تعرض الشمال السوري يوم أمس لعاصفة مطرية شديدة، شملت فيها الهطولات محافظات إدلب وحلب وحماة. وهطلت الأمطار بغزارة غير مسبوقة منذ سنوات. وشكّل ذلك كارثة إنسانية ألمّت بالنازحين الذين يقيمون في المخيمات على امتداد المناطق المحررة، وهم الذين يعيشون على هامش الحياة في ظل غياب شبه تام للمنظمات الإنسانية.

وقد ضاعفت طبيعة المناطق الجبلية حول المخيمات من حجم الكارثة، إذ تعرضت بعض المخيمات المنتشرة على السفوح إلى سيول جارفة شديدة الجريان، كما غرق البعض الآخر من المخيمات والمتمركز في السهول نتيجة تجمع مياه السيول، ما أدى إلى تشرد ساكنيه مجدداً.

وصرّح أسامة الحكيم من “إدارة شؤون المهجرين” عبر شبكات التواصل الاجتماعي بأنه “لا توجد إحصائيات دقيقة، فالعمل مستمر مع استمرار الكارثة، ولكن تم تحديد عدد المخيمات المتضررة بشكل كبير، مبدئياً، وذلك في قاطع أطمة الجنوبي، وهي ثلاثة مخيمات: مخيم العمر ومخيم زمزم 1 ومخيم زمزم 2. وبلغ مجموع العائلات المتضررة فيها 50 عائلة. أما في قاطع أطمة الشمالي، أي: مخيمات ريف حماة الغربي والاتحاد والإخلاص والاتحاد وأورينت وصابرون والهبة والندى، فقد بلغ مجموع العائلات المتضررة فيها ما يقارب المائة عائلة وهي تضررت تضرراً كاملاً”.

وفي منطقة الدانا الشمالية وتحديداً في مخيم “لستم وحدكم”، والواقع على أطراف قرية دير حسان، وجّه النازحون نداءات استغاثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب غرق معظم خيم المخيم. وقال أبو فيصل الحموي مدير مخيم “لستم وحدكم” في حديث إلى “بوابة سوريا”: “الأضرار في المخيم هي الخيام المصنوعة من القماش أساساً، وقد مرّت عليها سنتان بينما هي مصممة للإيواء المؤقت. ومع قدوم العاصفة صار الوضع مأسوياً حيث تضررت ٩٠% من الخيام لدرجة أن المياه دخلت إلى داخل الخيام بسبب الفيضانات. وبالأساس، لا يوجد في أسقف وأرضيات الخيام أية عوازل”.

وتابع الحموي مبيناً أنه “لا يوجد أضرار بشرية، واقتصرت الأضرار على أثاث الخيام كالفرش والإسفنج والبطانيات التي تبللت بالمياه بالإضافة إلى انهيار بعض الخيام”، مشيراً إلى أن “إدارة شؤون المهجرين بالتنسيق مع الدفاع المدني قامت بالتدخل عبر فتح عبّارات للمياه المحصورة داخل المخيمات، وتأمين الأهالي المتضررين في أماكن إيواء مؤقتة، في ظل غياب التدخل من قبل أي منظمة إنسانيه وإغاثية”.

وحول ذلك، شرح أحمد شيخو، الإعلامي في الدفاع المدني، ما قام به الدفاع المدني قائلاً إن “عملية استنفار كامل لفرق الدفاع المدني السوري تمت في كامل أرياف إدلب، حيث رفعت الجاهزية إلى حدها الأقصى. وقامت فرق الدفاع المدني بفتح قنوات لتصريف المياه العالقة والمتجمعة والسيول، كما عملت على إخلاء المدنيين في الخيام المتضررة بشكل كامل، بالإضافة إلى مساعدة الأهالي في إعادة تأهيل الخيام المتضررة بشكل جزئي”.

ويبين “شيخو” أيضاً أن عملهم لم يقتصر فقط على المخيمات، بل شمل العديد من قرى ومدن المحافظة، حيث “عملت فرقنا على فتح مجاري الصرف الصحي التي أغلقت بفعل السيول وتسببت بتجمع المياه، وعلى رفع سواتر ترابية لحجز المياه ومنعها من التسلل إلى المنازل والخيام، وفتح قنوات لتصريف السيول المتجمعة في المنخفضات لتسهيل مرور المدنيين”.

النازحون الذين يقيمون في تلك المخيمات هم في غالبيتهم من أرياف حماة الشرقي والشمالي وحلب الجنوبي وإدلب الشرقي والجنوبي. وهم ممن تهدمت منازلهم بفعل القصف أو أن قراهم ما تزال تحت سيطرة قوات الأسد. وحول ذلك يقول محمد توفيق، رئيس “المجلس المحلي لقرية فان الشمالي” الواقعة بريف حماة الشرقي، وهو مقيم في مخيمات الشمال: “مخيمات النازحين من ريف حماة الشرقي الموجودة في أطمة هي مخيمات جويد والهدى وإخوة سعدى والغرباء، ويوجد فيها أكثر من 800 أسرة جميع أفرادها نازحون من ريف حماة الشرقي، بالإضافة إلى 400 أسرة نازحة من منطقة سنجار بريف إدلب الشرقي. وتعتبر هذه المخيمات مقطوعة عن المحيط بشكل تام بغض النظر عن الفيضانات التي اجتاحت المنطقة يوم أمس واليوم. هناك طريق ترابي طوله 1500 متر يخدم هذه المخيمات، وينقطع هذا الطريق بمجرد هطول الأمطار”. ويتابع: “80 % من تلك المخيمات تضررت تقريباً، ولا توجد خيمة لم تدخل إليها مياه السيول. هذه الخيام في الأساس لا تقي النازحين حر الصيف ولا برد الشتاء، لأنها خيم بدائية مصنوعة من أكياس الخيش”.

وأشار “توفيق” في حديثه إلى الحال الخدمية المتردية للمخيم قائلاً “حتى الصرف الصحي الموجود في المخيم هو عبارة عن حفر فردية أمام كل خيمة، ومع وصول السيول اختلطت مع مياه الصرف الصحي وتدفقت إلى داخل  الخيام. أما عن الظروف الإنسانية والصحية في المخيم ففي مثل هذه الظروف القاسية فلا يمكن التعامل مع الحالات الإسعافية أو الاضطرارية كحالات الولادة التي لا يمكن فيها نقل النساء إلا عبر الجرار الزراعي. لا توجد إصابات أو أضرار بشرية كبيرة، واقتصرت الأضرار على المادية، فالخيام التي لم تتهدم دخلتها مياه السيول وبللت أثاثها وشردت ساكنيها”.

مع توقف العاصفة بعد ظهر اليوم وتجلي الخسائر المادية في المخيمات، وانكشاف حجم الأضرار التي تعرض لها سكان تلك المخيمات، يستمر السؤال يطرح نفسه: إلى متى سيبقى هؤلاء تحت رحمة الكارثة في كل شتاء من دون حلّ جذري يحميهم؟! مع العلم أن “أربعينية الشتاء” ما تزال في بدايتها، وهم لا يعلمون ما ينتظرهم في قادم الأيام.

*فريق بوابة إدلب