قبل نحو ثلاثة أسابيع، ختمت المقال السابق في “بوابة سوريا”، بالتساؤل: “هل نحن أمام سياسة أمريكية جديدة حيال سوريا أم إنها مسألة خلط أوراق لا أكثر يعقبها فصل جديد من التخبط؟”. الإجابة لم تتأخر، ذلك أنّ التناقض في المواقف والقرارات، وتباين الرؤى في الشأن السوري بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأركان إدارته، وكذلك ما يسببه موقف واشنطن المتقلّب من اضطراب في علاقة الولايات المتحدة مع شركائها في التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة – داعش، الذين فاجأهم إعلان ترامب نيته سحب جنوده من سوريا، كل هذه العناصر توحي بأنّ التخبّط وغياب استراتيجية محدّدة هما بالفعل أفضل ما يمكن أن توصف به السياسة الأمريكية في سوريا، إضافة إلى ما يترافق مع “سياسة” كهذه، أو ينتج عنها دوماً من خلط أوراق ومراجعة مواقف وإعادة حسابات لدى مختلف اللاعبين الآخرين، الإقليميين والدوليين المتورّطين في مستنقع الحرب السورية.

من الأمثلة على ما سبق، أنّ روسيا ظنّت نفسها لبعض الوقت المايسترو الذي يضبط التوازنات ويدير لعبة النفوذ والمصالح الإقليمية على الأرض السورية، لكنّ جهودها لم تفلح في إيجاد صيغة سياسية تضمن مصالحها ومكاسبها التي حققتها حتى اللحظة. وهي بمفردها أعجز من أن تستطيع حتى إنجاز الحل السياسي وفق تصوّرها، علاوةً على التصدّي للملفّات الأساسية الأخرى، مثل “القضاء على الإرهاب” أو إعادة الإعمار وعودة المهجّرين واللاجئين.

كان على تركيا أيضاً مراجعة حساباتها، فما إن انتشر خبر الانسحاب الأمريكي حتى خفتت طبول الحرب التركية، وسارع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى إعلان تأجيل العملية العسكرية التي كان قبل أيام فقط يتحدث عن اقتراب موعد تنفيذها شرق الفرات. فالأتراك يدركون جيداً أنّ عملية تجري ضمن خطوط مرسومة وبأهداف محدودة يتم التفاهم بشأنها مع قوة أمريكية منتشرة على الأرض شيء، فيما الدخول بصورة منفردة ودون توقّع ما قد تكون عليه الخطوة الأمريكية التالية شيء آخر.

خصوم تركيا الرئيسيون من القوى الكردية التي تفرض سيطرتها على مناطق واسعة هناك، والذين كانوا هدف العملية التركية المزمعة، ليسوا بأفضل حالاتهم. فالحليف الأمريكي بقراره المفاجئ يضعهم أمام خيارات بالغة الصعوبة، تتراوح بين المواجهة العسكرية المفتوحة فيما لو نفّذ الأتراك تهديداتهم، لأنّ العملية لم تُلغ بل أُجّلت وأنقرة تواصل حشد قوّاتها وتعبئة فصائل المعارضة السورية المسلّحة الموالية لها، أو أنّهم سيجدون أنفسهم مضطّرين للتوصّل إلى تفاهمات ما مع نظام الأسد، بضمانات روسية لا يمكن التكهّن بجدّيتها.

وكالعادة مع كلّ “تغريدة” يعلن فيها ترامب قراراته الفجائية على تويتر، والتي تمسّ ملفّات يفترض أنّها مهمة، تظهر أزمة جديدة داخل إدارته. كان بطلها هذه المرّة وزير الدفاع جون ماتيس، الذي استقال نتيجة لخلافه مع الرئيس حول السياسة الخارجية، وبشكل خاص قرار سحب القوّات من سوريا وتخفيض عددها في أفغانستان. لعلّها من المرات القليلة التي تظهر فيها السياسة الأمريكية والإدارة الأمريكية بطبيعة الحال، على هذه الدرجة من الارتباك وسوء التخطيط والتنسيق. فالرئيس في النظام الأميركي، وإن كان المرجع الأعلى وصاحب القرار الفصل في السياسة الخارجية، إلا أنّ ذلك لا يعني تجاهله الآلية المركّبة متعدّدة المستويات التي يتم من خلالها رسم السياسات والتوصّل إلى اتّخاذ القرار، وإلا فما الفائدة من إدارة تضمّ جيشاً من المستشارين والموظفين ذوي الخبرة والاختصاص، سواء في البيت الأبيض أو الوزارات المختلفة.

يظهر أنّ السمات الشخصيّة الخاصة بالرئيس ترامب، من حيث طريقته في التفكير وأسلوبه في العمل، وهو القادم إلى البيت الأبيض من عالم المال والأعمال ومنطق الربح والسوق، ترخي بظلالها على الكيفية التي يدير بها سياسة بلاده الخارجية. والمثال السوري حاضر في هذا، فكان ترامب يقدم تارةً ويحجم أخرى، يصعّد حيناً ويصمت حيناً آخر، لكأنّه يمارس نوعاً من المضاربة السياسية والعسكرية بحيث يتحكم بمستويات العرض والطلب في “السوق” السورية. لا تعنيه الحسابات الاستراتيجية بقدر ما تغريه التكتيكات الآنية، وها هو يوقع الآخرين في حيرة من أمرهم، فيجعل من الحفاظ على مكتسباتهم أمراً غير مضمون، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق مكاسب جدية للطرف الأمريكي. على هذا، ثمة احتمال بأن يكون قرار ترامب المفاجئ بسحب قواته المنتشرة في مناطق شرق الفرات نوعاً من “استدراج عروض” لصفقات يتقدّم بها المعنيون بهذه المنطقة، وهم كثر.

يبقى الإقرار بأنّ واشنطن برغم ما سبقت الإشارة إليه من غياب الاستراتيجية وتناقض الخيارات في سوريا، إلا أنها منذ أن اتّخذ الصراع طابعاً عسكرياً محضاً، آثرت احتواءه من الخارج دون الانخراط المباشر فيه داخلياً بشكل جدّي، بحيث تراقب عن كثب استنزاف الأطراف جميعاً لبعضها البعض دون أن يكلّفها ذلك شيئاً. لكنّها بدلاً من استغلال هذه الوضعية وجرهمّ إلى تقديم تنازلات متبادلة تفضي إلى تسوية سياسية مقبولة، تسبّبت عبر سلبيتها تلك في استمرار الفوضى واستنقاعها، رغم التبدّل والتداعي والتقلّب في المعطيات الظاهرة، دون أن تتراءى في الأفق نهاية لهذه المقتلة. أمّا بورصة المصالح الإقليمية والدولية في سوريا، فهي ماتزال مفتوحة على شتى السيناريوهات والاحتمالات، وليس ثمّة ما يساعد على توقّع خواتيمها.

  * كاتب سوري

مصدر الصورة

https://www.thesun.co.uk/news/8021141/why-is-donald-trump-pulling-out-us-troops-from-syria-and-has-isis-been-defeated/