عاد الخوف والهاجس الأمني ليسيطرا على حياة المدنيين في إدلب، بعد أن اندلعت اشتباكات قوية بين كل من “حركة نور الدين الزنكي” من جهة و”هيئة تحرير الشام” من جهة ثانية يوم الثلاثاء الماضي، وهي الاشتباكات التي توسعت لتضم فصائل “صقور الشام” و”أحرار الشام” و”فيلق الشام” ممن دخلوا المعركة أيضاً في مواجهة “الهيئة”.

وقد بدأت الاشتباكات في دارة عزة بريف حلب قبل أن يتوسع نطاقها ليشمل مناطق مختلفة تمتد من أطمة شمالاً مروراً بسراقب والغدفة وتلمنس وترملا، وصولاً إلى مناطق من جبل شحشبو بريف إدلب الجنوبي، وسط أجواء من الخوف الذي يخيّم على مدنيي هذه المناطق طيلة فترة الاشتباكات، نظراً لقرب هذه الاشتباكات كثيراً من المناطق المأهولة ومن سكانها الذين لم يكونوا في منأى عن نيرانها. إذ وثق ناشطون مقتل طفل بعمر 10 سنوات في بلدة تلمنس وإصابة طفلة في منطقة أطمة.

يتحدث حسين وهو من أهالي تلمنس إلى “بوابة سوريا” قائلاً: “مع أول رصاصة هنا في تلمنس توقفت الحركة بشكل كامل والتزم الجميع ضمن منازلهم، وفي مثل هذه الظروف يكون من الخطر البقاء في الشارع، لأن هذا يعرضك للإصابة بطلق ناري أو حتى للاعتقال من قبل أحد الأطراف المتقاتلة وذلك بتهمة التعامل مع الطرف الآخر، لذا يلتزم الجميع منازلهم”. وبيّنَ أن “حظر التجوال الذي يُفرض على المنطقة يجبر الإنسان على الاختباء المؤقت في أقرب الأماكن ريثما تتيسر الفرصة المناسبة للوصول إلى المنزل”.

من جانبه، كتب الإعلامي سامي القرجي على صفحته في “فايسبوك”: “من يمرّ في شوارع المناطق المحررة في منتصف الليل يشمّ رائحة الخوف تخرج من نوافذ جميع المنازل، ومن يمر في هذه الشوارع المظلمة يشاهد مستقبلاً أكثر سواداً وأكثر برودة من سواد وبرد هذه الليلة”.

وتتوسع رقعة الاشتباكات يوماً بعد يوم وتؤثر على مدنيي المنطقة وعلى أكثر من مستوى. فعلى المستوى التعليمي، أصدرت جامعة إدلب قراراً يقضي بتوقف الجامعة عن العمل وإلغاء الدوام فيها لمدة أسبوع كامل، نتيجة تردي الوضع الأمني في المحافظة وصعوبة تنقل الطلاب بين الجامعة ومنازلهم”. وحول ذلك تقول سناء وهي طالبة في كلية العلوم في جامعة إدلب: “لقد نشرَت إدارة الجامعة قراراً يقضي بتوقف عمل الجامعة لمدة أسبوع. ولا بد أن تترك تلك العطلة أثراً سلبياً على الطلاب، لا سيما أننا نعيش فترة امتحانات كان من المقرر أن تبدأ يوم السبت”. وتتابع بالقول “إن قرار الجامعة صائب، فالحالة الأمنية تمنع الطلاب من الوصول إلى جامعتهم بسبب انقطاع الطرق أمام الكثيرين منهم، ولكن من ناحية أخرى سيكون الطالب هو الخاسر الأول بسبب التأجيل، لأن هذه الحالة تمنع الطالب من استغلال الوقت في الدراسة، وفي الوقت نفسه ستجد الجامعة نفسها مجبرة على ضغط فترات الامتحان لاحقاً لكسب الوقت، مما سينعكس بشكل مباشر علينا كطلاب”.

كما أصدرت “مديرية التربية” تعميماً يمنح مدراء المجمعات التربوية الحق في تقدير الأوضاع في مناطقهم وتحديد أيام الدوام بناء على الحالة الأمنية.

وعلى صعيد آخر، كان لهذا الاقتتال أثره على الواقع الصحي، إذ توقف عمل كوادر الإسعاف في مناطق الاشتباك، وصار من الصعب انتقال السيارات من النقاط الطبية إلى المشافي العامة. وحول ذلك، يشرح  سعيد، وهو ممرض في أحد منظومات الإسعاف العاملة في منطقة معرة النعمان، قائلاً لـ “بوابة سوريا”: “يتأثر عمل منظومات الإسعاف بشكل كبير نتيجة التوتر الأمني في المحافظة، فعملنا يقتضي التنقل اليومي بين المستشفيات والنقاط الطبية، بالإضافة إلى نقل المرضى من منازلهم إلى المشافي الحدودية المختصة، وهذا سيكون مستحيلاً في ظل الاشتباكات الحالية الدائرة في عدة مناطق اليوم، لأن هذا الأمر سيعرض طاقم الإسعاف للخطر”، مبيناً أن “الأمر ينعكس بصورة سلبية على المدنيين، إذ يتم التواصل معنا من قبل العديد من الحالات المرَضية التي تحتاج للإسعاف إلى المشافي الرئيسية، دون أن نتمكن من إسعافها”.

ويبقى احتمال تعرض المشافي للاستهداف المباشر قائماً، في الوقت الذي حصلت فيه اقتحامات لعدة مشافٍ في إدلب بذريعة البحث عن جرحى مطلوبين.

يسارع سكان المناطق المذكورة والواقعة في مرمى نيران المعارك الدائرة اليوم  إلى الأفران، وذلك في الأوقات التي تهدأ فيها الاشتباكات في محاولة لتأمين الاحتياجات اليومية من الخبز، قبل أن تعود أصوات القذائف والرصاص بين القوى المتحاربة لترسم المشهد في إدلب من جديد.

مصدر الصورة: https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201801091029051440-الجيش-السوري-ادلب/