**الجزء الثاني من شهادة طبيب من مدينة عفرين، عن اعتقاله في سجون إحدى فصائل المعارضة السورية.

راجت فكرة الانفصال كما راجت قبلها ومعها أفكار كثيرة كالدولة الإسلامية وغيرها، حسناً..الانفصال يجعلك تكرهني وأكرهك، لأنني لن أعرفك ولن تعرفني، ستزداد تلك الفجوة بيننا بالطبع، لكني ككردي أريد حقي أيضاً، أريد هويتي.. إذا كنت تنصت لمن قال نعم للانفصال، لناذا لا تنصت للآخر الذي يريد حقه بهويته؟

عندما كانت الوحدات متواجدة في عفرين، كنت أتحاشى الاحتكاك بهم، لا حباً ولا كرهاً، بل لأني لا أحب من يفرض رأيه بقوة السلاح ويربط وجودي به، أياً كان ذاك الجسم. تسألني إن دخل أحدهم إلى عيادتي؟ أقوم حتماً بالواجب الذي تفرضه علي مهنتي، وأعالجه، أياً كان اسمه، شكله أو دينه. عندما بدأت معركة “غصن الزيتون” على عفرين عالجت المصابين أيضاً، ولا أعتقد أن ما فعلته جُرم أحاسب عليه فيتم اعتقالي وتعذيبي وإهانتي.

بقيت في عفرين رغم كل التحذيرات التي واجهتني، ولن أغادرها مهما حدث وأياً كان “المسيطر”. عفرين مدينتي، هنا ولدت وأحببت وتزوجت ممن أحب، وجودي فيها هو كفاح لأجل هويتي، لن يهمني ما يقال عني ولا تلك التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تابعتها بعد خروجي من المعتقل، والتي يتشفى بي كاتبوها ممن كنت أعالجهم قبل أيام قائلين إني أستحق ما لقيته داخل السجن لأنني قررت البقاء في بيتي ومدينتي!

البيت يا صديقي يعني الكثير للكردي، ولك أيضاً، أنت قررت عدم العودة لبيت أهلك في حلب بعد تهجيركم منها، ولا العودة إلى قريتك في محافظة الرقة، وهذا الأمر عائد لك، أما أنا فلي مدينتي التي لن أخونها أو أتركها.

سأخبرك بما حصل، منذ لحظة اعتقالي الأولى حتى خروجي من الاعتقال، استمر استهزاء المحقق ومن معه بي كلما كررت لهم أن مشكلة سوريا هي الأسد. قالوا إن “معلوماتي “قديمة”.. كنت أفكر طوال الوقتأن ما يفعله المحقق بي لا يختلف عما يفعلونه في سجون الأسد. لقد خرج كثيرون مع “شادي حلوة” مراسل الأسد في عفرين، لكنهم ليسوا كل أهل عفرين، المقاطع مصورة، فلماذا التعميم؟

بعد الثامن عشر من آذار، اليوم الذي سمعت فيه أصوات رصاص يكفي لإسقاط الأسد، رصاص يطلق في الهواء، وضعت سماعات في أذني ابنتي الوحيدة داخل قبو البناء، وجلست مع عدد من جيراني، أنتظر انتهاء ضرب الرصاص، في مساء اليوم ذاته، كنا ما نزال في القبو، كنا نسمع الرصاص يطلق على أبواب المنازل لفتحها وسرقة ما فيها، فتحوا القبو علينا وطلبوا منا العودة إلى منازلنا، لم أعلم أن شاشة البلازما الخاصة بي هي نفسها التي بحوزة من داهمونا، إذ سرقوها وقالوا إن كل ما فعلوه قبل فتح باب القبو علينا، أنهم كانوا يبحثون عن خلايا تابعة للوحدات، لو أعرف سارق الشاشة لاشتريت له أحسن وأحدث منها وأهديتها له، فليس من الرجولة سرقة شاشة بلازما.

مرت أول ثلاثة أيام في عفرين، لم أعش مثلها في حياتي قط، كنت أتساءل طوال الوقت: هل هي معركة تحرير أم مجرد عملية تبديل صور؟!

سيأتي ذاك اليوم الذي ستخرج فيه من سوريا قوى كل الدول التي استقوت الأجسام العسكرية بها على الأجسام الأخرى وسنبقى نحن فقط.

في اليوم العاشر وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تم “رفس” باب المنزل بعد قرعه مباشرةً، أخبرني ملثم، أن علي أن أنزل درج البناء معه دون أي صوت، وأطلب من أهل بيتي الخروج بأسرع وقت، فبعد عدة ساعات سيأخذون البيت.

نزلت معهم ولم تفهم زوجتي ما يجري، حمدت الله أن ابنتي كانت نائمة أثناء اعتقالي، لم أرد أن ترى والدها مهزوماً، ولا أريد أن أورثها الخوف الذي ورثته من والدي. ركبت في “البيك آب” من الخلف، حملوني كما يتم حمل الشاة قبيل ذبحها، “طمشوني”، وضع أحدهم قدمه على صدري كسجادة تحته، لكي لا أستطيع الحركة، ولا تساعد الطرقات الوعرة على هروبي، فوق كل طريق غير معبد عبرناه، كان جسمي يقفز بين حذاء المقاتل وأرضية السيارة، شتمت الأسد سراً: يا نذل لمَ لمْ تعبد كل الطرقات!

ضربني أحد المقاتلين على ظهري ومؤخرتني بعنف، موجهاً إلي أقذع الشتائم المرتبطة بقوميتي الكردية!

لم أخف، كنت أحتفظ أباعتقادي أني ما دمت في عفرين فلا أهمية لما يفعلونه بي من الدوران في ذات المكان وعصب عيني، ممن يخافون؟ لو كانوا جهة حكومية لاعتقلوني في وضح النهار دون خوف، كنت أشعر أني أتشارك معهم خوفي الذي رافقني منذ الولادة في تلك اللحظة، هم أيضاً كانوا خائفين من شيء ما.

كنت مغمض العينين، لكني أحتفظ بمخيلتي عم وجوههم وهم يتحاورون، يتوقفون في الطريق، يطلقون عدة رصاصات في الهواء ويخبر أحدهم الآخر فوق رأسي أنه “قتله”، من هو لا أدري، لكن المشاهد عالقة في رأسي كما لو أنها من فيلم شاهدته يوماً ما.

أدخلوني إلى مبنى مدجنة، معصوب العينين، لن تسألني كيف عرفت أنني في مدجنة أليس كذلك، الرائحة طبعاً!

كنت مع الدجاج في زنزانة واحدة، لم أنم ليلتها حتى الصباح، صارعت النوم وغلبني، لساعة أو أقل.

في الصباح، ومع رؤية محيط المدجنة وبابها وعدد الدجاجات وعدة الأشخاص المحتجزين معي، فتح السجان باب المدجنة، أخرج أحد المعتقلين، وخرجت دجاجة دون إذنه من الباب، لم يردعها، وكم تمنيت لحظتها لو أنني دجاجة!

عاد السجين من التحقيق إلى المدجنة، كان واضحاً أن لا رغبة لدى الموجودين داخل المدجنة، وأنا منهم، بالتحدث، إما خوفاً، أو بالأحرى خوفاً ولا شيء آخر.

بقيت عدة أيام داخل “سجن المدجنة”، لا أحد يجرؤ على التحدث مع الآخر، وإن كانت المسافة صغيرة بالنسبة لنا داخل المدجنة إلا أن مسافات بعيدة من الأفكار والهموم ووضع اللوم على الآخر كانت تفصل بيننا.

يدخل آخرون جدد ويخرج سجناء، والدجاج يدخل إلى المهجع ويخرج منه بإرداته كلما فتح السجان الباب.

“دكتور! اطلع”، طلب مني أحدهم أن أتبعه، قد يكون سوء الظن بهم في غير مكانه، لذا طردت ما في ذهني أفكار الكره للفصائل.
وأنا أسير بالقرب من السجان معصوب العينين، وهو يمسك يدي، طلب مني رفع قدمي لركوب السيارة، لا أظن أن مشاعر الكره يجب عليها أن تتبدد بالكامل، عدت إلى صندوق السيارة الخلفي، لكن دون أقدام تدوس على صدري.

ساروا بي،لا أدري إلى أين، لكني تحسست أني خرجت من عفرين.

أخذوا يسيرون بي في طرق متعرجة وطويلة جداً دون توقف، كان الطريق تجاه شرق حلب لكن لطول المدة التي لم أزر بها شرق حلب وتغير معالم وطرق الريف الشرقي لم أعي أين أنا، في عفرين وعلى مفارق الطرق التي دخلوا وخرجوا منها، حدسي كان يخبرني بيقين أين أنا بالضبط، بعد خروجي من عفرين، تهت، طرقات طويلة ومتعرجة وأصوات الأذان تغيرت لطول المسافة وتغير المكان. منذ عامين كان قلبي ينفطر تجاه تقلص الأراضي التي يسيطرون عليها، وهجوم كل من قوات النظام المدعومة من الطيران الروسي وإيران أرضاً والوحدات غرباً وداعش شرقاً وهم لم يبقى لهم إلا أعزاز التي باتت تحت مرمى نيران الوحدات، ولم تذهب صور الأهالي المجتمعين في كروم الزيتون المتبقية.

كنا ندعوا الله سراً، خوفاً عليهم من الوحدات، علهم ينجون من الكارثة، وكل من دخل من الأهالي إلى عفرين علموا ما قدمته لهم دون شكر منتظر، لكني وأنا في صندوق السيارة كنت أحدث نفسي أنه لو لم تتوسع مناطقهم هنا لارتحت من عناء الطريق ولوصلت إلى المهجع الذي سيضعونني فيه ونمت بعد التعب.

اقتادوني مساء إلى مهجع، نمت فيه دون أن أتمكن من معرفة شكله أو تحديد موقعه، كان الوقت متأخراً ولم تسنح الفرصة لفتح حديث مع أحد المعتقلين ولا السجانين لمعرفة المكان، أثناء محاولتي النوم لكي يمر الوقت داخل المهجع، دخل سجان يطلبني بالاسم، ثمة تحقيق معي، ومستعجل، كان في بالي أن أنام عشرة أيام على الأقل حتى يستدعوني لجلسة التحقيق.

ثمة أمر مهم قد حدث وكان من الواجب التحقيق معي… رسالة صوتية من صديق لي يقيم في ألمانيا، أرسالها لي شاتماً بها الله والحزب والعالم وبارزاني والجيش الحر!

يتبع …

*صحفي سوري