أسهمت سنوات الحرب في تدمير مراكز الأبحاث الزراعية المحلية التي كانت موجودة في عدة مناطق سورية، لا سيما منطقة “الإيكاردا” المعروفة بريف حلب، التي كانت مهمتها الحفاظ على سلالات القمح، والاستمرار بتهجينها للإبقاء على جودة النوعية ومعدلات الإنتاج. فقد كان محصول القمح استراتيجياً، لكن سرعان ما تحولت البلاد إلى مستوردة بعد أن كانت مكتفية ذاتياً، بالإضافة إلى فقدان وضياع بعض الأصناف المحلية وتدهور نوعيتها وارتفاع نسبة الخلط فيها “وهو ما لا يتم نقاشه على العلن”.

أصناف القمح وأعدادها

تتواجد أصناف عديدة من القمح، منها ما هو محلي ومنها ما هو أجنبي المصدر، ويختلف كل صنف عن الآخر من حيث الإنتاج والجودة. نائب المدير العام لــ “مؤسسة إكثار البذار” التابعة لــ “الحكومة السورية المؤقتة”، جمعة لولة، قال في حديث لـ “بوابة سوريا” إن “المؤسسة العامة لإكثار البذار تغطي مناطق متفرقة من ريف حلب الشمالي والجنوبي والغربي، وتتجاوز العقود المخصصة لريف حلب 800 هكتار موزعة بين أرياف حلب ككل. وكانت في شمال حلب في كل من مارع واعزاز وجرابلس والباب، وفي مدينة الأتارب والقرى التابعة لها غرب حلب، أما قي جنوبها فقد توزعت في مناطق “الزربة والبوابية والكسيبية”.

أما بالنسبة للأصناف فقد أضاف لولة أن “المؤسسة تملك اثني عشر صنفاً من القمح، تتراوح بين طرية وقاسية، وهي(شام 3، شام6، شام 8، شام 10، شام 11 المعروف باسم بلتاجي، دوما 1، دوما 2، جولان4، جولان 2، شام 12 والمعروف بــبغاء، إضافة إلى صنفي بحوث 9 وبحوث 11). وفي عام 2018 غطّى المشروع أكثر من 9000 هكتار، ومن المتوقع، وبحسب دراسات أجرتها المؤسسة، أن ينتج عنها بذار قمح يغطي بين 3000 – 3200 هكتار للعام القادم”.

صعوبات ومعوقات تواجه المؤسسة

صعوبتان وتحديان يواجهان سير عمل المؤسسة بحسب لولة، الأولى طريقة التعامل مع المزارعين، والثانية تتعلق بالجهات الداعمة والمانحة.

فعلى مستوى الجهات المانحة “كان مشروع هذه السنة مختلفاً عن السنة السابقة، إذ كان دعم المؤسسة مشتركاً بين المؤسسة ووحدة تنسيق الدعم والهلال الأحمر القطري. أما في هذه السنة، فينحصر تمويل المشروع بشكل كامل بيد (مؤسسة إكثار البذار)، الأمر الذي أدى إلى تناقص المساحات المتعاقد حولها مع المزارعين، إذ غطّى المشروع في السنوات السابقة مساحات بحدود 9200 هكتار، بينما اقتصر هذه السنة على 1000 هكتار متوزعة في أرياف حلب” بحسب قوله.

وحول المستوى الثاني من المشاكل، الذي يتعلق بالمزارعين، بيّنَ لولة أنها “كانت أحد أبرز المشاكل التي واجهت المؤسسة، إذ يتم تقديم قرض للمزارع بحدود 500 دولار للهكتار الواحد، مقابل أن يقدم المزارع في نهاية الموسم هذا القرض على شكل قمح أو بذار للشركات الثلاث ومنها المؤسسة، ويتضمن القرض تقديم بذار القمح مع أسمدة وأدوية أثناء الموسم، بالإضافة إلى توفير مستلزمات الري من المحروقات، وتقديم ثمن المبيدات التي تستخدم للمحصول، وكانت هذه سياسة المؤسسة في السنوات الماضية مع شركاء وجهات مانحة”. ولفت إلى أن “المشكلة الأساسية تكمن في وجود عدد من المزارعين ينظرون إلى المشروع على أنه (مشروع إغاثة)، على عكس رؤية المانحين، حيث يقوم المشروع على أسس علمية بغية تأمين البذار للمنطقة المحررة، وكان هناك مزارعون لم يلتزموا بشروط القرض، ولم يُسلّموا البذار في نهاية الموسم، ومنهم من قام برد القرض بنوعية رديئة من البذار، والقليل منهم التزم بالشروط”.

هذا كله “أدى بالمؤسسة إلى تغيير خطتها لهذا العام دون وجود أي شريك، حيث تم إلغاء سياسة القروض، والاعتماد في اختيار المستفيدين بناءً على السمعة الحسنة، والتعامل مع المزارعين المهتمين بإنتاج بذار القمح، حيث سيقوم فريق من المؤسسة بمتابعة وتقديم توجيهات للمزارع منذ بداية موسم البذار وحتى الحصاد، والاستلام في نهاية الموسم في حال كانت مواصفات البذار مطابقة للمعايير وكان المزارع قد طبق الشروط أيضاً”.

وقد تم التعامل مع المزارعين المتخلفين عن تسليم القروض في السنوات السابقة باتخاذ إجراءات “أدبية”، بمنع التعاقد مع المتخلفين عن الالتزام بشروط القرض في المشاريع القادمة، ومنعهم من الاستفادة من الخدمات الأخرى كالاستفادة من بذار المحاصيل الأخرى أو السماد، مع تنظيم دعاوٍ بحسب كل منطقة في المحاكم. ورغم كل ذلك، “لم يستجب العديد منهم للدعاوى” بحسب كلام محمد أحمد، أحد المسؤولين عن استلام وتسليم القروض في المؤسسة.

أسباب تراجع نوعيات البذار

 منذ ست سنوات، تعاني مناطق حلب من مشكلة خلط الأصناف وتراجع نوعياتها، وهذا طبيعي في الظروف التي تمر بها البلاد، مع غياب الرقابة والمتابعة الفنية، إذ لم تكن هناك جهات تعنى بمتابعة الموضوع بين عامي 2013 و2014، وكان ذلك قبل بدء عمل مؤسسة الإكثار عام 2015، والتي بدأت بالحفاظ على بذار القمح أو الأصناف الموجودة في سوريا.

فقد أضاف جمعة لولة أيضاً أنه “كان يتواجد سابقاً مركز بحوث مختص بصناعة ومتابعة البذار، لكن وبسبب غياب هذه الجهات منذ عام 2011 وغياب الجهات التي تقوم بهذه المهمة، قمنا بإنشاء محطات لإكثار البذار عام 2016، هدفها استعادة النقاوة الصنفية للقمح الموجود في المناطق المحررة، حيث تمتلك المؤسسة أربع محطات في مختلف مناطق حلب تتراوح مساحة كل محطة 10 هكتارات، ويتراوح عدد الأصناف التي يتم إعادة نقاوتها الصنفية تقريبا 17 صنفاً منها ما تم ذكره في البداية، بالإضافة إلى صنف تركي نعمل على دراسة مواصفاته”.

هذه المهمة ليست سهلة، فهناك كوادر متخصصة تقوم بهذا العمل، إذ “تم في السنوات الماضية رفع سوية 13 صنفاً، وتمكنت المؤسسة من الحصول على نويات وهي أساس لكل صنف وتكون نسبة الخلط فيها منخفضة جداً لا تتجاوز الواحد بالمائة، لتتم زراعة جزء منها في أراضي المزارعين، وبالتالي إعادة السوية الصنفية لمعظم أصناف القمح الموجودة في سورية ولكميات تفي بالغرض للمناطق المحررة”.

دور التجار بإدخال أصناف غربية

عائق كبير يقف أمام إعادة السوية الصنفية للبذور ونقاوتها، وهي قيام التجار بإدخال أصناف جديدة بأسعار مرتفعة قد تصل إلى 1000 دولار للطن الواحد، قياساً بالأصناف المحلية التي لا يتجاوز سعرها 350 دولاراً، سواء كانت إسبانية أو فرنسية أو تركية بحسب ما ذكر عامر خالد، أحد التجار الذين قاموا بإدخال تلك الأصناف. ومن المفترض أن يستدعي هذا الأمر المراقبة بشكل جيد سواء من المعابر الحدودية أو من الجهات المختصة لمنع دخول أي صنف دون رخصة من الجهات المختصة، كما أن هذا الصنف قد يكون حاملاً لأمراض محددة، فيتسبب بنقل المرض إلى كافة الأصناف لا سيما الأساسية منها.

ونوه أحد المختصين بفرز البذور أنه “عندما كان يتم اعتماد أي صنف في الأعوام السابقة، تقوم جهة بحثية بأخذ عينة منه لدراسته ودراسة مواصفاته لمدة سنة كاملة حتى ترى نتاجه، قبل طرحه في السوق أو اعتماده كصنف موثوق”.

وعلى صعيد تأمين بذار الشعير والبطاطا.. “تعمل (مؤسسة إكثار البذار) والتي تعد شاملة لكافة أنواع المحاصيل على تأمين الحبوب في إطار يتناسب مع حاجة المناطق المحررة، فتقوم بتوزيع 500 طن سنوياً من بذار الشعير في مناطق وأرياف حلب” بحسب ما قاله نائب المدير العام للمؤسسة.

لكن هناك إشكالية كبيرة تواجه المزارعين هذه السنة، فخسارتهم في محصول البطاطا في الأعوام السابقة وخاصة العام الفائت أدى إلى عزوفهم عن زراعتها، كما أن ارتفاع أسعار بذار أصناف البطاطا (12 صنفاً) ساهم أيضاً في إحجامهم عن الزراعة، فتقوم المؤسسة منذ خمس سنوات، ومع بداية شهر كانون الزول من كل سنة، بتأمين البذار للمزارعين بأصناف مختلفة. أي إنه يتم تأمين 2000 طن سنوياً بنسبة تعادل نصف حاجة مناطق حلب للبذار.

أما بالنسبة لغلاء سعر بعض الأصناف الأجنبية، فيعود السبب إلى انخفاض الإنتاج في بلد المنشأ، أوروبا، ما أدى لانخفاض الكميات الواردة بنسبة 35 بالمائة وهو ما كان سبباً في ارتفاع سعرها بشكل كبير. فقد كان سعر الطن الواحد من صنف بانيلا 1600 دولار، بينما من المتوقع بيعه هذه السنة بـ 4000 آلاف دولار للطن الواحد. ومن المتعارف عليه عند المزارعين أن سعر بذار البطاطا يساوي 50% من مصروف الموسم والنسبة الباقية هي مصاريف تشغيلية.

هكذا، أصبحت الخسارة الكبيرة للمزارعين في السنة الماضية كفيلة بعزوفهم عن الزراعة لسنوات. وبالإضافة إلى قائمة الخسائر التي أصابت المزارع السنة الماضية، ينضم محصول البطاطا ليثقل كاهله من جديد.

يقول محمد عامر وهو أحد مزارعي البطاطا إن “خسارته في المحصول السنة الماضية فاق 3000 آلاف دولار للهكتار الواحد، والسبب الوحيد هو هطول الأمطار في غير موعدها، فقد استمر هطولها 20 يوماً وترافق ذلك مع إصابة كافة المحاصيل بأمراض اللفحات التي أثرت على المحصول بشكل كامل”.

صعوبات وعقبات كبيرة تقف في وجه الفلاح السوري في هذه الأزمة التي غيرت وقلبت كل الموازين. وهو يبقى، مع ذلك، مصراً على المتابعة رغم كل الخسارة التي أصابته، متطلعاً ومنتظراً احتمالات تحسن الأوضاع على هذا الصعيد.

*بوابة حلب