لن أتطرق في هذا المقال إلى إعطاء مواعظ أخلاقية على غرار ما فعله كثيرون، أو إلى رمي الأحكام بخصوص أنس أزرق ومن معه في الخط الإعلامي (المتعارض) مع الثورة وليس المعارض. فبالإضافة إلى أن أزرق حكم على نفسه بنفسه  قبل أن يحكم السوريون عليه، فلا معرفة شخصية تجمعني بأزرق ولن أدعيَ أيّ نوع من أنواع تلك المعرفة بيني وبين شخصه. غير أن الأقدار شاءت ذات يوم أن أعمل مع المحور ذاته الذي عمل معهُ أزرق، رغم اختلاف نوع العمل وتوصيفه، فلم أكن مراسلاً ولا مصوراً ولا مندوباً إعلامياً، إنّما عملت بصفة ممثل ولمدة دقائق مع ثلاثة من زملائي وحصلنا على دور بطولة مؤقت “قسري”  في تقرير قصير جداً مدته دقيقتان ونصف على الأكثر حسب ما أذكر.

كان ذلك في الغوطة الشرقية قبل حوالي ست سنوات في بساتين منطقة الريحان قبيل انشقاقي من الخدمة العسكرية الإلزامية. أتذكر جيداً كيف حضر أحد الضباط وبرفقته مصوّر ومراسل حربي، ثم أصدر أوامره بشكل واضح لستةٍ منا: “نفذوا تعليمات فريق التصوير كما هي.”

كان المراسل يعمل على تقرير حول الوضع الأمني “المستتب” في الغوطة الشرقية واحتاج بعض الجنود لإكمال تقريره. أما تعليماته، فكانت تتمثل في تظاهرنا بعملية اقتحام لأحد الشوارع، ورغم أن الشارع كان خالياً ومهجوراً منذ أشهر، إلا أننا وبعد عدة إعادات للمشهد التمثيلي، أنفقنا ما يزيد عن المائتي طلقة رشاش نحو اللاشيء، إلى أن اقتنع المراسل بواقعية المشهد في نهاية المطاف، وبأننا حقاً سوف نظهر في التقرير المصور كمحررين لذلك المكان، وليظهر التقرير بعد أيام على شاشة المنار مصوّراً إنجازات الجيش السوري “الوهمية” في الغوطة الشرقية. لاحقاً، عرفنا أن هذا المراسل يعمل لصالح قناة المنار اللبنانية واسمه جعفر مهنا.

لا أذكر تلك الواقعة الآن لإظهار موهبتي التمثيلية طمعاً في الحصول على دور هوليوودي، إنما الغرض من ذكرها هو إظهار تلك الطريقة التي تعمل بها هذه الكوادر الإعلامية التابعة لمحور الممانعة في نقل الصورة على التلفاز والسعي الحثيث من أجل إلصاق صفة الإرهاب في الشجر والحجر في ظل غياب البشر، تلك الأساليب التي سمحت لي ظروف خدمتي أن أعاينها وأراها بنفسي، بل وأكون جزءاً منها بلعب ذلك الدور التمثيلي، ولا أتشرف بذلك دون شك، بل وأعتبر نفسي محظوظاً أن الأوامر التي نفذتها لم تتعدّ مجرد حركات تمثيلية، ولا أعتقد أن هذا الأمر وهذه الأساليب ما تزال خافية على كثيرين بعد ثمانية أعوام من حربٍ سورية كان الإعلام بطلها الأول والأكثر تأثيراً، فلم تعد هذه الحيل الإعلامية سراً على أحد اليوم، تماماً كما ذكر أزرق في مقاله بموقع العربي الجديد بتاريخ ٢٢ شباط/ فبراير  الفائت وتحت عنوان “في الانحياز الأخلاقي”، بأن عمله كمدير لمكتب قناة المنار في دمشق لم يكن سراً وبأنه “يعتزّ بما قدمه في الماضي” حسب تعبيره.

في ذلك المقال، نقرأ نصاً لأنس أزرق، مدير تلفزيون سوريا حالياً، يحاول من خلاله وضع النقاط على الحروف في سبيل تحديد وتفسير موقفه السياسي والأخلاقي رداً على ما وصفه بحالات التشهير المغرض التي يتعرض لها. من يقرأ النص للمرة الأولى ودون معرفة مسبقة بأزرق وخلفيته المهنية والإعلامية ومسيرته الغرّاء في صفوف الإعلام الممانع، سيوشك أن يصدق أنه أمام هرم إعلامي ضحى وقدم الكثير في سبيل توحيد الصف السوري من أجل “الدفع باتجاه سورية أفضل” على حد تعبيره في نصه. إلا أن سوء حظ أزرق سيجعل احتمالية قراءة هذا المقال من شخص أعمى تماماً عن الواقع تقارب الصفر بالمائة في أيامنا هذه.

لم تطلب تلك الشريحة من السوريين التي انتقدت أزرق أكثر مما يثبت صحة قوله وانحيازه الأخلاقي ذاك، ولو وجه أزرق على الأقل اعتذاراً لهؤلاء الذين دفعوا حياتهم ثمناً وخسروا بيوتهم وهُجّروا وشُرّدوا بسبب محور سياسي كان أزرق ومن لفّ لفهُ أحد أبطال الترويج له والدفاع عنه، أو على الأقل طرح ما يثبت فعلاً صحوته الاخلاقية وعودته إلى صفوف أبناء بلده، لربما تقبل البعض الأمر أو على الأقل فكروا في إعطاء الفرصة لهذا الشخص الذي يريد حقاً إصلاح ما ارتكبه على مدار سنوات، وهو ليس المنشق الأول عن صفوف النظام، والذي يعود لصفوف الثورة ليقدم ما يمكنه من خلاله إفادة أبناء بلده. إلا أن من الواضح أن مصطلحي الرأي الآخر والنقد عصيان على فهم أنس أزرق، وهو ما تبدى في البيان الذي أعدته إدارة الموارد البشرية في تلفزيون سوريا الذي يديره أزرق، وهاجمت من خلاله قبل أشهر عدداً من الناشطين والإعلاميين الذين انتقدوا أزرق وسياسة القناة وشهّرت بهم، مخالفة بذلك معايير الخصوصية والأمانة المهنية التي تلتزم بها كافة إدارات الموارد البشرية في أي منظمة تحترم نفسها وتعمل بشكل مهني، ولو أن سحب البيان والتراجع عنه جاء بعد أن غرقت إدارة تلفزيون سوريا بالوحل بعد ردود الفعل التي طالتهم بسبب تلك الخطوة البعيدة كل البعد عن المهنية ومعايير العمل الإعلامي.

أسابيع مرت لتطفو بعدها على المشهد قضية الدعوى القضائية التي قام أزرق برفعها في المحاكم الألمانية ضد الزميل ضرار خطاب، والتي عادت لتؤكد أن مدير تلفزيون سوريا لا يزال حتى اليوم يعيش داخل تلك القوقعة التي غطت جدرانها شباك العنكبوت المبنية على الفكر الإقصائي والرافض لأي نقد أو رأي مخالف. تلك القوقعة التي عمل النظام السوري عقوداً على إرساء جدرانها وثار السوريون في سبيل تحطيمها، لنجد اليوم إعلاميين يدّعون الحرص على الشعب السوري ينتهجون هذا النهج ويُمعنون في استخدامه في صد أي قول يخالفهم أو يقترب من سلطتهم المقدسة التي بنيت على شعارات متسلقة لا تمت للسوريين وثورتهم بأية صلة.

أيام تمضي يظهر بعدها أزرق على صفحته الشخصية في الفيسبوك في منشور، يحاول من  خلاله تبرير رفعه الدعوى القضائية على ضرار خطاب، متذرعاً بأن الدعوى تتعلق بحقوق نشر ولا تتعلق بالتشهير أو الرد على من يهاجمه. وبغض النظر عن الأخطاء الإملائية والنحوية الواحدة والعشرين التي ظهرت في منشور أزرق قبل أن يقوم بتعديله، والتي ما يزال بعضها ظاهراً لليوم، ما يمكن وصفه بالأمر المستغرب من شخص يفترض على الأقل أن يعرف الفرق بين المذكر والمؤنث باللغة العربية ومتى يُنصب الفعل ومتى يُجزم كونه يترأس منبراً إعلامياً، اللهم إلا إن كان المهم هو تاريخ من يصل إلى ذلك المنصب لا خبرته ومعرفته. بعيداً عن ذلك، تحوير الدعوى إلى مسار حقوق النشر هو عذر أقبح من ذنب، فالمقطع الذي نشره ضرار والذي تضمن مقابلة لأزرق مع مجرم حرب سوري يدعى معراج أورال متهم بالضلوع بالعديد من جرائم الحرب في سوريا، هذا الفيديو يعود لقناة المنار اللبنانية وأزرق اليوم يتهم ضرار بنشر مواد لقناة المنار دون إذن قناة المنار، أي أن أزرق يدافع حتى اليوم عن حقوق قناة يفترض أنه انشق عنها ويفترض أنه حالياً في الخط المعارض لها، والجميع يعلم أن حقوق نشر التقارير التلفزيونية هي ملك للقنوات وليس لأشخاص أو مراسلين أو مذيعين. فهل أزرق اليوم هو المدافع عن حقوق قناة المنار؟ هل هذا هو “الانحياز الأخلاقي” الذي نخر أزرق رؤوس السوريين وهو يتحدث عنه في مقالاته؟ هل الانحياز الأخلاقي هو أن تقوم “كمعارض” إن افترضنا ذلك، برفع دعوى على صحفي معارض بتهمة انتهاك حقوق نشر لقناة تدعم من يفترض أنك تعارضه؟

لم ينتظر السوريون من أنس أزرق تضحيات تثبت حسن نيته، ولم يطالبه منتقدوه منذ البداية بأكثر من اعتذار يدحض كل ما يقال عنه. بيد أن أزرق فضل السير في الاتجاه المعاكس، مسلطاً قلمه وسلاحه التلفزيوني والإعلامي والمالي في وجه إعلاميين معارضين للنظام السوري، بدلاً من تسخيره لمهاجمة النظام الذي يدعي أزرق معارضته. ولعل أزرق نسي أن من بين هؤلاء الذين يستهدفهم من كان مهجراً ونازحاً ومعتقلاً في الوقت الذي كان فيه أزرق حاملاً الكاميرا مواكباً “انتصارات” الجيش السوري في ريف دمشق والزبداني وموثقاً تهجيرهم ومأساتهم ومحتفلاً بها على شاشات من سبّب تلك المأساة. واليوم، بات واضحاً أن أزرق ومن سار في خطه “المتعارض” مع السوريين وطموحاتهم قد أمسوا سيفاً مسلطاً على رقاب من يحاول قول كلمة حرة قد لا تعجب أنس أزرق ولا مناصريه أو داعميه. الدعوى التي رفعها أزرق كان من الممكن أن يقبلها المنطق حين تقوم قناة المنار برفعها إن كان الأمر فعلاً يتعلق بحقوق نشر، أما أن يتناطح ويدعي حرصه على الحقوق الإعلامية فهو الآن يقوم بمهمة يفترض أن يقوم بها محامو قناة المنار، بل ويدفع الاموال بدلاً عنهم لمحاكمة صحفي سوري حر كان ذنبه الوحيد انتقاد أزرق الذي ما يزال يعيش حتى اليوم في قوقعة المحرمات والخطوط الحمراء التي لا تُمس والتي ورث مفاهيمها على ما يبدو عن الإعلام الرسمي السوري.

ختاماً، يقول أنس أزرق في المقال ذاته: “تابعت عملي خائفاً على حياتي، ولا سيما أنني كنت، بحكم عملي في المنار، أرى وأحضر وأعاين أماكن ولقاءات لم تكن متاحةً لغيري.” ما يريدنا أزرق أن نفهمه من هذا الكلام أن ممارساته وطبيعة عمله كانت مصدر خوف على حياته وحياة عائلته. وهنا سنقوم بتذكير السيد أزرق بمنشور قام بنشره على صفحته في الفيسبوك في عام ٢٠١١ وقام بعض الناشطين مشكورين ومن بينهم الزميل ضرار بإعادة نشره  مؤخراً، ومما ورد في المنشور: “أنا مدافع شرس عن نظام بلدي ولا سيما رموزه السيادية من جيش وعلم وأنا أؤيد وبشكل مطلق نظام بلدي بممانعته ومقاومته وخطّه الوطني والقومي ورؤيته الاستراتيجية وأنتمي وبشكل لا رجوع عنه لخط الرئيس بشار الأسد الإصلاحي”. ونترك الحكم للسوريين حول مدلولات هذا القول وماهو نوع الخوف الذي كان يحس به أزرق لحظة كتابته لهذه الكلمات.

ما لا يفهمه أزرق اليوم أو ربما ما لا يرغب بفهمه هو أن مشكلة شريحة كبيرة من السوريين اليوم معه ليس مشكلة شخص أزرق بحد ذاته أو شخص ذلك المراسل الذي ساهم في تشويه صورة الثورة السورية إعلامياً من خلال عمله الميداني لعدة سنوات مع قناة طائفية بامتياز لها أجندتها الخاصة في الأرض السورية. المشكلة ترتبط بشكل رئيسي بتلك الصحوة الأخلاقية أو الانحياز الأخلاقي كما فضل أزرق تسميته في نصه، والذي ما يزال حتى اليوم حبراً على ورق بعد أن توضح أن العقلية القمعية التي تطبّع بها بعد سنوات من العمل في مكاتب الإعلام السوري الرسمي وأمام كاميرات الإعلام الممانع تأبى أن تفارقه فكراً وممارسةً. بل ربما تعدى الأمر ذلك ليصل إلى مرحلة الانحياز اللا أخلاقي والذي لم يعد من الممكن إصلاحه اليوم بعد أن أعلن أزرق نفسه علانية عدواً لكل من يقول له: لا، وكأنه بات على الإعلام اليوم تبني شعار جديد على مبدأ “الأسد أو نحرق البلد” وقد يكون هذا الشعار: ” أنس أو سأشكوكم للعسس”.

*صحافي سوري مستقل

مصدر الصورة: https://www.alaraby.co.uk/medianews/2018/7/16/أنس-أزرق-ندين-الديكتاتورية-وإجرام-بشار-الأسد-1