الصفحة الرئيسية رأي وتحليل في البدء كانت الهزيمة

في البدء كانت الهزيمة

لأنني كنت منحازاً بقوة إلى ثورة ربيع ٢٠١١ منذ اندلاعها في بلدي سوريا، ولخشيتي من أن تكون كتاباتي أكثر” إيديولوجية” بسبب تفرغي للعمل السياسي٬ انقطعتُ عن الكتابة “الخاصة”٬ ولم أنقطع عنها بالطبع في الحيز العام الذي لا يحمل توقيعاً في أغلبه. آخرون كانوا أكثر قدرة مني على الفصل بين المنزلتين. أعود وأبدأ هنا بضربة على الكعب تتلوها أخرى على الحافر. بمقالة تبدأ من البدايات٬ وأخرى تبدأ من الأواخر.. لعلني أستطيع بذلك دعم إحداهما بالأخرى٬ وأستطيع تليين قلمي المتيبس والسّهل الانكسار والتقصّف.

في حياتي وبعد بلوغ سن الرشد أو مقاربته٬ كانت حرب الخامس من حزيران هي الانفجار الأول. تلك “الهزيمة” التي أسميناها “نكسةً” خجلاً أو تجارةَ سلطات سائدة أو رفضاً داخلياً لها٬ كما نرفض تسمية ما حدث معنا “هزيمة” للثورة السورية٬ في رفض داخلي لها غالباً٬ وتجارة أيضاً٬ ولكن ليس خجلاً أبداً!

كنت في اليوم الثاني من فحوص الثانوية العامة. وبعد دقائق من بدايتها٬ دخل مسؤولو مركز الامتحانات يلهثون معلنين ابتداء “الحرب” وتوقف الامتحانات٬ ووجوب عودتنا إلى بيوتنا، الأمر الذي لم نفعله أبداً٬ ونحن في هياج وحماسة وربما فرح لا يوصف. وانطلقنا راكضين عدة كيلومترات لاستلام السلاح و”الدفاع عن الوطن” كما كان اسم اللجان التي تشكلت آنئذٍ، و لــ” تحرير فلسطين” وإرسال إسرائيل إلى الجحيم غير مأسوف عليها٬ وبسهولة مؤكدة.

احتاج الأمر إلى أيام ثلاثة وحسب لكي نتيقن من أننا مهزومون٬ وشاهدنا ونحن في “مواقعنا” التي كانت تحمي حمص من شرقها حيث الصحراء فالعراق٬ وجمال عبد الناصر في التلفزيون يبكي ويعلن الهزيمة على طريقته ويستقيل.

كانت صدمة هائلة للعرب عموماً٬ وللسوريين والفلسطينيين والمصريين خصوصاً. شخصياً٬ وبعد عودتنا إلى امتحاناتنا ونيل الثانوية٬ رفضتُ الذهاب إلى الجامعة٬ وتفرغت عاماً كاملاً لشفاء روحي من أبواب الفكر والسياسة. انقذفتُ مع غيري باتجاه اليسار أكثر٬ وانقذف غيرنا باتجاه الأصولية والإسلام السياسي يعالجانه ويدلانه على الحل والخروج من فصامه وأزمته.

لم يكن اليسار التقليدي مُرضياً لنا ولا كافياً لإشباع غضبنا٬ ولا عظمة الاتحاد السوفيتي أيضاً. بعضنا ابتدأ بإنشاء حلقاته الخاصة٬ على النسق التروتسكي وأمميته الرابعة٬ وتوجه بعضنا نحو النسق الصيني الذي ذهب به ماوتسي تونغ إلى ضفاف الجنون٬ وبعضنا التزم جانب الحزب الشيوعي الرسمي أملاً بإنهاء ارتباطه الخارجي بأسرع وقت ممكن٬ وهو الأمر الذي استغرق عملياً أكثر من أربع سنوات.

قيادة حزب البعث اليسارية آنذاك٬ اختارت في موقف مثير للدهشة ألا يدفع وزير الدفاع ثمن هزيمته العسكرية وإعلانه سقوط القنيطرة قبل سقوطها٬ في مشهد مضحك مبكٍ٬ صحيح مبدئياً وخاطئٍ عملياً٬ وصوتت بالأكثرية على براءته٬ وفيها بعض أكثر أعضائها طهرانية ونقاءً.

في الوقت نفسه٬ كانت المقاومة الفلسطينية باباً للخروج من الرتابة والحالة العاجزة. انتظم بعضنا انطلاقاً من يساريته في الجبهات الفلسطينية اليسارية٬ وتفاءل بخطف الطائرات والهجومات المتفرقة في قلب إسرائيل٬ وبحماسة الجيش الياباني الأحمر وجماعة بادر ماينهوف وغيرهما لتحرير فلسطين بالذات. بعضنا الآخر- الإسلامي- التزم بدورات التدريب العائدة لحركة فتح، تحضيراً للعمل المسلح في” الداخل” السوري لاحقاً.

وخلال أقل من عام على هزيمة حزيران٬ اشتعلت أوروبا بثورة الطلاب 1968، وليتعمق انقسام اليسار السوري بين التقليدي والجديد٬ واستسلام اليمين لخياراته الإسلامية أو السلطوية. كانت تلك الثورة “صهيونية” في عرف السلطات السائدة آنذاك٬ و”مُنحلة” في عرف اليمين الإسلامي٬ في حين استند إليها المثقفون المتفاعلون آنذاك غرباً٬ واليساريون الجدد الباحثون عما يضرب أو يخدش الجدار الستاليني القبيح. أذكر جيداً كيف أني ورفيقي كمال سمعان نَقلنا أثناء فحوص العام التالي سبورة سوداء من بيته إلى بيتي مسافة كيلومتر أو أكثر٬ وكتبنا عليها كلمة واحدة كبيرة:” نحتج!” من دون بيان ولا شرح٬ وأذكر عيون الناس مفتوحة على آخرها تستغرب أو تستنكر أو تتساءل عما نقصده. كان ذلك في الشهر التالي مباشرة لثورة طلاب العالم.

على الرغم من ذلك٬ كانت الأشياء تسير وفقاً لما يخدم “الثورة المضادة”٬ ولا يصح طبعاً تسميتها ذلك٬ لا أصولاً ولا فروعاً!

في العام نفسه، ١٩٦٨، كانت القوى” التقدمية” المعارضة٬ وأبرزها قوى الناصريين والقوميين العرب والاشتراكيين والبعثيين المطرودين من السلطة في سوريا منذ شباط ١٩٦٦، تحاول تجميع نفسها في “جبهة” واحدة تم إجهاضها ببضع ضربات أمنية سهلة قادها “يسار” البعث آنذاك٬ وكان قد ابتدأ بتطوير أجهزته الأمنية على النمط السائد في بلدان الكتلة السوفياتية.

ذلك النظام اليساري التقدمي الطهراني حسن النوايا٬ استطاع بغلوّه تحقيق المزيد من عزلة السلطة٬ وكان معادياً للالتزام الديني سياسياً ومن دون سياسة٬ ومعادياً للناصرية التي تستطيع آنذاك حشد “الجماهير” من شرائح الطبقة الوسطى في جزئها الأدنى في المدينة والريف٬ واستعدى حتى شيوخ الطائفة التي يتهم بالانتماء إليها٬ وغيرها من الطوائف. كما حارب تجار المدن، دمشق وحلب خصوصاً، والمشهورين ببنيتهم المؤتلفة بالوراثة منذ القدم.

إضافة إلى ذلك، رفض النظام آنذاك قرارات مجلس الأمن حول التسوية بنتيجة الحرب٬ واستعدى الغرب علناً والشرق بشكل أقل علانية٬ وثابر على الهجوم الشرس بكل طريقة على معظم الأنظمة- الدول العربية. بنتيجة ذلك أصبح النظام معزولاً تماماً٬ ومحاصراً من تحت ومن فوق٬ ومن الجهات الأربع.

كان من الطبيعي والمنطقي أن تنكبّ النخبة السورية على إعادة تنظيم وتجديد نفسها على أسس مختلفة جذرياً عن السابق٬ وكذلك على إعادة صياغة وعيها ومطابقته من جديد بحكم الواقع الناشئ٬ وكان للأمرين أن يستغرقاً وقتاً وجهداً لا رفاهية فيهما تسمح بذلك٬ ولا واقعاً يستطيع الانتظار.

في عام ١٩٦٩ انقسمت السلطة السورية داخلها إلى قسمين٬ يقف حزب البعث آنذاك في أحدهما٬ وحافظ الأسد مع القوى الضاربة في الآخر. انقسمت من دون إعلان رسمي ولا هجوم مباشر أو انسحاب على الطرف المقابل. وبعد ربيع ذلك العام٬ أصبح واضحاً عجز” المدنيين” في النظام عن إزاحة حافظ الأسد ومجموعته.

انكبٌ آنذاك ياسين الحافظ والياس مرقص وصادق جلال العظم٬ ومعهم جمال الأتاسي وعبد الكريم زهور٬ وأشخاص آخرون من أصحاب الروح العملية والفعل المباشر من أمثال رياض الترك أيضاً٬ على الحفر أعمق من أيّ عمق بِلغة الثقافة الوطنية السورية-العربية سابقاً٬ في عملية نقد ذاتي رافض للقوالب السابقة٬ وفي بحث عن” الوعي” الضائع.

وعاصر هذا الجهد تعايُش عدد من” الشباب” مع ثورة ١٩٦٨ في أوروبا٬ من أمثال عمر أميرالاي وبوعلي ياسين حسن وسعدالله ونوس وآخرون، من الذين أصبحوا من وقاديّ الحراك الثقافي- الديمقراطي لاحقاً٬ وهم٬ مع أولئك المذكورين أعلاه٬ أي من استخرج وصفة الديموقراطية كنواة من نوى التحديث المنشود٬ مع ابتعاد أكبر عن عنصر” الشعب” واقتراب أكبر من عنصر الحرية.

إلا أن ذلك البحث الهادئ عن الطريق كان في أجواء أسس فيها حافظ الأسد لانقلابه “السلمي”٬ واستكماله عملية القبض على السلطة والشعب “إلى الأبد”.. تقريباً!

  • كاتب وسياسي سوري معارض