“عمي لولا المغتربين ما تعمر حجر ع حجر بسويدا” ليست مقولة لشخص بعينه، بل جملة شائعة قد تسمعها من أي رجل في السويداء، المحافظة التي لم يُتَح لأبنائها يوماً عمل منتج ودائم، يعينهم على بناء حياتهم كما يرغبون وتكوين أسرة بهدوء بعيداً عن الاغتراب والهجرة.

المرور بريف السويداء أقرب لمشاهدة فيلم تسجيلي عن ظاهرة الهجرة وأثرها. في الريف الذي قلما تشعر بحركته إلا في بعض بلداته الكبيرة، ستجد مزارعاً يتوجه إلى بستانه صباحاً ليطمئن على زرعه ويعي ككل يوم أن البستان يحتاج إلى تطوير لا قدرة له عليه، ولماءٍ لا تكفيه الأمطار، ليصبح كل أمله أن يعطيه بعضاً من الإنتاج الكافي لمؤونة بيته ولإهداء جيرانه أو معارفه.

الواقع الزراعي المهمل والمتخبط بسبب غياب روزنامة زراعية واضحة، ساهم في هجرة كثير من المزارعين لأراضيهم في العقود الأخيرة، تاركين صحراء البادية وراءهم لتملأ فراغ رحيلهم، خاصة مع غلاء كلف الآلات الزراعية والأسمدة والمبيدات الحشرية وذهاب جل ريع نتاجهم إلى التجار.

يعمل غالبية أبناء الريف، الذي ما زال متواضعاً جداً من حيث الخدمات، في المدينة، ليعودوا مساءً مرهقين من سوء المواصلات في الطريق إلى عمل لا يستحق علي الغالب مسافة السفر اليومية، وكلهم أمل في زيادة إنتاجهم في المدينة كي يستطيعوا نقل سكنهم إليها.

لكن المدينة لا تشعرك بتمايزها كثيراً عن الريف بمنشآت صناعية أو مقار تجارية ضخمة، إذ لا تعدو كونها سوى مركز تجمع خدمات أكبر، وتجمع لمؤسسات الدولة، ومركز وصل بين القرى. تحتوي الكثير من المقاهي حديثة الديكور والعمارات الجديدة، بين ركام بسطات الباعة الشعبيين الذين تغص بهم شوارع المدينة وأرصفتها، أولئك الذين تمردوا على كل شبرٍ في المدينة باستثناء السلطة التي تهادنهم خوفاً من أن يصل تمردهم إليها.

ستلمس في المدينة أن الصناعة غائبة وبالكاد يقتصر وجودها على بضعة معامل خاصة متواضعة، وعدد قليل من المعامل الحكومية أو المشتركة التي لم تتلقَّ الدعم والتطوير المطلوب منذ نشأتها، الأمر الذي اضطر إدارة “معمل الأحذية” إلى افتتاح صالة أفراح في أحد أقسامه لتعويض خسارته.

ومع ندرة المشاريع الصغيرة التي لا تحقق مردوداً ذا جدوى إن وجدت، تبقى المشاريع الطبية والعقارية الخاصة وحدها التي تجلب الربح لمالكيها، لكنها حتماً تقتصر على أصحاب الشهادات أو أصحاب الأموال. وتستثمر في صحة الناس ومسكنهم، في ظل عجز الدولة عن تأمين الرعاية الصحية عبر مشافيها وعدم مبادرتها لإيجاد حلولٍ سكنية للمواطنين.

لا تحتوي المحافظة على أي منفذ تجاري أو ميناء بحري أو جوي، ما جعلها خارج أي خط تجاري، ينحصر فيها الاستيراد في أيدي كبار التجار الذين يحتكرون المواد ليتحكموا بأسعارها في ظل غياب رقابة السلطة عنهم.

في مباني مؤسسات الدولة ما زال فصل الموظفين المطلوبين للخدمة العسكرية والاحتياطية مستمراً في إفراغها من كوادرها من الشبان، وبالكاد تكفي أجور من بقوا فيها لتغطية جزء من نفقات أسرهم، وقلما ترى موظفاً لا يجمع عملين في الوقت ذاته لتعويض تدني دخله، وفي الوقت الذي لا تشكل فيه المهن الحرة مدخولاً كافياً لتقطع إنتاجها وعدم ضمانها لمستقبل آمن، بات الناس ينتهزون أية فرصة لمدخول جديد يعيلهم، فتوجه البعض إلى تربية طيور الرماج والتي أعطت مردوداً صغيراً في فترة معينة لتنتهي الفرصة بعدها بتوقف تصدير تلك الطيور، كذلك توجه البعض إلى صناعة الاحتياجات المنزلية والملابس وحلي الزينة وتسويقها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولم تتردد إحداهن في عرض ضفيرة شعر ابنتها الصغيرة للبيع لسد رمق أسرتها.

الوضع المتدهور دفع البعض إلى الدخول في عملية تهريب المازوت والسلاح والمخدرات كمصدر دخل جديد. استمر ذلك لشهور عديدة ليتوقف تهريب المازوت بعدها أيضاً، في حين بقيت تجارة وتهريب السلاح والمخدرات مستمرة خفيةً وتقتصر على مجموعة قليلة امتهنت ذلك، بتشبيكها مع الأجهزة الأمنية.

في المقابل توجه البعض إلى التجارة بالسيارات المسروقة، تلك التي تتم سرقتها من أمام بيوت السكان من قبل مجموعات اختصت ذلك لتقوم باقتيادها إلى متعاملين معهم في محافظة درعا وبيعها هناك.

وإن تساءلت بعد ذلك من أين تغطي الناس بقية مستلزمات عيشها، فما إن تمر أمام أحد مراكز تحويل الأموال حتى يصلك الجواب، إنه هنا في الحوالات من الخارج. لا أرقام يمكنك الحصول عليها عن كمية الحوالات الخارجية إلى المحافظة لكن المشهد المزدحم وحده سيكفي ليعطيك جواباً تقديرياً عن تلك الكمية. المشهد المزدحم عينه سيتكرر أمام مراكز الإعانة والإغاثة والذي لا يقتصر على النازحين إلى المحافظة فقط نتيجة دمار منازلهم، كما قد يتوهم البعض لدى سماعه كلمة إغاثة، بل يمتد لشريحة واسعة من أهالي المحافظة أنفسهم.

في الوقت ذاته، لا يملك الجميع فرصة وجود مغترب يعيلهم من الخارج، الأمر الذي يدفع بالكثيرين للبحث عن أية وسيلة لتغطية مصاريفهم وتكاليف دراسة أبنائهم كبيع أراضيهم أو عرض بيوتهم مقابل نسبة على المستثمرين الذين نشطوا في الآونة الأخيرة. في حين يجد الشباب فرصة لهم في المنظمات المدنية والإغاثية ذات الرواتب الجيدة وإن كان بعضهم على غير قناعةٍ بها دائماً، بعد أن عجزت الدولة عن إيجاد عمل مناسب لهم في ظل تراكم فشل خططها الاقتصادية المهمِّشة لتوظيف طاقات وخبرات السكان. لذلك ليس من المستغرب أن تجد مهندساً يعمل في الهلال الأحمر أو في منظمات العمل المدني بعيداً عن اختصاصه الذي لم يعد يفي بمستلزمات الحياة. وفي حين يقتصر ذلك العمل على فئة طلاب الجامعات وخريجيها، لن يبقى للفقراء غير الشارع الذي ما لبث يصرخ بصوت بضاعتهم الشعبية، وازدادت فيه بكثرة مظاهر التسول بشكل واضح.

ختاماً، لا تختلف السويداء عن غيرها من غالبية المحافظات السورية كثيراً، بعيداً عن أحداث الثورة والحرب، إذ ليست الحرب وحدها وراء استياء وضعها المعاشي، فاقتصاد السوق الذي تم تسريع تطبيقه منذ بداية الألفية أرخى بظلاله على السوريين جميعاً وأخرج مستقبلهم من حسبان خطط التنمية الاقتصادية، تاركاً إياهم في حالة من قلق البحث الدائم عن لقمة العيش. وإن كانت باقي المدن السورية قد دمرتها المعارك، فقد نجت السويداء من الدمار إلى حدٍ ما، لتىنَّ اليوم وبأشكال عديدة تحت دمار معيشة سكانها وضبابية مستقبل أبنائها الشبان خاصة بعد هجوم داعش الأخير، وعليه يبقى حلم غالبية شبانها السفر خارجاً، وكأن تلك المقولة تلاحقهم لتثبت نفسها دوماً، وهي أنك لن تعمر حجراً على حجر هنا، دون اغترابك بعيداً.

*اسم مستعار لصحفية سورية