يتخوف أهالي المدن الحدودية مع تركيا في محافظة الحسكة من التهديدات التركية بشن عملية عسكرية ضد “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” شرق الفرات، خصوصاً بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ والقاضي بسحب قواته من المنطقة. وقد قرر بعضهم النزوح إلى مناطق يعتبرونها آمنة قبل أن تبدأ الحرب المحتملة على مناطقهم، في حين شعر آخرون بحالة من الارتياح المؤقت بعد قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأجيل المعركة إلى “فترة غير مفتوحة”.

وتخضع محافظة الحسكة بشكل كامل لـسيطرة “وحدات حماية الشعب” و”الإدارة الذاتية الكردية” منذ عام 2012، إلا أنها تتقاسم مع قوات النظام السوري السيطرة على مدينتي الحسكة والقامشلي، حيث تسيطر الأولى على معظم أحياء القامشلي، بينما تتركز سيطرة النظام في المربع الأمني ومطار القامشلي.

حالة الأهالي في ظل التهديدات التركي بالحرب

يقول عبود، وهو طبيب من مدينة القامشلي إن “الأهالي يتخوفون من التهديدات التركية بإطلاق عملية عسكرية في مناطقهم، نظراً لما ستسببه الحرب من قتل ودمار وتشريد، حيث يقع المدنيون ضحايا الأطراف المتصارعة للسيطرة على المنطقة”، في حين عبّر خليل حج محمد وهو أحد أهالي مدينة المالكية (ديريك) عن “الخوف من تكرار الأحداث التي وقعت في مدينة عفرين شمال حلب والانتهاكات التي ارتكبها مقاتلو (الجيش الحر) المدعومين من تركيا بحق المدنيين”. علي طنكو من أهالي قرية تل صخر في منطقة رأس العين (سري كانيه) أكّد أن “تهديدات تركيا نشرت الذعر في قلوب الأهالي، ومع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من المنطقة ازدادت حالة الهلع”.

ومع القرار الأمريكي وتصاعد التهديدات التركية، نزح نحو 30 بالمائة من أهالي مدينة رأس العين شمالاً، كما شهدت مدن حدودية نزوحاً محدوداً بعد قرار أردوغان لاحقاً تأجيل المعركة.
ويشرح “طنكو” أن “عدداً من السكان نزحوا من قرى منطقة رأس العين باتجاه المدن الجنوبية مثل تل تمر والحسكة”، وهو ما يؤكده “عبود” بالقول إنه “في حال حصلت المعركة فعلياً فإن الأهالي سيتوجهون إلى مناطق أخرى آمنة كمدينة الحسكة وقراها المجاورة”.

من جانبها، اعتبرت أم ابراهيم من مدينة المالكية أن “معظم الأهالي سينزحون باتجاه إقليم كردستان العراق في حال وقوع المعركة، نظراً لقربه من المنطقة”، في حين قال آخرون إنهم لن يغادروا مدنهم مهما حصل، على ما يقول علي هجار من عامودا: “لن أغادر مدينتي في جميع الأحوال” قبل أن يستطرد بالقول: “لكن بعض أهالي عامودا قد ينزحون باتجاه دمشق أو اللاذقية”.

ومع تأجيل المعركة، اعتبر البعض أن التهديدات كانت مجرد زوبعة إعلامية، بينما ذهب آخرون إلى درجة أكبر من التفاؤل معتبرين أن “تأجيل المعركة هو بداية لاتفاق قد يلغيها”. على صعيد آخر يعتبر “طنكو” أن “إطلاق عملية عسكرية على المنطقة هو عمل يهدف إلى القضاء على الحلم الكردي، وليس كما تزعم تركيا التي تقول بأنها ستحارب قسد”.

اقتصادياً، أكدت مصادر “بوابة سوريا” في القامشلي وعامودا والمالكية والحسكة أن “الوضع الاقتصادي والإنساني لم يشهد أي تغيرات بشكل عام من حيث الأسعار أو توفر المواد الأساسية”، إلا أن “تلك المناطق قد تشهد في الأيام المقبلة احتكاراً للبضائع من قبل التجار”. ولكن، سُجّل ارتفاع في أسعار أجور المنازل في مدينة رأس العين، وكذلك “ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية”.

الوضع السياسي

سُجّلت مناشدات كثيرة ودعوات لــ “حل الخلافات بين الأحزاب الكردية للوقوف أمام التهديدات التركية”، إذ طالب “التحالف الوطني الكردي” يوم السبت 22 كانون الأول/ ديسمبر 2018 في بيانه “الأطراف السياسية بتجاوز الخلافات وتحمل مسؤوليتها بالجلوس على طاولة الحوار وتحديد موقفها من التهديدات التركية، وعدم تفردها باتخاذ قرارات مصيرية تهم حاضر ومستقبل أبناء المنطقة” بحسب البيان. وكذلك، دعا أعضاء من “الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي” إلى عقد حوار بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي “لحل الخلافات بينهما لمواجهة التهديدات”، إلا أن الأخيرَين تخلفا عن حضور الاجتماع.

في السياق ذاته قال “مجلس سوريا الديمقراطي- مسد” والذي يعتبر الذراع السياسي لـ “قسد” إنه “طالب الجانب الفرنسي بتحمل مسؤولياته حيال التهديدات التركية، إلا أنهم لم يتلقوا وعوداً من الفرنسيين بشأن ذلك” مبيناً أنهم في المجلس “سيتواصلون مع جميع الأطراف الدولية من أجل إيقاف التهديدات التركية من جهة، ولكي يكونوا طرفاً مشاركاً وفاعلاً في الحل السياسي السوري من جهة ثانية”.

يبقى الترقب سيد الموقف، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة على هذا الصعيد، ويبقى المدنيون تحت وطأة احتمالات معركة بين عدة أطراف وقوى تتنازع السيطرة على المنطقة، وسيكون هؤلاء المدنيون الضحايا والخاسرين الأساسيين فيها، إن وقعت.