شهدت منطقة “شرق الفرات” عدة تغيرات بعد قرار الانسحاب الأمريكي وتصريحات السلطات التركية التي أجّلت المعركة أخيراً لفترة هي “فترة انتظار غير مفتوحة”. الأمر الذي أدى إلى تبعات عديدة على أرض الواقع من عدة نواحٍ. وبدا الخوف والتوتر مسيطرَين على الأهالي نتيجة التهديدات التركية التي ستؤدي، إن نُفذت، إلى تغير في ميزان القوى المسيطرة على الأرض في سوريا بشكل عام, وفي تلك المنطقة بشكل خاص.

مخاوف من المعركة

يتحدث أبو علي وهو من تجار المواد الغذائية في مدينة منبج عن الوضع الحالي في المنطقة قائلاً: “لدي محل جملة لبيع المواد الغذائية في سوق المدينة الرئيسي, وقد أصبحت حركة السوق شبه متوقفة بسبب التصريحات التركية الأخيرة, وهناك أيضاً ما يتعلق بمشاكل مجلس منبج العسكري والجيش التركي. لكنني وكمواطن من أهالي منبج أتمنى انتهاء الأزمة بشكل سلمي, فأغلب المناطق التي يسودها التوتر قد عانت منذ عام على الأقل من إرهاب تنظيم الدولة وويلات الحرب”. ويتابع حديثه عن الواقع الذي يعيشه الأهالي في المدينة: “خرجت المدينة منذ عامين ونصف العام من حرب مع تنظيم داعش وهي لا تستطيع تحمل حرب جديدة بغض النظر عن الجهات المتحاربة, ولا يجب أن ننسى بأن المناطق التي تحيط بالمدينة تعاني من قضايا تجاوزتها مدينة منبج, مثل غياب الأمن والاستقرار. وهما موجودان نسبياً في المدينة , وأفضل حالاً من المناطق الأخرى التي يسيطر عليها النظام السوري”.

من جانبه، قال محمد العوني وهو أحد مدرسي مادة الرياضيات في المدينة في حديث إلى “بوابة سوريا”: “تعاني المنطقة من الضغط التركي, وهذا الضغط يستهدف الأهالي قبل العناصر في قسد أو غيرها من القوات التي تتواجد شرق حلب. وأغلب الطلاب في المدارس متخوفون من هذه التصريحات التي تهدد بهجوم شامل. وبالتالي، ترتفع نسبة دخول منبج في معركة كبيرة تضاهي معركة تحرير الرقة من داعش, ولا أحد يرغب بالدمار أو التعرض إلى حصار جديد من أي جهة كانت ولأي سبب كان, وخاصة أولئك الذين فقدوا ذويهم خلال حصار داعش”.

استعدادات عسكرية

 المتحدث باسم “مجلس منبج العسكري”، شرفان درويش، قال خلال اجتماع “الإدارة المدنية” في المدينة وريفها مع وجهاء العشائر في منبج قبل أيام: “نحن اليوم في مجلس منبج العسكري نعتبر هذه التهديدات جدية بشكل كبير أكثر من السابق, ولذلك، فمجلس منبج العسكري اليوم مستعد بشكل كامل لمواجهة أي تهديد يمس أمن واستقرار المدينة سواء من الجانب التركي أو من أي جانب أخر في المنطقة”.

وتابع درويش في الاجتماع ذاته مقارناً بين مناطق سيطرة “مجلس منبج العسكري” وقوات “درع الفرات” من وجهة نظره: “تعتبر منبج اليوم منطقة آمنة للعيش والاستقرار من النواحي الاجتماعية والاقتصادية، في حين تعرضت مناطق درع الفرات إلى الكثير من أعمال الإرهاب والتفجيرات خلال الفترة السابقة. وبحسب إحصائية الأسبوع الفائت، فقد تعرضت مناطق الدرع إلى سبعة عشر تفجيراً راح ضحيتها قرابة العشرين مدنياً. وعليه, فالتهديدات التركية على منبج تأتي لإخفاء الفشل الذريع الذي لحق بهم في مدينة عفرين, وباقي مناطق سيطرة درع الفرات وغصن الزيتون التي تدعمها تركيا”.

كما قامت الإدارة المدنية في منبج بدعوة الأهالي في المدينة للخروج بمظاهرات تندد بالهجوم التركي المحتمل على المنطقة, ولكن لم يحضرها إلا قلة قليلة من الأهالي وأغلبهم ممن يعمل في مجالات تتبع للإدارة, حيث حضر المظاهرة بتاريخ 18/12/2018 على سبيل المثال عدد من المعلمين في قطاع التربية في منبج، وذلك تحت التهديد بالفصل والإيقاف عن العمل في حالة عدم الحضور.

 من جهة ثانية رفع “الجيش الوطني السوري” المرتبط بــ “الحكومة السورية المؤقتة” شمال وشرق مدينة حلب من جاهزيته واستعداده لشن هجوم كامل على مدينة منبج. وقال الناطق الرسمي باسم “الجيش الوطني” يوسف الحمود لـ”بوابة سوريا” بأنهم “عززوا كافة نقاط الرباط المتواجدة على جبهة المدينة، ورفعوا الجاهزية القصوى لكافة القوات هناك استعداداً لبدء المعركة المرتقبة”.

و أضاف الحمود أنه “وحتى هذه اللحظة لم يحصل انسحاب فعلي للقوات الأمريكية من المنطقة، وإنما كان مجرد تخفيض لأعداد قواتها وانسحابها من نقاط بالقرب من تل أبيض، إضافة إلى تسليم بعض نقاط المراقبة في تلك المنطقة الحدودية لـ (قسد)”.

حركة النزوح الجديدة

 وشهدت مدينة منبج والقرى المحيطة المهدَّدة بشن هجوم عليها من قبل الجيشين التركي و”الوطني” حركة نزوح للمدنيين نحو مناطق أكثر أمناً نسبياً.

علي، شاب من منبج يعمل في مجال البناء ويتحدث عن الملجأ الذي اختاره للنزوح من المدينة ويقول: “نزحنا من المدينة منذ ثلاثة أيام إلى بلدة أبو قلقل المجاورة والتي تبعد عن منبج قرابة 21 كم، فهناك يتواجد أحد أصدقائي والذي سيكون ملجأي الآمن والوحيد خلال الحرب على منبج”. ويتابع: “لن أنتظر إلى أكون محاصراً أو أكون أداة يستخدمها أحد الأطراف خلال المعركة, ولا أرغب بأن أكون رقماً بين ضحايا حرب ليس لي فيها ناقة ولا جمل، وقد تمكنت المنطقة منذ فترة قصيرة فقط من التقاط أنفاسها بعد طرد التنظيم منها، لذلك سأكون أول المنسحبين”.

يتخوف جميع الأهالي من الحرب والحصار, “وربما سيكون الحصار قاسياً جداً ولن يرحم أحداً, في حين أن حديث الناس في الشارع يزرع القلق في نفوس الجميع” بحسب ما ذكرته أم محمد ,والتي أردفت بالقول: “عندما يحتدم الصراع ستكون مناطق النظام في مدينة حلب من المناطق التي سألجأ إليها, فأنا لست مطلوبة لأي جهة من أي طرف كان, ويكفي أن تكون تلك المناطق بعيدة عن قصف الطيران الحربي وغيره”.

كما تحدث المهندس محمد العلي وهو من سكان منبج عن صعوبة الوضع في المرحلة الحالية وتزايد نسبة النزوح سواء إلى الريف أو إلى مناطق النظام السوري، مبيناً أن “10% من سكان المدينة قد نزحوا خارج المدينة”، ومرجحا بأن “النسبة سترتفع إلى أكثر من نصف سكان المدينة”. وقرر العلي اختيار الريف ليكون ملاذا آمناً له, مبدياً تخوفه من أن يتم استخدامهم كمدنيين دروعاً بشرية من قبل قسد أو من أية جهة أخرى كانت.

معظم التجار في المدينة قاموا باحتكار المواد الغذائية وإخفاءها في المستودعات, وتم تقديم أكثر من شكوى في هذا الأمر, إلا أن مكتب التموين في لجنة البلديات لم يقم بأي عمل حتى الآن, وجوابه على ذلك كان “أن التجار لهم الحق في تخزين البضائع طالما تتواجد في الأسواق” بحسب ما ذكر صاحب أحد الحوانيت الصغيرة في المدينة.

وأجمع معظم أهالي مدينة منبج أن العملية التركية، إن حصلت، سترمي أثقالها عليهم كونهم الطرف الأضعف من بين القوى المتحاربة، فمنهم من قرر النزوح باكراً بينما ينتظر آخرون ساعة الصفر. من جهة ثانية قرر البعض أيضاً البقاء في المدينة للحفاظ على منازلهم وممتلكاتهم من السرقة والنهب كما حدث بعد طرد داعش.

تبقى المشكلة في الواقع الحالي والوضع الراهن للأهالي في المدينة مع كل تهديد، في ازدياد التوتر بينهم وضيق الخناق عليهم، في ظل تخوفهم من حصار مشابه لذاك الذي عاشوه أيام معارك قسد ضد داعش، تفرضه عليهم الأطراف المتحاربة الجديدة، آملين حل الأزمة بشكل سلمي.