لا يغدو “التمثيل” الذي تمارسه “جبهة النصرة” اليوم، في مشهد الصراع الدولي على سوريا، بلبوس الاقتتال الفصائلي، ضمن قاموس محرماتها الشرعية الكثيرة، التي قيّدت فيها حياة المدنيين داخل مناطق هيمنتها، حيث اختطفت لنفسها دور البطولة في مسرحية جادة يموت فيها كل المشاهدين، والكومبارس، ليربح المخرج الدولي بطاقة دخوله الآمن إلى خشبة مسرح تمتد من إدلب حتى حلب لتصل إلى شرق الفرات، ويفيض منها دم الضحايا في صرخة نهاية تستوجب الخلاص بانتظار انتصار عابر “للبطولة” أشخاصاً وأمكنة وحدوداً…

في ظل صمت مريب للدول الثلاث الضامنة لاتفاقات التسوية (تركيا وروسيا وإيران) تتحرّك “النصرة” لأداء دور البطولة في معركة وهمية، يتساقط فيها الضحايا من المدنيين، وتتم من خلالها تصفية ما يمكن تسميته فصائل خارج “السرب” التركي المعلن، بينما يلوذ الفصيل الأكثر تأثيراً ودعماً من تركيا بالصمت، والوقوف بانتظار أن تصطاد “النصرة” كل قادة وأسلحة الفصائل المنتشرة في أرض المعركة، أو تلزمهم على الانسحاب، لتغدو البقعة الجغرافية بالكامل تحت سيطرة الإرهاب الأسود.

هكذا يمكن تفسير انتصارات “النصرة” المتلاحقة وقدرتها “السوبرمانية” على مدّ نفوذها على إدلب ومحيطها وأرياف حلب وحماة وصولاً إلى المعابر السورية التركية (باب الهوى)، وأتستراد حلب، مقابل صمت تخدشه رصاصات بعض أولاد المناطق التي أوكلت لهم مهمة “الضحايا”، على ما يبدو، وهم يخوضون معركتهم غير المتكافئة عدداً أو عدة، لكسر صورة “النصرة” أمام ما يمكن تسميتهم حاضنتها الاجتماعية، التي هيمنت عليها اقتصادياً وفكرياً وتعليمياً، من خلال وضعها على الضفة المواجهة لأبناء ذات الحاضنة المدافعين “الأيتام” عن مناطقهم، ضد امتداد مسلحي القاعدة المسكوت عنهم، منذ نشأتهم وحتى اليوم فصائلياً وإقليمياً، ومن كيانات المعارضة السياسية التي أباحت لهم نشر مدارسهم تحت مسمى المدارس الشرعية، ورفضت إدانة ممارساتهم ضمن بياناتها الزاخرة بإدانة كل من يخالف أجنداتهم المرتهنة.

على ذلك يمكن القول: إن مهمة “جبهة النصرة” أو من باتت تسمى “هيئة تحرير الشام” اليوم هو إعلان بسط سيطرتها على كامل المنطقة المطلوب إخضاعها للمساومات الجديدة، التي يتم التحضير لها بين الدول الضامنة لاتفاقات آستانة من جهة، في الوقت الذي تهيئ فيه تركيا تجمع الفصائل المسلحة “الجبهة الوطنية للتحرير” التي يتزعمها فيلق الشام لتكون صاحبة امتياز المشهد الختامي في المعركة القادمة، التي ربما تكون عابرة لإمكانياتهم العسكرية، أو يستعاض عنها بعملية تفاوضية تنتهي بخروج قادة “النصرة” من الرافضين للتسوية، أو مقتلهم (ونحن نشهد عمليات اغتيالات دقيقة بين الفينة والأخرى)، وتوزيع عناصرها من المقاتلين، أو يمكن القول استعادتهم إلى الفصائل التي كانوا ينتمون إليها قبل إعلان انشقاقهم عنها، أو “إعادة انتشارهم”،  ليحل “الفيلق” كبديل في السيطرة على كامل المساحة، دون ان تكون له يد في عملية تصفية كل المسلحين، جماعات وأفراداً، المنتشرين خارج عباءة الفصائل، وجمع أسلحتهم في يد “النصرة”، التي كلما احتاجت تمويلاً وتسليحا فتحت مخازن الفصائل الممولة بمعارك أشبه بالوهمية والإعلامية.

من المفيد العودة بالذاكرة إلى اتفاق إدلب المنعقد في سوتشي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتن والتركي رجب طيب أردوغان، وقراءة ما بين السطور لمعرفة جغرافيا العمليات العسكرية للنصرة التي بدأت منذ شهرين على “تمشيط” المنطقة المتفق على تسليمها للجانب الروسي، وضمناً النظام السوري، أي عبر بند دخول مؤسسات الدولة لاستلام مهامها، وفتح الطرق الدولية، أي اوتستراد حلب باتجاه السفيرة ولاحقاً لتأمين أوتستراد حلب- باب الهوى- دمشق، رغم التأخير الحاصل في تنفيذ كامل بنود الاتفاق. ما يعني أننا أمام توحيد جهة المسؤولية في كامل تلك المناطق، ومن ثم يتم تحديد السيناريو لاستلام المنطقة من النصرة سواء عبر عملية عسكرية غير فصائلية تشارك فيها تركيا وروسيا، أو عبر معركة تنقل دور البطولة إلى جهة محلية ستكون شريكة في صياغة الدستور الجديد ومشاركة السلطة مع النظام في المناطق التي تحدث عنها وزير داخلية تركيا سليمان صويلي لقناة “خبر تورك”، أنها مناطق تركية والحرب القائمة بهدف استعادتها وليس تحريرها من الوجه الأسود الذي يحكمها.

وهنا يمكن السؤال عن سبب تأجيل أي معركة حقيقية على “النصرة” منذ بداية حراكها وحتى اليوم، وهي التي لم تترك فرصة إلا وأعلنت عن نفسها أنها امتداد للقاعدة، وتمتثل تنفيذ أوامرها، حتى عندما أعلنت تغيير اسمها من جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام، ولاقت ترحيباً من كيانات وأشخاص المعارضة الذين انتقلوا اليوم من الدفاع عنها إلى ملامسة هجائها الحذر، وروسيا التي قادت عملياتها العسكرية في حلب تحت ذريعة إنهاء وجود النصرة فيها، هي ذاتها التي عقدت اتفاقاتها مع الولايات المتحدة وتوسع نفوذها العسكري في المناطق المحاذية للوجود الأميركي بعد اتفاق كيري-لافروف عام 2016 الخاص بوقف اطلاق النار آنذاك، والذي نص على:

– تبادل المعلومات وتحديد مناطق تواجد جبهة النصرة والمعارضة. ويعتبر هذا التحديد «أولوية أساسية».

– بعد مرور سبعة أيام على تطبيق وقف الأعمال القتالية وتكثيف إيصال المساعدات، تبدأ الولايات المتحدة، بالتعاون مع الروس، العمل على هزم تنظيم داعش وجبهة فتح الشام. ويتم تنسيق ضربات جوية مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة.

 وكان المجتمع الدولي بكافة اتجاهاته مع النظام أو مع المعارضة قد وافق على خوض معركته ضد النصرة منذ إقرار القرار 2254 عام 2015، والذي ورد فيه:

– يؤكد دعوته الواردة في القرار رقم 2249 لعام 2015 للدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي ترتكبها كل من الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروفة أيضاً باسم داعش)، وجبهة النصرة، وكل الأفراد والمجموعات والكيانات الأخرى المرتبطة بالقاعدة، أو بتنظيم الدولة الإسلامية وغيرهما من الجماعات الإرهابية، حسب توصيف مجلس الأمن أو حسب ما قد يتفق عليه لاحقاً من قبل المجموعة الدولية لدعم سوريا بإقرار من مجلس الأمن، وذلك طبقاً لبيان المجموعة الدولية لدعم سوريا بتاريخ 14 تشرين الثاني/ أكتوبر 2015، وأن تزيل الملاذ الآمن الذي أقامته هذه المجموعات فوق أجزاء هامة من سوريا، ويلحظ أن وقف إطلاق النار المذكور آنفاً لن ينطبق على الأعمال الهجومية أو الدفاعية بحق هؤلاء الأفراد والجماعات والكيانات كما نص عليه بيان المجموعة الدولية لدعم سوريا بتاريخ 14 تشرين الثاني/ أكتوبر 2015.

ما يعني أن المعركة التي تخوضها “النصرة” كعملية ختامية لاسمها الحالي المرتبط بالقاعدة، هي لإعادة تموضع الأطراف المتحاربة على جبهتين: “النصرة” من جهة، وكل المحاربين ضدها من جهة أخرى، لكن في نفس الجبهة، وعلى طاولة تفاوض واحدة لاقتسام ما تبقى من سلطة مرهونة باحتلال يناصرها على كل الأطراف.

* كاتبة سورية

مصدر الصورة: https://aawsat.com/home/article/1491451/صراع-نفوذ-بين-«هيئة-تحرير-الشام»-و«أحرار-الشام»-في-إدلب