ليس ثمة ما هو جديد، أو مفاجئ، في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص الخروج العسكري من سوريا، بعد أن صرحت الإدارة الأمريكية على لسان عديد من أركانها أنها باقية ليس لإنهاء “داعش” فقط، وإنما لإخراج إيران ولإجراء التحول السياسي في سوريا، أيضاً، ذلك أن الولايات المتحدة عودتنا على مواقف متغيرة، متقلبة، ومختلفة إزاء الصراع السوري، وإزاء الطرفين المباشرين فيه، أي النظام والمعارضة (السياسية والمسلحة)، كما إزاء القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فيه بطريقة مباشرة وغير مباشرة، سياسية أو عسكرية.

بديهي أن القصد هنا يفترض، أولاً، وجود نوع من الاستمرارية بين سياستي الإدارتين الأمريكيتين السابقة، والحالية، وإن مع الاختلاف في التعبيرات، على خلاف الاعتقاد بغير ذلك. ثانياً، أن الأطراف السورية المعنية لم تقرأ، أو لا تدرك، كنه السياسة الأمريكية، على نحو صحيح، أو أنها تفسّرها حسب إدراكاتها، أو رغباتها، وضمن ذلك يأتي الحديث عن افتقاد الولايات المتحدة الأمريكية، لاستراتيجية واضحة أو عن تخبّط ما يحيط بأهدافها ومراميها، وكل ذلك غير صحيح، أو مجرد قراءة سطحية ومتسرّعة للسياسة الأمريكية.

 هكذا، شهدنا، منذ البداية، أن الولايات المتحدة عبّرت صراحة عن مؤازرتها ثورة السوريين، وحقّهم بالتخلّص من النظام، بتصريحاتها (إبان الرئيس أوباما) أن الرئيس الأسد فقد شرعيته وأن عليه أن يرحل، وقد وصل الأمر حد ذهاب سفيرها (مع السفير الفرنسي) إلى مواقع الحراك الشعبي السلمي في حماه ودوما وداريا، بل إن الأمر وصل، فيما بعد، إلى حد التعاطي مع بعض الفصائل المسلحة، وعبر دعم غرفتي الموم والكوك في الأردن وتركيا، وصولاً إلى تحذيرها النظام من استخدام السلاح الكيماوي باعتبارها له خطاً أحمر، ويستوجب العقاب، في حال استخدامه.

وكما نعلم، ققد اختلف الموقف الأمريكي بعد استخدام النظام للسلاح الكيماوي في الغوطة في آب/ أغسطس 2013، إذ بدلاً من معاقبته، أو عزله، لجأت إلى عقد صفقة معه، بوساطة روسيا، نجم عنها القرار 2118، ومنذ ذلك التاريخ غضّت الولايات المتحدة الطرف عن انخراط قوى إقليمية في هذا الصراع لا سيما إيران، وأذرعها الإقليمية الميليشياوية المسلحة. وفي تلك المرحلة، أيضاً، قامت بتوكيل روسيا في إدارة الصراع السوري، كما بدا من تسليمها بالقراءة الروسية لبيان جنيف 1، وصولاً إلى القرار 2254 الذي جاء مخفّفاً لسابقه، بخاصة في ما يتعلق بتعويم مكانة الرئيس في الحل الانتقالي، في مقاربة مع الموقف الروسي، بل إن الولايات المتحدة أبدت تراخياً مع طرح المبعوث الدولي للسلال الأربع (الدستور والانتخابات والهيئة الحاكمة ومكافحة الإرهاب)، ليقتصر الأمر فيما بعد على لجنة تعديل الدستور، وذلك بعد إنهاء نفوذ الفصائل المعارضة في أغلب المناطق السورية عدا الشمال. وطبعاً، فقد امتد ذلك إلى حد سماحها لروسيا بشق مسار تفاوضي جديد، في آستانة، طوال العام 2017، بالتعاون مع الطرفين الإقليميين الآخرين، إيران وتركيا، مكتفية بمراقبة ما يحصل، إضافة إلى مؤتمر سوتشي، مطلع 2018.

 على ذلك، فإن معظم ما جرى تم في عهد الإدارة الأمريكية السابقة، أي في ظل الرئيس باراك أوباما، لكن يفترض أن نلاحظ أن ذلك استمر في عهد إدارة ترامب، رغم تصريحات الرئيس دونالد ترامب المضطربة، التي تتحدث أحياناً عن عدم مبالاة بالصراع السوري، وأن على الولايات المتحدة الخروج كي تتحمل الأطراف المعنية، وضمنها تركيا وبعض دول عربية، مسؤولية حل لصراع، هذا إضافة إلى الحديث عن التزام الولايات المتحدة بمسار جنيف، وعن أن إعادة الإعمار وعودة اللاجئين لا يمكن أن تحصلا إلا بعد خروج إيران من سوريا وتحقيق الانتقال السياسي. ورغم تلازم ذلك مع تواجدها العسكري في شرقي الفرات، وقيامها بتوجيه ضربات محدودة إلى بعض مواقع النظام (أبريل 2018)، والقوات التابعة لإيران، لكن كل ذلك لم يغير من المعادلات شيئاً.

على ذلك، ومع التقدير لكل ما نعتبره تقلّبات في الموقف الأميركي، إلا أن ما يفترض أن ندركه أن الولايات المتحدة لا يعنيها من يحكم في سوريا، سواء كان شخصا أو حزبا، وسواء كان يساريا أو قوميا أو إسلاميا، كما لا يعنيها ما يحصل في هذا البلد، إذا استثنينا ما يخصّ قضية الصراع مع إسرائيل، باعتبارها، أولًا، ان سوريا لم تكن، أصلا، ضمن دائرة حلفائها التقليديين، وأنها بلد صغير وفقير بالموارد، وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي، ومن جواره مع إسرائيل. ثانياً،أن المصالح الأمريكية مضمونة في سوريا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم، سواء كانت مصالح سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وهو ما يمكن تبيّنه من مراجعة السياسات التي انتهجها النظام السوري طوال نصف القرن الماضي، بغض النظر عن كل الشعارات أو الادعاءات.

على ذلك، ثمة استراتيجية واضحة، وإن كانت غير معلنة، انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الصراع السوري، يمكن تبيّنها في الآتي:

أولاً، الاستثمار في الصراع السوري، وهذا أمر يختلف عن مجرد إدارة الصراع، لأن هذه الاستراتيجية تفترض تحويل سوريا إلى ساحة للمواجهة أو للصراع، بين أطراف عديدين، ضمنهم روسيا وإيران وتركيا.

ثانياً، الحفاظ على ديمومة هذه الصراع، لذا من غير المسموح إيجاد مهزومين ومنتصرين فيه، لا النظام ولا المعارضة، لا روسيا ولا تركيا ولا إيران.

ثالثاً، ثمة القطبة المخفية هنا، إسرائيل، التي باتت علنية مؤخراً، إذ إن أغلب المؤشرات تفيد بأن إسرائيل هي أكثر دولة مستفيدة من بقاء الأمور على ما هي عليها في المنطقة (اختفاء الجبهة الشرقية وتصدع البني المجتمعية والدولتين في المشرق العربي بخاصة في العراق وسوريا)، ولا سيما في سوريا، وأن مصلحة إسرائيل هو الذي يملي شكل السياسة الأمريكية في الصراع السوري.

على أية حال، ونحن نتحدث عن كل ذلك، يفترض أن ننتبه، أولاً، أنه لا شيء ثابت في السياسة الأمريكية، وأن لكل مرحلة معينة استهدافاتها، وأن تلك الاستراتيجية قد يعاد النظر فيها بعد استنفاد أهدافها. ثانياً، أن إخراج بضع مئات أو ألف أو الفين من الجنود الأمريكيين من سوريا، لا يعني خروجا أمريكيا من الصراع السوري، كما أنه قد يكون تهديداً للاطراف الأخرى. ثالثاً، أن موقف ترامب لا يعني أن الولايات المتحدة تخلت عن موقفها السابق بخصوص إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة.

*كاتب سياسي فلسطيني