الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء في التحولات والمآلات المأساوية للثورة السورية

في التحولات والمآلات المأساوية للثورة السورية

في الحديث عن تحولات ومآلات الثورة السورية، لا نتقصّد المصادقة على أحكام مطلقة تقول بهزيمة تلك الثورة، أو انتهائها، لأسباب أهمها: أن مفهوم الهزيمة بالإطلاق غير صحيح أو لا يغطي المسألة تماماً. وأن ذلك الاستنتاج هو موضع خلاف، بحسب تحديد كل شخص لمفهوم الثورة، وتالياً مفهومه لمعنى الهزيمة، وأن الصراع الجاري في سوريا، وعلى سوريا، ما زال مستمراً، بكل الأشكال، ومن الصعب التكهن بمآلاته.

فإذا ذهبنا إلى التجربة التاريخية، فإن الثورة الفرنسية، التي انهزمت (1789)، انتصرت بالمعنى التاريخي، إنْ بنشر قيم الحرية والمساواة والمواطنة، أو بتحققها بطريقة تدرجية فيما بعد. أيضاً، هذا حال ثورة 1905 في روسيا، التي انهزمت، لكنها اعتبرت بمثابة “بروفة” لثورة اوكتوبر 1917 التي أنجزت إنهاء الحكم القيصري. هذا ينطبق على حال حركة التحرر الوطني الفلسطيني المعاصرة، التي بات لها من العمر أكثر من نصف قرن. على ذلك لا أحد يستطيع مصادرة المستقبل، أو الحكم على التداعيات المستقبلية التي ستولدها الثورة السورية مهما كان مآلها، إلى هزيمة أو إلى نوع من تسوية أو حتى تحقيق نجاحات جزئية. 

من ناحية أخرى، ثمة مشروعية في وجهة نظر مفادها أن الثورة السورية، حقّقت أهم انجازاتها في العامين الأول والثاني، وأنها كفّت عن كونها كذلك، بعدها، أولاً، بحكم انحسار طابعها الشعبي، وانحصارها في جماعات مسلحة، ولاسيما مع طغيان العسكرة عليها، إن في الصراع ضد النظام، او في الاحتكام للقوة في ترتيب المكانة، وفي المنافسات والمنازعات البينية فيما بين الفصائل العسكرية، أو في طريقة هيمنتها على شعبها، في ما اعتبر “مناطق محررة”. وثانيا، بواقع انزياح كيانات المعارضة الأساسية، لاسيما العسكرية، عن المقاصد الأساسية للثورة المتمثلة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، التي أضحت بمثابة حبر على ورق، ولمجرد الاستهلاك الداخلي وبخاصة الخارجي، في حين طغت الخطابات الطائفية والدينية المتزمتة والغريبة عن مجتمع السوريين، وعن التدين المعتدل للشعب السوري، والتي كانت في حقيقتها مجرد غطاء لبعض الفصائل في الصراع على المكانة والنفوذ، وهو ما أضر بالشعب السوري وبصدقيتة ثورته، كما أضر حتى بالتيارات الإسلامية المعتدلة. وفي كل ذلك افتقدت الثورة لكيان سياسي جامع، كما افتقدت لرؤية وطنية جامعة. ثالثاً، حصل ذلك بارتهان المعارضة للخارج، وخضوعها لتوظيفات هذه الدولة أو تلك، على حساب الحفاظ على سلامة “مسار الثورة”، وحقوق السوريين. 

والقصد إنه، من خلال كل ما تقدم، تمت إزاحة مسار الثورة لصالح مسار الصراع على السلطة، ولصالح الانخراط في الدفاع عن المصالح الإقليمية لهذه الدولة أو تلك، بحيث باتت الأطراف الخارجية هي التي تتحكم في الصراع الجاري في سوريا، بدرجاته وتوجهاته، على حساب الشعب السوري وتضحياته وعذاباته.

في هذا الإطار لنلاحظ أن الثورة السورية حققت ما عليها منذ البدايات، بخروج الشعب إلى الشارع أو إلى مسرح التاريخ، وانتهى الخوف من قلوب الناس، وتجرأ الشباب على النظام، وتمردوا على الواقع المقيم منذ نصف قرن، وفي كل ذلك فقد كانت تلك ثورة بمعنى الكلمة، لكنها تمثل النصف الأول، الأساسي للثورة؛ هذا أولاً.

ثانياً، الفكرة هنا أن هذا المسار جرى الانزياح عنه، أو قطعه، لأسباب ذاتية وموضوعية، أو داخلية وخارجية، بحكم الغياب التاريخي للمعارضة، والافتقاد لتجارب كفاحية سابقة، وبحكم التدخلات الخارجية في الوضع السوري. وقد تمثل هذا الانزياح أو القطع بخسارة الثورة لطابعها الشعبي، بأخذها الى حركة فصائل مسلحة، ثم بأخذها نحو التطييف والتدين، ما قوض اجماعات السوريين، ووضعهم في مواجهة بعضهم البعض، أكثر مما هم في مواجهة النظام، وفي ظل هذين العسكرة والتطييف تم الارتهان للأطراف الخارجية، التي ربطت مسار الثورة بمصالحها وأولوياتها. والحال فإن المعارضة لم تستطع بناء إجماعات وطنية، بل إنها فكّكت بدل أن توحد، وبدل أن تفكّك النظام، في حين بقي النظام موحداً. هكذا بدا الكل ضد الكل في المعارضة، عربا ضد كرد وكردا ضد عرب، وكردا ضد كرد، واسلاميون ضد علمانيين وبالعكس، واسلاميون ضد اسلاميين، وعلمانيون ضد علمانيين، وعسكريون ضد سياسيين وبالعكس، وكل واحد ضد اخر، وهذا مع تلك الدولة وأخر مع دولة اخرى.

ثالثاً، ما يؤسف له، وهو ما يجب إدراكه في نطاق أية محاولة لمراجعة ونقد التجربة الماضية، أن الذين أصرّوا على العمل المسلح فقط، كبديل للحراكات الشعبية، وأن هذا العمل هو وحده الذي سيسقط النظام، من دون التبصر في أية اعتبارات ومعطيات أخرى، هم أنفسهم الذين آثروا سلامتهم وسلّموا أسلحتهم والمناطق التي كانت تخضع لسيطرتهم إلى النظام، بعد دمار العمران وتشريد الملايين. وأن الذين خوّنوا أي شخص يقبل ببيان جنيف 1(2012)، رغم أنه يشكل آلية دولية للتخلص من نظام الأسد، هم أنفسهم الذين باتوا يتلهّفون لمفاوضات جنيف، مع نظام الأسد، ثم مفاوضات آستانة ومؤتمر سوتشي. وأيضاً أن الذين ناصروا وغطوا على جبهة النصرة، وعلى فصائل المعارضة العسكرية الإسلامية المتطرفة والمتعصبة والسلفية، الغريبة عن مجتمع السوريين، هم أنفسهم الذين باتوا يتبرأون منها، ولو شكلياً، هذا إضافة إلى أن الذين يفترض أنهم ثاروا ضد الاستبداد وضد نظام الأسد هم أنفسهم الذين ارتهنوا لأنظمة استبدادية أخرى، علماً أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية ولا كنوادٍ رياضية ولا كمنظمات حقوق إنسان. الملاحظ هنا أن أغلب هؤلاء، المتصدرين لهيئات المعارضة الرسمية السياسية والعسكرية والمدنية، ما كانت لهم، قبل الثورة، اي علاقة بالمعارضة، أو تاريخ في الصراع ضد النظام.

الخلاصة هنا، أن كل ما تقدم أسهم في تحول الصراع السوري، من ثورة شعب ضد نظام، من أجل التغيير السياسي والحرية والمواطنة والديمقراطية، إلى مجرد صراع دولي وإقليمي وإلى مجرد صراع على السلطة، باستبدال أشخاص بأشخاص أو حزب بحزب، وتالياً استبداد باستبداد، بعد إزاحة الشعب قلب الثورة، وبعد التخفف من مقاصدها النبيلة. 

الواقع صعب ومعقد، وتوصيفه يمكن الاختلاف عليه، كما قدمت، لكن ماهي مآلات أو تداعيات الثورة السورية، أو ما هو الحكم عليها، فذلك كله سيبقى للتاريخ.

*كاتب سياسي فلسطيني