إذن سيحلّ العام الجديد وقد ازداد المشهد السوري غموضاً على غموض، بعد أن تفاجأ منْ تفاجأ في أمريكا وغيرها، وغضب من غضب، واستقال من استقال، في أعقاب تغريدة ترامب التي قرّر فيها إخراج القوات الأمريكية من الأراضي السورية.

وإن برهن هذا القرار على شيء، هو وتداعياته على الإدارة الأمريكية، فإنه يبرهن على مدى تشابك الوضع السوري وتعقيده من جهة، وعلى مدى عمق العامل الجيوسياسي في القضية السورية.

ومن منظور آخر وبلغة الرياضيات، فإن المسألة لكي تحلّ، ينبغي أن يكون عدد المعادلات مساوياً عدد المجاهيل؛ وإذا كانت القضية السورية المستعصية تتكوّن من معادلات ذات عدد أكبر من عدد المجاهيل، ما يجعل حلّها بالأساس مستحيلاً نظرياً، فإنّ القرار الأمريكيّ الجديد أضاف للمهتمّين بالشأن السوريّ مجهولاً إلى تلك المجاهيل وحذف معادلة من هذه المعادلات، بما يزيد بالنتيجة من حاجة المحللين إلى افتراض فرضيات جديدة لتلمّس الطريق إلى “حلّ” مستحيلٍ ما لهذه المعادلات، “حلّ” افتراضي سيختلف شكله ومضمونه بالضرورة حين نفترض فرضيات مغايرة.

قد يبرز السؤال الذي يراه البعض بدهياً: ماذا جرى؟ وكيف نفهم ما يحدث من حولنا؟ لكنّ أهمية هذا السؤال تنخفض مع ازدياد سويّة الغموض والضبابية والتشويش الذي نتعرض له، وترتفع بالمقابل أهمية الحقائق والمعطيات والثوابت التي ينبغي لنا تذاكرها كي تتضح الصورة قدر الإمكان، بما يعين على قراءتها، والتصرّف بمقتضاها.

من هذه الحقائق أنّ “النظام السوري” الذي عرفناه قبل انطلاقة الثورة في آذار/ مارس 2011، لم يقف عند حدود أنّه لم ينتصر على ما يحاول إعلامه أن يوحي، بل ولم يعد موجوداً كما كان، وأنّ ثمّة نظاماً سوريّاً جديداً يحاول أن يتشكّل. لكنّ حقيقة تداعي النظام السوريّ القديم لا تعني أبداً أنّ النظام السوري الجديد أفضل من سابقه، كما لا تعني أن النظام السوري الجديد لا يحاول استعادة القبضة التي كانت للنظام السابق، وآلياته، مستعيناً بما تبقّى لديه من أدوات، ضمن الحيّز الضيّق الحرّ المتبقّي له، والهامش الصغير الذي تتيحه له الاحتلالات الخارجية التي تنتهك الأرض والسيادة: الروسية والإيرانية والتركية والأمريكية وحتى الفرنسية، وبطبيعة الحال الإسرائيلية، فضلاً عن الميليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية.

ومن هذه الحقائق أيضاً أنّ المتحوّلات الخارجية كثيرة ومتسارعة في الشأن السوري. بدءاً من المتحولات التي تطال ما سمي يوماً “أصدقاء سوريا” أو “أصدقاء الشعب السوري”، العرب وغير العرب، وانتهاء باللعب الأممي “القذر” المتمثّل في بهلوانيات ديمستورا التي لم تقرأها قوى المعارضة جيداً، والتي اختتمها باستقالته التي مثّلت آخر مسمار في نعش “مفاوضات جنيف”.

ومن هذه الحقائق أيضاً حقيقة لعلّها الأهم، وهي أن مستقبل سوريا على الأمد البعيد، سياسياً وجغرافياً، إذا شئنا فعلاً أن نبني دولة لا تحمل بذور فشلها في طياتها، لن يكون رهناً بالمعادلات الدولية، ولا بموازين القوى الاستعمارية التي تحكم سوريا حالياً، بل سيكون ثمرةً لتفاهم سوريّ سوريّ، عدالة انتقالية سورية، وعقد اجتماعي سوري متين، يضمن المواطنة المتساوية لأهل سوريا جميعاً، وليس فيه ثغرات يتسلل منها الطغاة بكافة تصنيفاتهم السياسية والأيديولوجية.

يبدو من المفيد هنا التذكير، والتأكيد من جديد، على أن الدول الفاشلة التي كشفت عن عورتها موجةُ الربيع العربي، هي تلك الدول التي أقدمت فيها السلطاتُ على انتهاك التوازنات والتفاهمات والعقود الاجتماعية الذي تأسست عليها أساساً في مرحلة انتهاء الانتدابات والاستعمارات ونشوء الدول الوطنية المستقلة.

ومن هنا يمكن القول إن القرار الأمريكي قد يؤثّر في مستقبل ترامب السياسي ذاته، الذي برهن أكثر من مرّة أنّه إذ يمارس السياسة بعقلية رجل الأعمال، فإنه في الواقع يمارسها بعقلية الحانوتيّ اللاهث إلى ربح سريع تعكسه حصيلة دفتر “اليومية” آخر النهار، لا ميزانيات نهاية العام، ناهيك عن حصيلة الخطط طويلة الأمد، لكن هذا القرار لن يؤثّر على مستقبل سوريا استراتيجياً.

خلاصة القول هي أنّ مجريات الأمور على المدى القصير في سوريا قد تتصل بدفتر حسابات ترامب، وبالاتفاقيات بين قوى احتلال تهيمن على كافّة أنحاء سوريا، لكن هذه المجريات لن تستطيع أن تؤسس إلا لدولةٍ سورية مسخ، لا تليق بأهلها وشهداء ثورتها. أما إذا شئنا أن نفكّر بسوريا المستقبل، سوريا الوطن، جمهورية المواطنين جميعاً، فإن الأجندة ببساطة لا بدّ وأن تكون وطنية سورية صرفاً إلى أقصى الحدود التي تتيحها الأجندات الوطنية عادةً، أجندة يتوافق عليها السوريون بكل فئاتهم ومكوناتهم وتتضمّن عدّة مهمّات ينبغي إنجازها نحو سوريا المنشودة، وفي مقدّمتها مهمّة طرد قوى الاحتلال، كي لا تبقى سوريا، كما كانت منذ سقوطها في يد الاستبداد وإلى اليوم، بلد المعادلات المؤجلة.

*باحث وكاتب صحافي سوري مقيم في فرنسا

مصدر الصورة

https://www.vox.com/2018/12/19/18148281/trump-syria-troops-kurds-turkey-war-withdrawal