجار جنوب وغرب حلب اشتروا كميات كبيرة من القمح الموسم الفائت، وقاموا ببيعها لتجار معروفين ضمن مناطق سيطر النظام، وإن انخفاض الأسعار دفعهم لذلك، إذ تم تسعير الكيلو الواحد من القمح في المناطق المحررة بـ 120 ليرة سورية، بينما قام النظام السوري بتسعيره بـ 175 ليرة”.

هذا الأمر دفع “حكومة الإنقاذ” إلى شراء محصول القمح وتسويقه في مناطق النظام بحسب خالد طارق، وهو من المشرفين على استلام القمح من المزارعين غرب حلب، حيث ذكر أن “حكومة الإنقاذ” “قامت باستلام أكثر من 2000 طن من القمح مقابل مبلغ 126 ليرة للكيلو الواحد، وتمت تعبئة سيارات شحن و إرسالها لمناطق النظام عبر معبر مورك في حماة”.

خالد مكسور وهو مزارع في جنوب حلب تحدث إلى “بوابة سوريا” بالقول: “رغم كل تلك المعاناة، إلا أن نظام المؤسسات التي استلمت المحاصيل لم يرحمهم، إذ قاموا بتسليم مادة القمح لـ (مديرية الزراعة الحرة) لتقوم الأخيرة بقطع 3.5 دولار للطن الواحد كأجور تعقيم، علماً أن المؤسسة سلمت القمح إلى المطاحن على الفور ولم يتم تعقيمه. كما قامت المؤسسة بخصم قيمته 10 كغ للطن الواحد” على حد قوله.” وأنهى كلامه قائلاً: “الفساد والمعاناة هي نفسها ولكن الوجوه تغيرت”.

رغم كل تلك المعاناة، تبقى للزراعة أهميتها ودورها في تلك المناطق وفي عموم البلاد، وطريقة التعاطي والاهتمام بهذا الموضوع يبقيان مطروحين دائماً على صعيد المسؤولين وعلى صعيد المزارع الذي تستمر معاناته اقتصادياً ومعاشياً لأسباب كثيرة.

*بوابة حلب

**التحقيق على ثلاثة أجزاء تنشرها بوابة سوريا تباعاً

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments