الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء في شتم المجتمع السوري

في شتم المجتمع السوري

 

فتحت المآلات الموجعة التي آلت إليها الثورة السورية، الأفق كله لإجراء مراجعات حول أسباب ما مرت به من مراحل معقدة. وعلى اعتبار أن الثقافة السائدة في سوريا والمهيمنة فيها هي ثقافة الاستبداد، كان أن انطلقت أغلب المراجعات من تلك الثقافة بعينها. ثقافة الاستبداد هذه أسسها وتأسس فيها مفكرون وشعراء وفنانون وكتاب، كامتداد ثقافي للنظام السياسي، بمعنى آخر كنظام ثقافي رديف للنظام السياسي. إذ كان لا بد للنظام السياسي من نظام ثقافي يمهد له الأرض ليستطيع أن يحكم، مقابل هذا كان لا بد للنظام الثقافي من نظام سياسي يجعل تلك الثقافة مرعية ومهيمنة وسائدة. وإذا كان ابن خلدون محقاً في اعتباره “الناس على دين ملوكها” فإنه لصحيح أن ثقافة الناس هي ذاتها ثقافة الحاكم، من حيث أن لديه كافة الوسائل لفرضها وجعلها عامة، من هذه الوسائل، بالإضافة إلى الإعلام و”وزارة الثقافة” و”مثقفي السلطان ووعاظه”، هناك أيضاً: المخابرات والمخبرين ومؤسسات النظام وقوانينه العرفية التي تتكفل بفرضها إجبارياً على الناس. وبالتالي فإن التعبيرات التي يُسمح للناس بها هي التعبيرات المنبثقة والمتوافقة مع هذه الثقافة الإجبارية.

كانت الشهور الأولى للثورة، أو لنقل السنة الأولى هي سنة الناس بحذافيرها، سنة المجتمع السوري على وجه شديد النصاعة، وانحاز الكثير من المثقفين لحركة المجتمع وظهرت بدايات ما يمكن اعتباره مراجعة ودحضاً للثقافة الاستبدادية التي نشؤوا فيها وعليها. وقد عرفنا ذلك من خلال مقالات متفرقة لكن كثيرة، وعبر ما كان ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال لقاءات إعلامية للكثير من المثقفين، عدا الحوارات الشخصية المكثفة بين السوريين. كل ذلك كان يشير إلى إمكانية نشوء ثقافة مناهضة للاستبداد، منحازة للناس في حركتهم، ليس الثورية فحسب، بل اليومية والتاريخية أيضاً. فقد ظهرت إلى الواجهة الإنجازات التي حققها السوريون عبر تاريخهم القديم والحديث، وكذلك التعبيرات التي تُظهر الجانب الأكثر جمالاً لدى السوريين، كما عبر عن ذلك أصحاب هذا الرأي، الذي كان ممنوعاً خلال حكم “الأسد” لدرجة تولدت مخاوف لدى بعضهم من نشوء ما يمكن تسميته “شوفينية سورية”. وقد بدا، عبر ذلك، أن الثقافة المناهضة للاستبداد والتي كانت هاربة ومتخفية وممنوعة من الظهور قد عادت، أو أنها على وشك العودة القوية، وكان التفاؤل بقدرة المجتمع السوري على تحقيق طموحه كبيراً وواسعاً.

لكن بعد أن آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، حدث ارتداد قوي لدى بعض المثقفين وعادوا إلى الثقافة السائدة/ ثقافة الدكتاتور، وبنوا عليها تحليلاتهم للوضع المعقد والناشئ. ثقافة الطغيان تقوم على أساس واضح: العيب في المجتمع، في الناس، في ثقافة المجتمع والناس، إلى آخر هذه (العيوب) التي يستند إليها المستبد / الأسد هنا/ تماماً ليستبد، ليشنّع على الناس والمجتمع، وبالذريعة ذاتها، وهي أن المجتمع “معاب” بالجهل، بالتديّن و”التعصب الديني الإسلامي”، بالعنف، بالتخلف، بالرعاعية والهمجية. ومجتمع كهذا غير جدير بالحرية ولا الديمقراطية أو مساحات التعبير، وبناء عليه يجب حكمه بالقوة، وإلا فإن الأمور ستنفلت والفوضى ستعم. هذه خيارات ثقافة الاستبداد، وقد أصبحت معروفة وواضحة: الاستبداد أو الفوضى! كما عبر عبد الرحمن الكواكبي في تفصيله الألمعي لعمل المستبد في المجتمع.

انطلقت التحليلات من هذه الخلفية ودخلت في شتم لا هوادة فيه للمجتمع السوري. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن اللجوء للسلاح كان إجبارياً، ثم كان عبر تدخلات إقليمية ودولية معقدة فقد اعتبره بعض الكتاب نوعاً من الخيار العنفي لجأ إليه السوريون استناداً على ثقافة العنف المتغلغلة فيهم، خاصة في الأوساط الريفية، واعتبروا أن أهالي المناطق التي انتشر فيها السلاح هم حاضنون للفصائل المسلحة التي تم وصف أغلبها بالإرهابية. نتذكر تلك الفكرة التي انتشرت كالنار في هشيم هذه الثقافة، من أن الرقة حاضنة لداعش بما تنطوي عليه هذه الفكرة من دعوة لإبادة الرقة! وعليه تم اتهام المجتمع السوري أيضاً بالتديّن المتطرف بدليل “احتضانه” المتطرفين وحمايته لهم، وبدليل انسياقه وراء شعار أو مقولة: “مالنا غيرك يا الله” و“قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد”. وعوضاً عن أن يبحثوا في سياق الخيبة وشعور السوريين بأن الجميع تخلى عنهم وأن العالم تركهم يواجهون مصيرهم بالفناء وحيدين، وبأن الموت يحيط بهم أنى اتجهوا، تجاهلوا ذلك كله، وتجاهلوا الاستراتيجية الحاقدة التي اتبعها النظام في تركيزه على “المسلمين السنّة” ليلاقوا النصيب الأكبر والأكثر فداحة من الموت والتهجير والتدمير، واعتبروا المجتمع السوري متديناً بتطرّف! في تطبيق لهيمنة ثقافة الطغيان.

تم كذلك تجريد المجتمع السوري من كل قيمة تقريباً، واتهامه بالعنف ضد المرأة، وبانعدام فهمه مسائل حقوق الإنسان، بل بغياب هذه الحقوق، أصلاً، عن ثقافته، وبانعدام الثقافة المتحضرة. تم وصفه بالتخلف والهمجية، بالكراهية، ونفي التمدن والمدنية عنه. كل تلك الصفات “البنيوية” أدت، وفق هؤلاء لعدم “نجاح” ثورته! فشعب مثل هذا لا يمكن أن تكون لديه القدرة على إنجاح ثورة، لا من حيث قدرته على قيادة ثورته، ولا من حيث قدرته على تقديم بدائل لنظام الفجور هذا.

الأمر الأكثر غرابة هو اتهام هذا المجتمع بأنه مجتمع “ضيعجي” بمعنى أن “الضيعجيين” غير مؤهلين لثورة، ولا لديمقراطية، ولا لحرية.

أتحدث هنا عن الكتاب المناصرين للثورة وليس عن الذين وقفوا ضدها منذ البداية، لكن النتيجة نفسها. لقد طالب المناهضون لها السوريين أن يغيروا أنفسهم قبل أن يفكروا بتغيير النظام، أمثال أدونيس، وبالنظر إلى الحجج التي ساقها بعض مؤيديها نتوصل إلى الدعوة ذاتها: على المجتمع السوري أن يتغير أولاً ليتمكن من التغيير!

الدراماتيكي في الأمر أن الحجج التي ساقها النظام ليبرر قمع الثورة والسوريين هي ذاتها الحجج التي ساقها هؤلاء الكتاب لـيبرروا “فشل” الثورة!

لست، بأية حال، ضد نقد البنى الاجتماعية المعرفية التي نشأ عليها وأسسها المجتمع، كل مجتمع، ولست ضد النقد الجذري لسلوكيات جزء من المجتمع، فنحن نعرف أن ثمة في المجتمع السوري من يؤيد “نظام البراميل”، ومن يدعو لإبادة المناطق الثائرة، ومن يؤيد التطرف الديني. لكن ذلك لا ينسحب على المجتمع بأكمله ولا يطبعه بطابعه، ولا يعطينا الذريعة لأن نصدق اتهامات النظام تلك للمجتمع. نحن نعرف عبر حوالي نصف قرن من استيلاء آل الأسد على البلد أن تعبيرات المجتمع عن نفسه كانت محكومة بإيديولوجية سلطتهم، ومحددة سلفاً، وبأن التعبيرات الخارجة عن تلك المسارات كانت تقابل بالسجن غير محدد المدة أو بالنفي أو القتل. الثقافة التي فرضها لم تندرج حقيقة بشكل كامل في بنية المجتمع، بل كانت غالباً سائدة لدى بعض النخب، وهذا أحد عوامل وجود الهوة التي وجدت بين المثقفين ومجتمعهم.

يمكن القول بشكل مخفف إن لجوء بعض الكتاب لهكذا تحليل ورؤية ناتج عن كسل في التحليل، وانعدام القدرة على الخروج من منظومة ثقافية صلدة وجدت كافة الوسائل لفرضها إجبارياً. الأمر الذي جعل هذه الآراء تبدو وكأنها، وإن بحسن نية، تبرئة للنظام من إجرامه غير المسبوق.

نقد المجتمع لا يتوازى بحال من الأحوال مع شتمه وتحقيره كما يجري في بلدنا، بل يبدأ من دحض ورمي ثقافة الاستبداد وليس الانطلاق منها.

*كاتب سوري