لم يكن مفاجئاً ظهور حركة السترات الصفراء في فرنسا، كتعبير عفوي عن حالة الغليان والتململ التي يشهدها المجتمع الفرنسي من الضائقة الاقتصادية التي يعانيها منذ سنوات، إذ انخفضت القوة الشرائية للمواطن الفرنسي العامل وغير العامل على حد سواء، مقارنة بنظيره المواطن الأوروبي المنتمي إلى البلدان المجاورة والمحيطة بفرنسا.

وأما السترة الصفراء، فهي عبارة عن سترة بدون أكمام، يرتديها السائق الذي اضطر للتوقف أثناء سيره، وتستخدم لتمييزه على الطريق ووتجنيبه احتمال الدهس. ويبدو أن ارتداءها في الاحتجاجات ما هو إلا تعبير عن توقف عجلة الاقتصاد، ومحاولة لتجنب دهس المواطنين الأدنى دخلاً من قبل الدولة الماضية قدما في خططها الاقتصادية.

ولا شك بأن حكومة التكنوقراط التي قادها الرئيس الفرنسي فرانسوا ماكرون تحمل تطلعات طموحة فيما يخص الحفاظ على البيئة، لكن يبدو أنها أهملت عن غير قصد الفجوة الاقتصادية التي باتت تتسع أكثر فأكثر بين دخل المواطن الفرنسي وامكانية شراء سيارة كهربائية تحافظ على البيئة!

نظرة سريعة على أسعار السيارات الكهربائية توضح غلاءها، ورغم حرص الشركات الفرنسية مثل بيجو ورينو على إنتاجها، ومنافسة الشركات الأمريكية التي تفوق أسعارها أسعار مثيلاتها الفرنسية عشرات الأضعاف، يتعذر على مواطن، يقل دخله عن ألفي يورو شهرياً، مجرد التفكير باقتنائها ولو دفع ثمنها على أقساط لعشرات السنوات!

الشركات الفرنسية الكبرى ذاتها، ضرائبها مخففة بحسب القوانين الأوروبية التي تشجع استثمارات الشركات الكبرى، فيما تفرض القوانين الفرنسية رسوماً متزايدة على المواطنين ذوي الدخل المنخفض!

لربما يكون اعتبار حركة السترات الصفراء يساراً فيه الكثير من التسطيح لعمق الأزمة، لكنها بالتأكيد تعبير عن الخوف على مكتسبات نظام الضمان الاجتماعي ذي السمات الاشتراكية، الذي يفترض وصول الخدمات العامة بجودة عالية إلى كل المواطنين.

لقد كانت حركة السترات الصفراء عفوية تماماً، إلى الحد الذي استدعى وجود متحدثين عنها، واستدعى عقد الاجتماعات لتنظيمها،  ووضع خطة مطالب واضحة على مستوى الجمهورية الفرنسية. أسئلة التنظيم والتمثيل لم تطرح على سبيل المثال في بدايات الثورة السورية، إذ كان التنظيم، السري غالباً، وسيلة الدعوة والتظاهر السلمي، الذي بقي سلمياً تماماً لستة أشهر، طوال!

السوريون بدورهم وجدوا في الحراك الفرنسي فرصة ربما لإسقاط تجربتهم عليه، كما على كل حراك موازٍ في هذا العالم، نصائح ونكات وتحليلات تكاد تعتبر فرنسا مدينة على تخوم سوريا، ولربما تكون رغبة مدفونة في استرجاع كل تفاصيل الثورة السورية التي أبكتنا طويلاً، ونحتاج أن ننزع الدمعة والغصة منها ونبدلها ابتسامة،  بثورة تنتصر، بحراك ينال مطالبه، وإن في فرنسا!

بين بشار الأسد، الرئيس الشاب الذي ورث عن أبيه كرسي الحكم ومزرعة بحجم وطن، وماكرون الرئيس الشاب كذلك الذي وصل للحكم بفعل حركته الصاعدة “فرنسا إلى الأمام”، وكذلك بفعل ضعف أحزاب اليمين وخطابها الإقصائي، وضعف أحزاب اليسار وخطابها الخشبي، وجدنا أنفسنا أمام مقارنة بين خطابين؛ خطاب بشار الأسد المتعالي الذي قرر أن يسحق شعباً بكامله رغم أحقية مطالبه وسلميته، وبين ماكرون الذي استجاب لمطالب حركة عفوية شابها بعض العنف منذ اليوم الأول!

حاول ماكرون في خطابه جاهداً أن يلامس كل متظاهر وأن يشعره بأنه يعمل من أجله، وأنه يطلب فقط بعض الوقت ليحقق تقدماً في كل الملفات العالقة، فيما كان السوريون الذين يتابعون الخطاب يلعنون هذا النظام الذي شردهم وقتل أكثر من مليون سوري وهدم ملايين البيوت!

لاشك بأن المقارنة لا تصح بين الحالتين، في فرنسا دولة يحكمها رئيس منتخب، وحكومة يستطيع المواطن الفرنسي محاسبتها، ومخابرات قوية لا يكاد المواطن الفرنسي يشعر بها، شعب استطاع أن يكرس قيم الثورة الفرنسية في جمهوريته، فأصبحت العدالة والأخوة والمساواة تطبق في قوانينه وتنعكس في سلوكه، يدفع المواطن العامل في فرنسا من ضرائبه للدولة الفرنسية التي تخصص مساعدة مالية من هذه الضرائب تكفي لإعالة المواطن غير العامل، والعامل بدخل منخفض، شكل آخر من أشكال التضامن الاجتماعي الذي كدنا نفتقده تماماً في بلادنا التي تتحدث كثيراً عن قيم الأديان وأخلاقها ولا تطبق الكثير من تعالميها في سلوك حكامها أو قوانينها!

ففي فرنسا ما يزيد على خمسة ملايين وستمائة ألف طالب عمل، بينهم ثلاثة ملايين ونصف هم بلا عمل مطلقاً، وحوالي مليونين يعملون في أعمال بوقت جزئي وبشكل غير مستقر. تكفل الحكومة لجميع هؤلاء حقوقهم في المساعدة المالية للمعيشة والصحة والسكن، إضافة للتخفيض الذي يحصلون عليه على فاتورة المطعم المدرسي لأطفالهم، وفي الكواليس، فإن بعض هؤلاء يعمل بشكل غير قانوني، أي يعمل دون إعلام السلطات بذلك محتفظاً بالمساعدات المادية التي توفرها الدولة، وبالتأكيد معرضاً نفسه للخطر في حال وقوع أي حادث أثناء عمله، وهو يحصل بالمقابل على هذه المساعدات من ضرائب الأشخاص الذي يصرحون عن عملهم ويدفعون الضرائب، ومعظمهم من ذوي الدخل المنخفض!

كل ذلك يفضي إلى ضرورة العمل على إصلاح نظام الضمان الاجتماعي والصحي والضريبي، بما يضمن وصول الحقوق إلى أصحابها والعمل على تحسين الخدمات التي يحصل عليها المواطنون الأدنى دخلاً، وهؤلاء اليوم يمثلون أو يؤيدون السترات الصفراء بعد أن غادر النضال النقابي مكاتب النقابات ورفوف أوراقها وبات الاحتجاج بحاجة إلى شكل جديد عابر للمؤسسات والأحزاب.

ورغم خطاب ماكرون الذي وعد فيه بزيادة الحد الأدنى للأجور والإعفاء من بعض الضرائب فيما يخص ذوي الدخل المحدود وتوجيهاته للحكومة والوزراء بخصوص ذلك، فإن السترات الصفراء وعدوا بسبت حار في فرنسا مجدداً، مؤكدين أن حراكهم مستمر حتى تحقيق مطالبهم كلها.

مشهد لا نستطيع سوى النظر له بعين الحسد نحن السوريون، ذوو “السترات الحمراء” إن جاز التعبير، فأكتافنا مثقلة بذكريات مجازر ودماء وأحبة بكت لفراقهم أفئدتنا، واغتالت قوى الظلام واعتقلت من بقي منهم من رفاق الحراك السلمي داخل البلاد.

وإذا كان الفرنسيون قد بنوا جمهوريتهم على ثورة دامية تشبه في لمحات منها ثورتنا ضد الظلم، فهل من غد ينصفنا كما أنصفهم، ويفتح الطريق لعودة نصالنا السلمي؟

*كاتبة سورية

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments