تحول الشمال السوري المحرر خلال السنوات الماضية الأخيرة إلى تجمع سكاني مكتظ بالمدنيين، نتيجة استخدام نظام الأسد والميليشيات الموالية له شتّى أنواع القصف بُغية إفراغ المدن والسيطرة عليها لا سيما عمليات التهجير القسري بحق الأهالي في مُعظم المحافظات السورية إلى أماكن سيطرة المعارضة في أقصى الشمال السوري؛ حيث وصلت أعداد المقيمين من السكان الأصليين والنازحين والمهجرين قسراً إلى محافظة إدلب وريف حماة وريفي حلب الغربي والجنوبي بحسب (عاملين في المجال الإنساني) لنحو 4.7 مليون نسمة، جلّهم يعيشون أوضاعاً معيشية سيئة توازي خط الفقر لقلة فرص العمل، الأمر الذي زاد من نسبة البطالة بين الشباب السوري في الآونة الأخيرة بنسبة تجاوزت 70 بالمائة.

أبو سليمان، من مدينة داريا في الغوطة الغربية، يروي لنا قصة تهجيره قائلاً: “تهجرنا وأهالي المدينة إلى محافظة إدلب في الشمال السوري بعد حصار دام لأكثر من أربع سنوات وسط مُعاناة القصف والجوع آنذاك، وبعد وصولنا إلى إدلب بقينا فترة من الزمن لنتلقى الراحة البدنية والنفسية التي فقدناها في ظل الحصار”.

مضيفاً: “بعد مرور أشهر قليلة من وصولنا إلى إدلب، أصبح من الضروري أن ألتفت إلى عملي في مهنة (نجارة الموبيليا)”، مُشيراً أنه “حرفي فيها، وكان يملك ورشة ومعدات في مدينته، تقدر بأكثر من 40 مليون ليرة سورية إضافة إلى أنه كان يؤمن فرص العيش لنحو 35 عاملاً”.

يقول: “سعيت بحثاً عن هذه الحرفة بُغية تأمين المال والعيش الكريم، وانتقلت إلى إحدى المشاغل في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي وبدأت العمل براتب 30 ألف ليرة سورية أي بما يعادل 60 دولاراً أمريكياً، وبعد أربعة شهور من بداية العمل تعرضت لإصابة نتيجة حادث سير وتوقفت عن الذهاب إلى العمل ما أدى إلى تسريحي والاستغناء عني من قبل مالك الورشة، مُبرراً ذلك بطيلة الوقت الذي أمضيته في المنزل أثناء فترة إصابتي، وتوافد الأيادي العاملة إليه آنذاك”.

ويوضح أبو سليمان أن سبيل تأمين العمل بات أشبه بالحلم، فمنذُ تركه للعمل وهو يسعى باحثاً عن أي شيء ليعمل به في سبيل الحصول على مصدر رزق لعائلته المؤلفة من 6 أشخاص، مردداً المثل الشعبي(اشتغلنا أكلنا.. قعدنا جعنا).

في تسليط الضوء على الأسباب:

يوضح حيان حبابة، المتخصص في الاقتصاد، العوامل المسببة للبطالة، وأهمها “قصف النظام” لاستهدافه المدن الصناعية في إدلب وريف حلب وإلحاقه الضرر بالعاملين وتوقفهم عن العمل نتيجة خروج المصانع عن الخدمة، إضافة إلى استهدافه المئات من المشاريع والأسواق التجارية التي تُعد متنفساً اقتصادياً لآلاف المدنيين لكسب المال”.

ويرد حبابة انتشار البطالة لوجود أسباب أخرى؛ ألا وهي هجرة رؤوس الأموال بسبب تردي الوضع الأمني، وقلة أو ندرة المشاريع التنموية بسبب عزوف معظم أصحاب رؤوس الأموال (الذين لم يهاجروا) عن تنفيذها بسبب خوفهم من تدمير هذه المشاريع عن طريق القصف المتكرر من قبل النظام.

لافتاً إلى استحالة استيراد المواد الأولية التي تعتبر أساس قيام الكثير من المشاريع الإنتاجية، وإن وجدت هذه المواد فهي بأسعار عالية جداً، إضافة إلى تغير أسعار العملات وبذلك يصعب على أصحاب الأموال احتساب الجدوى الاقتصادية للمشروع المراد تنفيذه.

ويضيف حبابة أسباباً أخرى للبطالة تتمثل في كثرة القوانين الخاطئة والجائرة، وفرض الضرائب على المشاريع الإنتاجية والمنظمات الخدمية من قبل القوى المسيطرة في الشمال السوري، وعدم اعتماد معظم المنظمات على الكفاءات في عملية التوظيف أو التعيين (واسطات)، “أحياناً يكون الموظف في منظمة ما عاملاً في منظمة أخرى أو أكثر في نفس الوقت، فحرم آخرين عاطلين عن العمل مما يشغله من فرص”. كل ذلك يضاف إلى تقلص المساحات المزروعة بسبب غياب العوامل الداعمة للزراعة (الماء، غلاء المحروقات، القرب من معسكرات ميليشيات النظام وعدم وجود سوق لتصدير الإنتاج)، ثم زيادة نسبة السكان بدرجة كبيرة جدا وصلت إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الثورة.

في حين يرى مسؤول في منسقي الاستجابة في الشمال المهندس محمد الشامي أن “التهجير القسري وتردي الوضع الأمني، ينعكس سلباً على الوضع المعيشي في إدلب وريفي حماة وحلب، وأن الكثافة السكانية العالية في الشمال وصغر المساحة الجغرافية التي لا تتجاوز 11 ألف كيلو متر مربع، يزيد من أعداد طالبي العمل”.

ويوضح الشامي: ” تختلف مكونات السوريين المتواجدين في مناطق الشمال السوري، فبعد التغيير السكاني الكبير للمنطقة مع توافد النازحين والمهجرين قسرياً، أصبحت هناك تغييرات كثيرة في البنية الاجتماعية وحالة العمل لدى السكان المحليين.

وتعتبر مناطق الشمال السوري من المناطق الفقيرة نسبياً مقارنة بالمناطق الأخرى لسوريا، حيث تصنف نسبة المستوى المعيشي للأهالي في المنطقة وارتباطها بسوق العمل ومدى توفر الدخل وفق الآتي:

– مستوى جيد 4%

– مستوى متوسط 7%

– مستوى ضعيف 40%

– مستوى تحت خط الفقر 24%

– مستوى معدوم 25%

ويعد النازحون والمهجرون قسرياً من الغالبية العظمى لآخر نسبتين من النسب السابقة، إذ فقد أغلب هؤلاء الأشخاص مصادر دخلهم الأساسية وممتلكاتهم بعد النزوح أو التهجير.

وباعتبار أن تلك المنطقة ضعيفة من حيث الحركة التجارية والأعمال الأخرى، فقد تزايدت معدلات البطالة بشكل مرتفع، لانعدام الدخل بشكل أساسي أو المشاريع التنموية أو المؤسسات الفعلية القادرة على تأمين وسائل المعيشة للسكان المحليين. وتتوزع نسب البطالة وفق الآتي:

-السكان المحليون:

▪ 45 % من السكان المحللين الذكور.

▪ 85% من السكان المحليين الإناث

-السكان النازحون والمهجرون قسرياً:

▪ 65% من السكان النازحين الذكور

▪ 92% من السكان النازحين الإناث

نتائج تفشي البطالة في الشمال السوري:

يرى محمد الحسن، العامل في مجال البحث الاجتماعي في المناطق التي تشهد عدم استقرار، من خلال استبيانات ودراسات لمشاريع وتقيم الاحتياجات للسكان المحليين في الشمال السوري، أن أغلب الشباب ممن هم في سن 18 – 45 يتجهون في حال عجزهم عن تأمين فرصة عمل، نحو العسكرة والالتحاق بالفصائل “الثورية”، أو الهجرة باتجاه تركيا ومن بعدها إلى الدول الأوربية بقصد اللجوء، أو التوجه إلى ارتكاب الجرائم الجنائية من سرقة وخطف.

حسان الخالد طالب جامعي ترك دراسته خوفاً من الملاحقة الأمنية للنظام، يشتكي من تدهور مستقبله: “تركت الجامعة والتحقت بصفوف الثورة، على أمل الخلاص من النظام، لا أستطيع العمل في أي مجال يتطلب شهادة جامعية كوني لست خريجاً، لم أتمكن من الهجرة إلى أوروبا لعدم توفر القدرة المادية على تغطية تكاليف السفر”.

وتؤكد الباحثة عائشة علي العاملة في مراكز المسح الاجتماعي أنه “نتيجة قلة التعليم الجامعي والظروف المعيشية الصعبة والنزوح الدائم، يرغب الأهالي بتزويج البنات بسن مبكرة، خوفاً على بناتهم من الأوضاع، لكن نسب الطلاق باتت أكثر من السابق؛ بسبب الفقر والضغط النفسي الناتج عن  قلة العمل”.

وتوضح هدى محمد، مطلقة وأم لطفلين: “تزوجت في العام 2013 من شاب تعرفت عليه وأهلي أثناء إقامتي في مخيمات الكرامة شمالي إدلب، ومع مرور الأيام رزقت بطفلي الأول حسن وبعده بطفلتي بيان، وأصبحت متطلبات الحياة أكثر كون طفلي بحاجة حليب ومستلزمات يومية، وبدأت الخلافات تتصاعد بوتيرة مستمرة كون طليقي عاجزاً عن تأمين احتياجاتنا، فكانت النتيجة الطلاق”.

هل من حلول؟

حتى تتاح فرص العمل لآلاف المدنيين في مُحافظة إدلب، يتوجب على المنظمات الخدمية والتجّار وأصحاب رؤوس الأموال البدء بطرح مشاريع لا سيما في الآونة الأخيرة بعد ما وصلت محافظة إدلب الى التهدئة إثر انعقاد مؤتمر سوتشي الأخير الذي تضمن وقف إطلاق النار ومنع الهجمات العسكرية على المحافظة واطمئنان الأهالي من الضامن التركي على أن المنطقة باتت بشكل أو بآخر تحت الوصاية التركية.

قلة من المنظمات الإغاثية والإنسانية قدمت مشاريع خدمية، كمشاريع سبل العيش في المخيمات ودعم القطاع الزراعي بسلل زراعية وتوزيع بعض المواشي من أغنام وأبقار، ودورات مهنية. ويؤكد حيان حبابة على استثمار طاقات الشباب في مشاريع لا تحتاج إلى كلفة تشغيلية كبيرة، وقصيرة الأجل قد تكون أحد أهم الحلول للحد من انتشار البطالة.

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] الشباب دون فرص، وهو ما انعكس على واقع حياتهم وزادت نسبة الفقر، كما أنّها أثّرت سلباً على كافة جوانب الحياة […]