الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء على عتبات عام جديد.. ماذا لو بقي الأسد؟

على عتبات عام جديد.. ماذا لو بقي الأسد؟

“الانتقال السياسي في سوريا يجب أن يكون وفقاً للدستور والإنتخابات” الكلمة التي كررها ديمستورا مؤكداً على قرار الأمم المتحدة رقم 2245 بشأن سوريا بتاريخ 18 كانون الأول/ ديسمير 2015، المتعلق بوقف إطلاق النار مع التوصل إلى تسوية سياسية، إضافة إلى موقف الدول الثلاث الضامنة لمسار أستانة، التي كانت أول مهمة لها صياغة دستور جديد من قبل لجنة مشتركة بين النظام والمعارضة والأمم المتحدة مؤلفة من مائة وخمسين عضواً.

واجه تنظيم عمل هذه اللجنة عقبات كثيرة، لكنها وبشكل مبدئي توصلت إلى اتفاق لبداية العمل الجاد مطلع عام 2019، أي إن الأمور من وجهة نظر تلك الأطراف بدأت تأخذ منحىً حقيقياً وواقعياً، بمعنى أن أي تصريح من أحد مسؤولي هذه الدول سيكون بالتأكيد ضمن المسار ذاته. برغم كل ما هو معروف صراحةً وضمناً عن رفض السوريين أنفسهم للدستور الروسي الذي بدأت فكرته منذ عامين ونيّفٍ بجهود روسية خالصة وانتهت بلجنة و صياغة جديدة بجهود مشتركة تتطلبها المرحلة الحالية، فضلاً عن أن السوريين يشعرون أن لا شيء من هذا يمثلهم، إلا أن الوصول لاتفاق مبدئي لعمل اللجنة يعني أن قوائم الأسماء لمرشحي المعارضة قد أصبحت جاهزة كما قوائم مرشحي النظام. وفي هذا السياق جاء ما صرّح به المحامي والخبير القانوني الأستاذ أنور البني لإحدى المواقع الإخبارية بتاريخ 20.11 من العام المنصرم، إذ قال: “إنّ تشكيل لجنةٍ لصياغة الدستور يُضفي الشرعية على الحكومة التي ارتكبت جرائمَ بحق شعبها”، وأضاف أن “تشكيل مثل هذه اللجنة يعتبر انتهاكاً للقرارالأممي رقم 2254”، وأنه لهذه الأسباب رفض المشاركة فيها.

بين ما يراه المحامي أنور البني وكثيرون من أن هذه الصياغة هي انتهاك لبيان جنيف وبين ما تراه على النقيض تماماً الفئات المشاركة في أستانة هو مربط الفرس فيما يحدث الآن، فتغيير أولويات العملية السياسية غيّر بشكل كُلّي المنظور العام للحدث. فمن الانطلاقة بجنيف  نحو تشكيل حكومة انتقالية كخطوة أولى ومنها إلى صياغة دستور جديد، وبين ما تولّد عن أستانة من تبديل بين هاتين المرحلتين قلبَ قراءة الوضع السوري برمته، من إرادة شعب بتغيير نظام مستبدٍ ومحاكمته على جرائمه إلى تحديد وجه السلطة بين كفتين متعادلتين هما النظام والمعارضة، وكأن الطرفين في حالة صراع محموم لنيل هذه السلطة. هذا التغيير الجذري لم يلحظه الكثيرون، وتركزت ردود الفعل السورية على التأكيد منذ البدء على رفض الفئة الممثلة لهم، والتي لم تحظَ بشرعية مطلقة من الشعب.

ماذا يعني تغير أولويات العملية السياسية لنا كسوريين:

منذ فترة وجيزة، نالت تصريحات وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو أصداءً عالمية ومحلية واسعة انعكست في عناوين معظم الصحف العالمية والعربية، فنقل عنه قوله إن على الدول التفكير بإمكانية العمل مع الأسد تحت شرط واحد وهو “فوزه بانتخابات ديمقراطية مُراقبة دولياً”.

برغم اقتطاعه من سياقه بصورة متعمدة، إلا أنه كتصريح يُعتبر الأول من نوعه فيما يتعلق بوضع السوريين وجهاً لوجه أمام شبح إعادة انتخاب بشار الأسد و بقائه في السلطة، الأمر الذي يعيد بقوة الخوف البدائي المتأصل في الإنسان عموماً، وهنا في السوري بشكل خاص، ألا وهو الخوف من الهزيمة.

لم تكن رؤية الأغلبية السورية واضحة، بل كانت ضبابية تماماً في رفضها لمثل هذه الفكرة ،لأن الخوف من استمرار بشار الأسد في الحكم واعتبار كل ماحدث ضرورة سيادية واجتهاداً سلطوياً، سيطر على عقولنا. بيد أن هذا الخوف نبع من فكرة أن ما نحن فيه هو صراعٌ على السلطة بين نظام قائم قد يربح الانتخابات بطريقة ديمقراطية ومراقبة أممياً وبين معارضة سياسية متمثلة ببعض قادة الفصائل وبعض النُخب المحلية المثقفة سياسياً (مع التحفظ على التسمية) ، وأنه ليس ثورة حرّية وكرامة  كانت غايتها الأولى إسقاط هذه المنظومة ومحاسبتها. هذه الفكرة هي النتاج الحقيقي للفارق المهول بين “جنيف” و”أستانة”.

ومع ذهاب هذا الجزء من المعارضة إلى تشكيل اللجنة وإعطاء قوائم المرشحين، وفي حال لم يكن من أمرنا كسوريين سوى الخضوع في نهاية المطاف بعد كَمّ الإنهاكِ النفسي والجسدي والخسائر الكبيرة التي مُنينا بها على مدى سبعِ سنواتٍ عِجاف، نقف، ولا مفرّ، أمام ما يبدو أنه يتحول إلى حقيقةٍ؛ ألا وهي: ماذا لو بقي الأسد؟ هل يمكن أن يعيل السوريون صبرهم على مثل هذا الواقع لسنوات أخرى؟ وهل ما ننتظره من عامٍ جديدٍ سيكون بالنسبة لنا مجرد “لجنة دستورية” تدُقُّ آخر مسمارٍ في نعشِ حُلمنا بالحرية والكرامة!

أسئلةٌ تسقط الحلمَ الأخير برحيل الأسد، وتجعل مجرّد التفكير بمثل هذا الواقع بمثابة الموت المحقق لنا جميعاً، فبالنسبة لسوريي الداخل سيبدأ النظام بالانتقام السريع منهم وسيتمكن دون شكٍ من تحقيق التغيير الديموغرافي الذي تمناه دائماً بتغليب الأقلية الحاكمة وإسباغ فكرة الشرعية على حجمها بقدر شرعيتها بالسلطة المُشكك فيها منذ البدء، ولن يتحقق له ذلك إلا بانتقامه من كل من عارضه أو تظاهر ولو كان في صفّه كهؤلاء الذين بدأوا مع بداية الثورة بانتقاد بعض المسؤولين أو الكلام عن الفساد، لكنهم في حقيقة الأمر مؤيدون لبقاء الأسد، إذ إن هؤلاء كانوا أيضاً في الجانب الذي لا يرغبه هذا النظام لكنه اضطر للسكوت عنهم لفترةٍ، وفي حال بقائه سيتفرغ لإحكام قبضته الحديدية التي أثبتَ أمام العالم كله أنها آتت أُكُلها، إذ إن نجاحه في الانتخابات المقررة سيكون بمثابة إعلان واضح بأن ما قام به ومنظومته كان ضرورات سلطوية وليس جرائم حرب. وما قيل سابقاً عن عدم وجود منهجية في عمليات الاغتصاب والسطو والتعفيش خلال سنيّ الثورة سيصبح ممنهجاً تماماً بعد ذلك، بغرض الإذلال وإحكام السيطرة والانتقام. أما سوريو الخارج (المغضوب عليهم) فسيصبح حلم العودة بالنسبة لهم أبعد من الخيال وسيبقى شبح الملاحقة والأحقيّة بالبقاء في بلاد المهجر من عدمها هي الهدية التي يقدمها الحليف للمُنتصر، أي إننا سنبقى كالكرة بين مرمى مصالح الحليف وبين النظام السوري.

هذا التغيّر الدولي في احتواء الحالة السوريّة هو ما قدمته لنا منذ البداية التدخلات الخارجية صاحبة الأجندات، وهو ذاته ما كان يراه الكثيرون، وللأسف ما يزال البعض يرون أنه مساندة ونصرةٌلشعب انتفض في وجه الديكتاتورية.

“الرابح لا يبقى وحيداً” كما يقول باولو كويلو، الرابح يخسرُ كوابيسه فقط، لكنه يكسبُ كل ماعدا ذلك.

*صحفية ومدونة سورية مقيمة في ألمانيا

مصدر الصورة: https://www.lebanese-forces.com/2018/07/21/bachar-assad-putin-trump-israel-iran-khayrallah-khayrallah/