تعتبر منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي، ومنذ عدة عقود، مصدراً رئيسياً للإنتاج الزراعي في محافظة حماة وفي سوريا عموماً. وكانت خصوبة الأرض وانبساطها وتوفر المياه عوامل أساسية لتتحول الزراعة إلى مهنة رئيسية لأهالي المنطقة بشكل عام.

ولعل الأسباب التاريخية ساهمت بالدفع في هذا الاتجاه في منطقة سهل الغاب بالتحديد، حيث كان السهل سابقاً عبارة عن مستنقع مائي يجف أحياناً ويغرق بالمياه أحياناً أخرى، بحسب مستوى فيضان نهر العاصي وكمية المياه المتوافرة. بالتالي، لم تكن الأراضي الزراعية مستقرة وكذلك أحوال المزارعين، تزيد وتنقص بحسب الفيضان بحالة مشابهة نوعاً ما لظاهرة المد والجزر.

دور النظام في تراجع القطاع الزراعي

وتطورت الزراعة كثيراً في السنوات التالية لتجفيف الغاب، ودخلت زراعات عديدة منها الشوندر السكري والقطن، لكن أغلب المزارعين استقروا على زراعة القمح التي باتت استراتيجيةً ومؤثرة مع الجودة العالية التي يتمتع بها قمح المنطقة عالمياً. وكأغلب حال القطاعات الاقتصادية على مساحة الجغرافيا السورية، كان التدخل الحكومي سلبياً بالإجمال، فلم يسمح بكثير من التطور في المجال الزراعي ودخول المكننة الحديثة.

 تقول المهندسة الزراعية هند الحاج، وهي موظفة سابقة في “وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي” إن “الوضع الزراعي لم يتطور كثيراً في المنطقة رغم وجود كل الإمكانيات، سواء على مستوى الكميات أو المردود، حيث تضع الحكومة يدها على السهل وإنتاجه بطريقة غير مباشرة، وذلك بربط المزارع بها عبر مؤسساتها المعنية سواء (مؤسسة إكثار البذار) أو (هيئة تطوير الغاب) أو المصارف الزراعية. وتقوم المنظومة الزراعية في الغاب على العلاقة بين الفلاح/ المواطن ومؤسسة البذار/ الحكومة عبر المصارف الزراعية كــوسيط. تبدأ السلسلة بشراء الفلاح للبذار من مؤسسة البذار بكفالة من المصرف الزراعي، وفي نهاية الموسم يقوم الفلاح بتسليم محصوله إلى المؤسسة، دون أن يقبض منها ودون أن يعرف سعر مبيع منتوجِه، الذي تحيله إلى المصرف الزراعي، الذي يخصم المستحقات القديمة ويعطي الفلاح الباقي. وفي الموسم التالي يتكرر الأمر، يستجرّ البذار والأسمدة بدون دفع، ثم يسلم الناتج بدون قبض، وهكذا تستمر الحلقة بالدوران”.

وتضيف المهندسة هند قائلةً إن “المنظومة السابقة للعمل خلقت جواً من الروتين وقلة الاهتمام، نتيجة سير الأمور بنسق ثابت على مدى سنوات، ولم تكن هناك أي محفزات للتغيير أو التحسين. ولعل الأرقام الرسمية تثبت ذلك بصورة واضحة، إذ يعمل في الزراعة ما مجموعه أكثر من نصف اليد العاملة، في حين لا تزيد مساهمة القطاع الزراعي عن 13 إلى 25 % من الناتج المحلي (وهي نسبة تتفاوت من عام لآخر)، أي إنّ نصف القادرين على العمل لا ينتجون سوى ربع أو خمس الإنتاج! في علاقة توضح حجم الفشل في إدارة القدرات البشرية الهائلة”. وتابعت الحاج بأن “الاستقرار المزيف في العمل الزراعي انكشف لاحقاً في الفترة التالية، وظهر مقدار خبث النظام ومؤسساته التي لم تعمل على بناء الزراعة على أسس متينة وقواعد مستقرة، بل عملت على ربط المزارعين بها مباشرة، تجلى ذلك مع مطلع العام 2011 وبداية الثورة عندما انقطعت حبال الود بين مؤسسات النظام والمزارعين الذين باتوا في حيرة من أمرهم، مع الصعوبات الكبيرة التي باتت تواجههم، لاسيما أنهم غير معتادين سوى على نمط العمل الذي سبق ذكره، سواء في الحصول على مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة وأدوية، أو في تصريف الإنتاج”.

وشهد سهل الغاب تحولات واضحة وجلية في الزراعة، من هذه التحولات التخلي المطلق عن المحاصيل الاستراتيجية التي كانت تزرع سابقاً كالقطن والشوندر. يقول المهندس أنس أبو طربوش إن “جزءاً من الأراضي تحول من الزراعة المروية إلى البعلية، رافق ذلك انخفاض كبير في الإنتاج، كما تراجعت المزروعات الصيفية بشكل كبير بسبب قلة المياه بعد تأثر سدود قسطون وزيزون وأفاميا وشبه خروجها عن العمل، أو بسبب سيطرة قوات الأسد على المجاري المائية”.

 ويضيف أبو طربوش أن “تلك التحولات لم تكن بسيطة، بل كان لها تأثير شديد على كمية الإنتاج وأسعار المواد الغذائية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، لا سيما وأن ما يزيد عن 90% من أهالي سهل الغاب يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل”.

وفرض الواقع السياسي وانقسام المناطق بين محررة وأخرى خاضعة لسيطرة قوات النظام، نوعاً من التأثير السلبي الكبير على الواقع الزراعي بطريقة أو بأخرى، وكان الأثر السلبي الأكبر هو خروج مساحات شاسعة من أفضل الأراضي الزراعية وأكثرها خصوبة عن الخارطة الزراعية (قرى الخط الأوسط على سبيل المثال لا الحصر)، نتيجة وجودها في مناطق الاشتباك أو خطوط التماس.

 يقول أبو محمد رعدون، وهو مزارع من أبناء مدينة قلعة المضيق في ريف حماة الغربي: “إن عدداً كبيراً من المزارعين يعانون من عدم إمكانية الوصول لأراضيهم الزراعية في محيط المدينة، لوجود الحواجز العسكرية قربها، وإحاطتها شبه التامة بجيش الأسد والقرى الموالية، ما جعل كثيراً من المزارعين يضطرون لترك أراضيهم بدون زراعة، مما تسبب لهم بخسائر جسيمة نتيجة اعتمادهم عليها بالدرجة الأولى. ومع مرور الوقت حصلت محاولات من قبل البعض للوصول إلى الأراضي والعمل بها، لكنّ الحوادث المتكررة لاستهداف المزارعين ألغت الفكرة من أذهان الغالبية”.

 مدير المكتب الزراعي في المجلس المحلي لناحية الزيارة، غسان عبود، أكّد كلام رعدون قائلاً إن “السنوات السابقة شهدت ترك عشرات آلاف الدونمات الخصبة بدون زراعة، بسبب نزوح وهجرة أصحابها، وفي هذا العام زادت مساحة المناطق المزروعة ووصلت لنحو 80% من إجمالي الأراضي الزراعية، بينما لا يمكن الوصول إلى باقي الأراضي بسبب المخاطر الأمنية الكبيرة”.

ويضيف عبود أن “المصاعب لا تتوقف عند ذلك، بل إن غلاء المحروقات والأسمدة زاد من تكاليف الإنتاج كثيراً. كما أن قلة البذار الجيد المعقم والمنحدر من سلالات محسنة تسبب بتراجع كمية الإنتاج، إذ تراجع إنتاج الدونم الواحد لنحو 250-300 كغ/ دونم بينما كان سابقاً يتراوح بين 500-700 كغ/ دونم”.

وتجتمع العوامل السابقة في بداية كل موسم وتتراكم أمام المزارعين الذي يفكرون كثيراً قبل الزراعة التي طالما كانت تتم سابقاً بسهولة تامة وبطريقة أشبه بطقوس الحياة اليومية، لكنّ المشكلة لا تنتهي عند الزراعة فقط.

أسواق التصريف.. المنظمات ودورها

يقول أبو قتيبة الدرويش، وهو مزارع من قرية باب الطاقة: “بعد المعاناة الكبيرة والتكاليف الباهظة التي نتكبدها مطلع كل عام والخطورة المحدقة بالمحصول، ابتداءً من قلة السماد والأمراض التي تصيب المحصول، وصولاً إلى احتمال حرقه بسبب القصف في موسم الحصاد، وغيرها من المخاطر التي لا تنتهي حتى مع حصاد المحصول وتعبئة القمح، تبدأ رحلة البحث عن المشتري الذي سيدفع الثمن المناسب للمحصول الذي عانينا شهوراً عديدة وخاطرنا بدفع تكاليفه كثيراً حتى وصل إلى المرحلة الأخيرة”.

ويؤكد أبو قتيبة أن “المزارعين يتعرضون لابتزاز التجار مع عدم وجود جهة رسمية تشتري منهم القمح بسعر مناسب، وإن وجدت فإنها تشتري كميات قليلة من عدد محدود من المزارعين، ما يجعل من لم يسعفه الحظ ببيع محصوله لقمة سائغة للتجار الذين يقوم بعضهم بشراء القمح وتسويقه لصالح النظام عن طريق إخراجه من المعابر باتجاه مدينة حماة، وهناك لا يستطيع أحد أن يقول (لا)، سواء للسعر أو للتصنيف الذي يتم فرز المحصول وفقه”.

وهنا يتبادر إلى الذهن دور مؤسسات الثورة المعنية بالموضوع، إذ إن “المؤسسة العامة لإكثار البذار” التابعة للحكومة المؤقتة كانت قد أغلقت في وقت سابق فرعها العامل في ريف حماة دون أن توضح الأسباب.
ويقول الناشط إياد الحموي إن “المنظمات كافة، سواءً منها الثورية أو العاملة في المجال الإنساني، تساهم بطريقة خاطئة في موضوع الزراعة في الغاب وغيره”، معتبراً أن “نشاطاتها ومشاريعها التي تنفذها مبنية على سياسات قصيرة النظر، ولا تحقق دعماً حقيقياً للزراعة كقطاع اقتصادي محوري، وإنما دعماً محدوداً في بعض الاتجاهات التي تسبب أضراراً جانبية غير محسوبة لغير المستفيدين من المشاريع”.

ويضيف الحموي أن “إحدى المنظمات قدمت مشروعاً زراعياً لبعض المستفيدين يتضمن دعماً لتأمين البذار والسماد على شكل (قرض حسن مسترد)، لكنّ ما حدث أن السوق ونتيجة ارتباطه بقاعدة العرض والطلب لاحظ فورياً ازدياد الطلب على القمح فارتفع السعر مباشرة نتيجة إقدام المنظمة على الشراء وهو ما تسبب بتكاليف إضافية لمن لم يستفد من دعم المنظمة”.

من جهة ثانية، ترى المنظمات أنها تساعد ولو جزئياً المزارعين المحتاجين للدعم في ظل الظروف الصعبة التي يعانون منها. يقول محمد العبد الله وهو موظف بمنظمة تقدم مشروعاً زراعياً في المنطقة “تابعنا (في المنظمة) واقع المزارعين الصعب خلال السنوات الفائتة، والذي تسبب بترك قسم منهم لأرضه دون زراعة لعدم إمكانية تأمينه احتياجات العمل، أو قيامه بتأجيرها لغيره مقابل مبلغ مالي ضئيل لا يعادل القيمة الحقيقية التي بإمكانه أن يحققها فيما لو زرع أرضه، فقدمنا عرضاً لمساعدة مجموعة من المزارعين بتأمين المستلزمات الأساسية للزراعة على أن يقوم في نهاية الموسم بإعادة ما أخذ للمنظمة، والأمر طوعي بالطريقة التي يرغب فيها المزارع”.
ويضيف العبدالله أن “المنظمة لا تستطيع تغطية احتياجات كافة المزارعين على هذا الصعيد في كافة المناطق المحررة، لعدم وجود إمكانيات كبيرة، وأنها تعمل بالتنسيق مع المجالس المحلية وفق رؤية مشتركة بينها. أما بالنسبة لرفع الأسعار، فهذا الأمر يعود إلى جشع التجار الذين يستغلون أي مناسبة لتحقيق الكسب غير المشروع من المواطنين”.

وبين هذه التجاذبات وتلك، يبحث المزارع في الغاب عن الاستقرار ليعود العمل، الذي بات يشكل هاجساً كبيراً لشريحة واسعة من أهل السهل، إلى وضعه الطبيعي، ولتعود وتيرة الإنتاج إلى ما كانت عليه سابقاً.

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments