تشهد عدة مناطق في حلب اشتباكات عنيفة بين الفصائل، ممثلة بـ “الجبهة الوطنية للتحرير” من جهة، وتضم في صفوفها “حركة نور الدين الزنكي”، وبين “هيئة تحرير الشام” من جهة ثانية. وهو صراع واقتتال يواجهه المدنيون في ظروف بالغة السوء، وتترتب عليه تبعات وانعكاسات عدة تزيد من بؤسهم ومرارة واقعهم.

تبادل اتهامات واشتباكات في أكثر من منطقة

بدأ الأمر بالتصعيد الإعلامي بين “هيئة تحرير الشام” و”الجبهة الوطنية للتحرير” التابعة لـ “الجيش السوري الحر”، عبر اتهام الهيئة للجبهة باغتيال خمسة أشخاص من عناصرها، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات ووقوع قتلى وجرحى من المقاتلين والمدنيين. وقال الناطق باسم “الجبهة الوطنية” محمد أديب في حديث إلى “بوابة سوريا” إنه “تمت دعوة كلا الطرفين إلى تشكيل محكمة مستقلة يخضعان لها، وهو ما رفضته الهيئة في البداية، قبل أن توافق عليه بفعل الضغوطات من عدة أطراف”. وتابع قائلاً إن “المحكمة أصدرت قراراً بتسليم الموقوفين لدى الفصيلين إلى المحكمة، إلا أن تحرير الشام قامت صباح الثلاثاء المنصرم بشن هجوم على عدة قرى وبلدات تتبع للجبهة الوطنية غرب حلب، وتركز هجومها على مدينة دارة عزة”. واستمرت المواجهات في المدينة مدة 24 ساعة استخدمت فيها معظم الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، ما تسبب بمقتل ستة مدنيين بينهم ممرض، كما جرح أربعة مدنيين من عائلة واحدة نتيجة الاقتتال في قرية “تقاد”.

ولفت “أديب” أن تحرير الشام فرضت حظر تجوال في منطقة دارة عزة، إضافة إلى تنفيذها حملات اعتقال طالت عدداً من المدنيين، كما سيطرت على جبل “الشيخ بركات” قرب المدينة بعد اشتباكات مع “الجبهة الوطنية للتحرير”، وسط استقدام تعزيزات عسكرية من الأخيرة لمساندة مقاتليها هناك.

وعصر الأربعاء، اتسعت رقعة المواجهات الدائرة بين الطرفين، لتشمل أطراف محافظة إدلب الشرقية والجنوبية، بعد أن بدأت في ريف حلب الغربي. فقد “شنت الجبهة الوطنية عمليات موسعة ضد مواقع لــهيئة تحرير الشام في إدلب، وتركزت الاشتباكات على طريق معرة النعمان ومحيط مدينة سراقب، وسيطرت “الهيئة” على بلدتي معرشورين ومعصران، وسط استمرار الاشتباكات على أطراف مدينة دارة عزة في ريف حلب” بحسب “أديب”.

من ناحية أخرى، اعترفت “تحرير الشام” بمقتل أربعة عناصر لها برصاص مقاتلي “الزنكي” في قرية تلعادة بمحافظة إدلب، واتهمت “الزنكي” بخرق آخر اتفاق جرى بينهما. وقالت إن مشكلتها هي مع “حركة نور الدين الزنكي” ولن تهاجم باقي فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير” غرب مدينة حلب. من جانبهم، اتهم ناشطون ومدنيون “هيئة تحرير الشام” بإعدام ثمانية مقاتلين من “الجبهة الوطنية للتحرير” في جمعية السعدية المجاورة لبلدة أورم الكبرى غرب حلب، ورداً على ذلك، أصدرت “الهيئة” بياناً نفت فيه تنفيذ أية إعدامات ميدانية بحق عناصر الجبهة الوطنية للتحرير في ريف حلب الغربي، كما نفت اعتقالها المدنيين في مدينة دارة عزة.

 

الاقتتال يستمر والمدنيون يدفعون الثمن

كان من الطبيعي أن يكون المدنيون أكثر تأثراً بهذه المعارك، إذ سقط منهم 12 قتيلاً و40 جريحاً خلال يومين، وأثر هذا الاقتتال المستمر على حياتهم اليومية وعلى عدة قطاعات حيوية في عدة مناطق تشهد مواجهات، إذ منع القصف المكثف عناصر “الدفاع المدني” من إخلاء ممرضين وأطفال حديثي الولادة من مشفى “الفردوس” بمدينة دارة عزة، بحسب نضال محمد وهو أحد الممرضين في المشفى. وانقطعت طرق رئيسية بين عدة مناطق في حلب وأغلقت الكثير من المحال التجارية، وعلّقت “جامعة حلب الحرة” ومعها “معهد إعداد المدرسين” التابعَين لــ “الحكومة السورية المؤقتة” عملهما، إلى جانب إغلاق المدارس الابتدائية والإعدادية الواقعة في مناطق الاشتباك.

يتحدث حسين الأحمد وهو أحد طلاب جامعة حلب قائلاً لــ “بوابة سوريا” إن “الجامعة أبلغتهم بتعليق الدوام فيها من الأربعاء وحتى السبت القادم بسبب الاشتباكات بين الطرفين”. ونشر “معهد إعداد المدرسين” في مدينة الأتارب بياناً على موقعه في “فايسبوك” أعلن من خلاله “تعليق الدوام مدة ثلاثة أيام حرصاً على سلامة الطلاب والمدرسين”، في حين أعلنت كلية الهندسية المعلوماتية والمعهد التقني للحاسوب التابعين لــ “جامعة حلب الحرة” أيضاً تعليق الدوام في كل منهما يوم الأربعاء الماضي فقط.

إلى ذلك، توقفت معظم أفران بلدات ريف حلب الغربي عن العمل، باستثناء الفرن الآلي في مدينة الأتارب. وقال قاسم عبيد، المسؤول المالي في الفرن الآلي التابع للمجلس المحلي في مدينة الأتارب، إن “الأفران في المنطقة توقفت عن العمل بسبب انقطاع الطرقات بين المناطق غرب حلب نتيجة، بالإضافة إلى توقف مطحنة المدينة عن العمل لعدم توفر الحبوب فيها للأسباب ذاتها”، منوهاً أن “فرن المدينة سيستمر بتوفير مادة الخبز للأهالي لليومين القادمين، بسبب امتلاكه كمية من مادة الطحين استطاع المسؤولون عن الفرن تأمينها من السوق الحرة بسعر 325 دولاراً أمريكياً للطن الواحد من الطحين، في حين كان سعر الطن 265 دولاراً، وكل ذلك تعود أسبابه إلى التوترات الأمنية في المنطقة” لافتاً إلى أن “سعر ربطة الخبز لم يتغير وهو 125 ل.س”.

وفي السياق ذاته، قُطعت عدة طرق رئيسية في منطقة الأتارب نتيجة المواجهات، منها الطرق الواصلة بين الأتارب وقرى إبين سمعان والجينة وكفرنوران وكفرناصح والأبزمو، وسط تخوف من أن يؤدي “استمرار انقطاعها إلى انقطاع الخبز عن تلك القرى بشكل كامل” بحسب خالد ابراهيم وهو أحد سكان بلدة الجينة غرب حلب.

وأصدرت المجالس المحلية في منطقة سمعان غرب حلب، بياناً طالبت فيه الفصائل والقوى العسكرية بــ “فتح ممر إنساني إلى المنطقة الواقعة على خط اشتباك بين ثلاثة محاور”.

ليس من الواضح حتى الآن ما سيكون عليه حال وشكل “الشمال المحرر” على خلفية المعركة الحالية، ولا ما سيؤول إليه حال المدنيين وسط معاناتهم المتجددة مع هذا الاقتتال المستمر حتى الآن، وربما لفترة قادمة.