لم تدرِ سلمى ماذا تفعل، رغم أنها ومنذ سنوات عديدة كانت قد اتخذت قرارها باستحالة الاستمرار مع زوجها، لكنها الآن في فرنسا، مع أطفال صغار، بعيداً عن عائلتها، ترددت قليلاً قبل أن تحسم أمرها وتتوجه إلى محامية أعطتها عنوانها الجمعية الموكلة متابعة طلب اللجوء الذي تقدمت به لدى السلطات.

هذا القرار الصعب تتخذه كثير من النساء السوريات القادمات إلى فرنسا، كما باقي بلاد اللجوء، متطلعات إلى بلد مضيف يضمن لهن في الحد الأدنى عدم تعرضهن للعنف إذا هنّ فكرن بطلب الطلاق، ويضمن لهنّ غالباً سكناً منفصلاً، ومساعدة مادية اجتماعية لحين حصولهنّ على عمل.

تتزايد بشكل مضطرد حالات النساء طالبات الطلاق، بالتزامن مع وعيهن للحقوق التي يتيحها القانون لهنّ، وهذا ما يسمح لهنّ بالإقدام على هذا القرار، بالمقارنة مع القانون في سوريا والعالم العربي عموماً، الذي يعطي الرجل الأفضلية في مواد عديدة، فيما يصعِّب طلب المرأة للطلاق بإرادة منفصلة، ويمنحها في حال أقر الطلاق نفقة لا تكاد تكفيها لأيام.

أما في كواليس القانون، في المجتمع، فكثير من السيدات وحتى العاملات منهن، يتهيبن هذه الخطوة، ويفكرن في إمكانية تحمل أعباء ايجاد سكن لهنّ ولأطفالهنّ والتكفل بإعالة هؤلاء الأطفال، في وقت تضغط فيه معظم العائلات للحيلولة دون طلاق بناتهنّ، خوفاً من عودتهن إلى منزل ذويهنّ مع أطفالهنّ، بما يعنيه ذلك من تحمل أعباء اقتصادية واجتماعية إزاء مجتمع ينظر للمرأة المطلقة نظرة دونية.

وفي هذه الأثناء يقود المجتمع حملة شرسة على المرأة لتقبل الواقع، ولتتحمل إهانات الزوج وعنفه مرات عديدة، لا بل يتم قمع المرأة التي تفكر في تسجيل شكوى ضد زوجها الذي عنفها، من قبل ذويها قبل سواهم.

وفور وصول العائلة إلى ضفاف أرض اللجوء، فرنسا مثالاً، ستجد في قائمة كل المنصات الإدارية والاجتماعية التي تستقبلها استعراضاً لحقوقها ولحقوق الأطفال، وتأكيداً على ضرورة إعلام الموظف الذي يهتم بشؤون الأسرة وأوراقها في حال تعرضها لأي شكل من أشكال العنف.

اعتاد المساعدون الاجتماعيون التباحث مع الأب والأم في شؤون الأسرة، وهم يطرحون النقاش بين الزوجين حلاً مبدئياً للوصول إلى نقاط وسطية تشكل انسجاماً ضرورياً ومهماً للعائلة، لكن النقاش ليس دوماً الحل المفضل للرجل الذي اعتاد أن يفرض هو حلوله، وأن يقول ما يحلو له في الوقت الذي يتوجب على الجميع الإنصات لما يقوله، والتنفيذ، وأي محاولة من قبل المرأة لإبداء رأي مخالف أو مختلف ستشكل استفزازاً للرجل وستضعه في موقع الدفاع عن النفس ومن ثم الهجوم.

ثمة كثير من النقاشات التي تجري أمام المساعد/ة الاجتماعي/ة تعنى بأي شأن أسري قد تفضي إلى مشادة كلامية بين الزوجين نتيجة عدم قدرتهما على خوض النقاش سوية، إحساس عال بالعدائية من قبل الرجل بسبب شعوره بالاستهداف، مقابل شعور متزايد من قبل المرأة باضطهادها، ولكن هذه المرة في بلاد تضمن لها المساعدة في حال قررت طلب الانفصال، وتؤمن لها متطلبات الحياة الكريمة والمؤازرة.

يستمر معظم ذوي المرأة بالضغط عليها في أرض اللجوء لاستمرار هذا الزواج، ولكن أغلب النساء الراغبات أصلاً بالانفصال يكنّ قد استنفدن أصلاً فرص الاستمرار منذ زمن.

يقوم القانون السوري في كثير من مواد قانون الأحوال الشخصية على مبدأ قوامة الرجل على المرأة، ابتداء من عقد الزواج الذي يشترط وجود ولي أمر الزوجة وموافقته، حتى وإن كان ولي أمرها ابنها القاصر!

ينص القانون أيضاً على منح الزوجة “مهراً” وهو ما تعتبره كثير من النساء مكسباً لهنّ لضمان حقوقهنّ في حال الانفصال، فيما تثبت التجربة أن الرجل يستطيع أن يجبر المرأة على التنازل عن هذا الحق سواء بعنفه اللفظي أو الجسدي.

لا تتمتع المرأة في سوريا بحرية الحركة والتنقل والسفر، وتعتبر قانوناً “ناشزاً” في حال غادرت منزل الزوجية دون إذن زوجها، ويحق له معاقبتها على ذلك.

يجبر بعض الأزواج نساءهنّ على ترك تحصيلهنّ العلمي، وعلى ترك عملهنّ بعد الزواج، ولا يوجد قانون حازم يمنع ذلك، بالإضافة إلى وقوف كثير من رجال الشرطة والقضاء بجانب الرجل لكونهم رجالاً أيضاً ويحرصون على المحافظة على قوامة الرجل على المرأة.

النساء أيضاً يسهمن وبقوة في تكريس هذه النظرة من خلال التربية، لا بل تسهم كثيرات من الأمهات بتحريض الأبناء والأزواج على ارتكاب العنف ضد النساء بدعوى حماية الأسرة والدفاع عن “الشرف”.

وما يزال القانون السوري يحمي مرتكبي جريمة الشرف ويسقط عنهم العقوبة في حال تعذرهم بارتكابها بحجة الدفاع عن “شرف” العائلة، وما زال ممكناً حرمان النساء من حق الحياة في بلادنا دون أن يعاقب مرتكب الجريمة، لا بل إن هذه الجرائم باتت ترتكب في بلدان اللجوء ووصل الأمر حد بثها مباشرةً على وسائل التواصل الاجتماعي وصولاً إلى مزيد من بث العنف والكراهية.

يبدو من المهم مواكبة التوعية بحقوق المرأة للعائلات القادمة، مزيد من التوعية بضرورة الحوار والتأكيد على أن العنف مؤذٍ للجميع، وضرورة التوعية بأن هنالك حقوقاً للنساء كما أن هنالك حقوقاً للأطفال والرجال. وكما أن هنالك حقوقاً فإن هنالك واجبات أيضاً على الجميع القيام بها لتتمكن الأسرة من العيش بشكل متوازن.

يتوجب أيضاً التشديد على المواكبة النفسية لجميع الأطراف، بما يضمن استمرار الحوار والنقاش حلّاً لجميع أفراد الأسرة، وبما يضمن عزل العنف شيئا فشيئاً وصولاً إلى استبعاده من قائمة الحلول.

في المقابل، لا يمكننا إنكار وجود فئة من النساء قد تتكئ على سلة الحقوق التي يقدمها القانون لتطلب الانفصال طمعاً في الحصول على ما يسمونه تقليدياً “الراتب” او المساعدة المالية لذوي الدخل المنخفض، ثمة بعض الحالات التي استفادت فيها المرأة من لم الشمل المقدم من قبل الرجل ليكون أول ما تفعله عند وصولها هو طلب الانفصال، وهذا ما شكل صدمة للرجل الذي كان يعتقد بأنه بهذه الطريقة يحافظ على أسرته، لكن يبدو أن المشكلة بين الزوج والزوجة هي مسألة بحاجة للكثير من البحث وليس من السهل تحديد الضحية، كما مسألة الحقوق والواجبات التي تحتاج تربية متكاملة للوصول لفهمها.

في فرنسا التي لم يتقبل مجتمعها فكرة الطلاق إلا بعد الثورة الفرنسية، فتم قبول الطلاق شرط ارتكاب أحد الزوجين خطأ كالخيانة أو التقصير في الواجبات، وعاد الأمر مع عودة الملكية ليكون صعباً، وبعد الاستقرار الذي عرفته البلاد بعد الجمهورية الثالثة وتحديداً بعد ثورة الطلاب سنة ١٩٦٨ أصبح الأمر أكثر قبولاً، يعيش ما يقارب من ثلث الأزواج منفصلين، وفي ثلث الحالات يتم طلب الطلاق بإرادة منفصلة، دون أن يكون هنالك خطأ، وهذا ما يعتبر تماشياً مع الحريات الفردية التي أصبحت أكبر بكثير مما اعتبر سابقاً قدسية الرباط العائلي.

ولربما تحتاج العائلات السورية القادمة إلى بلدان اللجوء تحقيق هذا التوازن بين الحريات الفردية والمحافظة على العائلة في الآن ذاته من اجل عائلات اكثر تفهماً وتماسكاً. وحتى ذلك الحين ستستمر معاناتهم رجالاً كما نساء وأطفالاً.

*كاتبة سورية

مصدر الصورة:

https://www.thestar.com/news/immigration/2016/03/02/new-syrian-refugees-to-be-hit-with-bill-for-travel.html