يواجه المزارعون صعوبات عدة في المناطق المحررة، وبشكل خاص في مناطق شرق وشمال حلب، فارتفاع تكاليف الزراعة وعدم وجود سوق من شأنها تغطية الإنتاج وتصريفه بمردود جيد، ساهم في زيادة الأعباء على كواهلهم.

اعتماد المنطقة على الزراعة

يشرح مدير “القسم الزراعي لمنطقة أخترين وريفها”، أحمد إبراهيم الحسن، مدى اعتماد المنطقة على الزراعة، قائلاً لــ “بوابة سوريا”: “تشتهر منطقة ريف حلب الشمالي والشرقي بالزراعة البعلية والمروية، إذ تعمل نسبة 85% من سكان المنطقة بالزراعة، وأغلب المواسم المزروعة: القمح، الشعير، البطاطا، العدس، الثوم والبصل. بالإضافة إلى استفادة عدد كبير من سكان المخيمات عبر عملهم في جني المحصول”.

وأضاف الحسن إن “المنطقة تمتلك مساحة 67 ألف هكتار وفقاً لآخر إحصائية أجرتها «مديرية الزراعة الحرة»، وهي تنقسم بين مروي وبعلي ومشجّر”، مبيناً أن “تلك المساحة تنقسم إلى 60% للزراعة بعلية، و20% للمروية، أما النسبة المتبقية فهي لأشجار الزيتون والفستق الحلبي، في حين توجد مساحة تقدّر بحوالي 4% من المساحة العامة وهي عبارة عن أملاك للدولة – قطاع عام، وغالباً ما تكون جبلية لا تصلح إلا للتشجير”.

ولفت الحسن إلى “جودة نوعية الزيت المنتج في عموم المنطقة، وخاصة مدينة عفرين المشتهرة بإنتاج الزيت، وقد فضلت الشركات التركية استلام الزيت من معبر محافظة هاتاي قرب عفرين لجودة زيت المنطقة”.

كميات وآليات التصدير

 لم يختلف وضع ريف حلب الشمالي والشرقي عن الغربي. فالمعاناة والمعوقات ذاتها، إذ إن شراء البذور والأسمدة والأدوية بسعر الدولار زاد أعباء المزارعين أيضاً، لدرجة قيام بعضهم بترك الزراعة في ظل ضعف وقلة عدد منافذ التصدير وتصريف الإنتاج.

رئيس “المكتب الزراعي في المجلس المحلي لمدينة مارع”، عبد الله الحافظ، قال في حديثه لـ”بوابة سوريا”: “تعاني مناطق شمال وشرق حلب من ضعف عام في التصدير، فقد صدرت المنطقة جزءاً صغيراً فقط من الإنتاج ولمحاصيل محددة إلى جمعية “TARIM KREDİ” وذلك عبر المجالس المحلية التركية المعنية بشؤون الزراعة”.

وأضاف الحافظ: “تم تصدير محاصيل البطاطا والبصل والعدس البلدي، بالإضافة إلى الفستق الحلبي بأسعار وكميات متفاوتة”، مشيراً إلى أن “الجمعية لم تأخذ الكمية الكاملة التي قدمها المزارعون، إذ تم تصدير محصول مادة البطاطا على مدى أسبوع واحد، أي بنسبة 20% من الإنتاج العام، وذلك عبر معبر الراعي، وبسعر 100 ليرة سورية للكيلو الواحد، بينما كان سعره في السوق المحلية 80 ليرة. بفارق سعر قليل، كما قامت الجمعية ذاتها بشراء 2% من إنتاج محصول البصل لمدة 3 أيام بسعر 30 ليرة سورية للكيلو الواحد، إضافة إلى شرائها نسبة 65% من نتاج العدس البلدي بسعر 140 ليرة سورية بينما كان سوقه المحلي 120 ليرة سورية، كما أن كميات البطاطا التي صدّرت من مدينة مارع بلغت 290 طن من أصل 1500 طن تم استلامها من المجالس المحلية في شمال وشرق حلب”.

وكان المجلس المحلي في بلدة الراعي” قد أعلن قبل أشهر عن الاستعداد لشراء نتاج الفستق الحلبي من الفلاحين لتسويقه في تركيا، بسعر يصل إلى 92 ليرة تركية للكيلو الواحد، علماً أن سعره مع القشر يختلف بحسب حجم الحبة الممتلئ، وليس هناك سعر ثابت له” بحسب “الحافظ”، الذي اختتم حديثه بالإشارة إلى أسباب انخفاض الأسعار في المنطقة، التي تعود أساساً “إلى دخول المواد التركية بكميات كبيرة وبسعر أرخص من سعر المواد المحلية، إذ كانت تباع بسعر 30 ليرة سورية بينما كان سعر البطاطا المحلية يتجاوز 90 ليرة، الأمر الذي أدى إلى عزوف المستهلك عن شراء البطاطا المحلية، وهنا تبرز مشكلة عدم التنسيق بين الجانب التركي والمجالس المحلية”.

لم تتأثر السوق المحلية بالتصدير إلى الأراضي التركية عبر الجمعية، ولم يتغير حال المزارع بل بقي على حاله من حيث المعاناة والصعوبات، بالإضافة إلى “امتناع بعضهم عن زراعة محاصيل أساسية خلال العام الجاري، كمحصول البطاطا “التشرينية”، وذلك لارتفاع تكاليف زراعتها ولشراء الأسمدة والأدوية بسعر الدولار، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات مقارنة بالأعوام الفائتة” وفقاً لكلام رأفت الخطيب، أحد المزارعين شرق حلب.

ونوه “الخطيب” إلى “العلاقة بين المواطن العادي والمزارع واستفادة الطرفين من التصدير، ما يشكل حافزاً لدى المزارعين لزراعة مساحة أكبر بالمحاصيل، لكن ذلك يتطلب أيضاً أيدٍ عاملة على نطاق واسع، الأمر الذي يؤدي إلى استفادة عدد كبير من الناس على هذا الصعيد وخاصة سكان المخيمات، حيث يعمل أكثر من 300 عامل لدى كل مزارع على مر العام، يتوزع عملهم بين الحصاد والتعشيب وغيره، ما يساعد في تحسين وضعهم المعيشيّ”.

وأشار “الخطيب” كذلك إلى “تدهور حال بعض المزارعين الذين قاموا بتخزين بعض محاصيلهم الزراعية كالثوم، حيث يبلغ سعره حالياً 20 ليرة سورية، ما يشكل خسارة كبيرة للمزارع، ويتوجب عليهم حالياً إطعامه للحيوانات والتخلص منه لفساده وعدم إمكانية الاستفادة منه على الإطلاق”.

مخلص أبو تيم، مسؤول توزيع الأسمدة والأدوية على الصيدليات الزراعية شرق وشمال حلب، قال لـ “بوابة سوريا”: “اختلف وتراوحَ سعر صرف الليرة التركية أمام السورية في فصل الصيف، وهي الفترة التي تم فيها تصدير بعض المنتجات إلى تركيا، إذ قام المزارع بتسليم محصوله وتم تحديد موعد شهر لقبض المستحقات، وهنا يبرز دور الفارق في سعر الصرف بين تسليم المواد وقبض ثمنها”، مبيناً أن “لنوعية البذور والأسمدة والأدوية أثر كبير على الإنتاج الزراعي، فمن المتعارف عليه أن الأدوية التي تأتي عن طريق النظام تكون مصدر ثقة لدى الفلاح بنتائجها وفعاليتها، والتي نادراً ما تتوفر لدى المزارع، وإن توفرت فهي تتوفر بسعر باهظ. و90% من المبيدات والأسمدة الموجودة حالياً هي صينية المنشأ، وبمفعول وتأثير50% فقط”.

تمد آلاف الهكتارات من المساحات المزروعة أسواق القرى والبلدات بالمحاصيل الزراعية بمختلف أنواعها. ومع هذا، فإن فائض الإنتاج وإغلاق طرق التصدير قد ذهب بجهد وتعب المزارعين أدراج الرياح، إذ تتقارب أسعار البيع بتكلفة الإنتاج في أفضل الحالات، وتغيب الخطط والبيانات التي يمكن أن تحدد فترة زمنية يمكن الاعتماد عليها للإجابة على السؤال: إلى متى سيستمر هذا الحال على ما هو عليه؟