“هزيمة” المعارضات

حين تكلم الاستراتيجي الصيني الحكيم سون تسو قديماً عن عناصر النصر، تكلّمَ على التواصل مع الشعب، وتحسُّس البيئة فيما تحت سيطرتنا، وتلك التي تقع خارج سيطرتنا، وعن القابلية لتحقيق النصر مع سلامة الموقف المبدئي، وأخيراً عن الانضباط والالتزام. أما حين تكلم الاستراتيجيون المعاصرون عن الثورة وعوامل اندلاعها بحيث تكون قادرة على الانتصار، فإنهم أشاروا إلى رفض المحكومين لحكامهم، وعجز الحكام عن الاستمرار في الحكم على النهج السابق، بالإضافة إلى توافر عنصر التنظيم والقيادة الناجح الفعال. وهذا العنصر الأخير بالذات كان العامل الحاسم الذي لم يتوفر، وفشِلنا في بنائه وتجسيده مراراً، ولم ننجح في ذلك حتى الآن.

وفي مرآة معارك إدلب الراهنة بين غُلاتهم وتجارهم، ترتسم معالم الهزيمة العارية بجلاء ما بعده جلاء، وما هذا إلا جزء من كارثة الشعب السوري الذي تغرق مخيماته بالمطر والثلج والطين والبرد.

لقد أصبح لدينا اليوم ثلاث مناطق تسيطر فيها قواتٌ سورية ملتبسة، تحميها وتصادر إرادتها: قوى خارجية مختلفة كثيراً، ومؤتِلفة أحياناً، وتمت تصفية كلّ بقايا ما كان يُعرف باسم “الجيش الحر” شكلاً ومضموناً ومنذ سنوات. ولم يعد دقيقاً القول بأن هنالك مناطق للمعارضة، كما كان يحلو القول ويطيب في السابق. تسمى بعض المناطق حالياً باسم “المحررة” تمييزاً لها وحسب، وتجنباً للمسّ بــ “حلفاء” أو “أصدقاء”، أو تجنباً لخلق مصادر جديدة للخوف والغضب.

في المناطق التي يسود فيها النظام، لم تخرج مظاهرة معارضة أو ثورية مقنِعة أيضاً منذ سنوات. هناك بعض الاحتجاجات المحايدة في مناطق شبه محايدة، و”احتجاجات مؤيدة” في مناطق مؤيدة. احتجاجات تنتمي إلى الجهة الأخرى، وقد تجرأت على الاحتجاج ورفع الصوت في قضايا حياتية أو رافضة لتقصير النظام في حمايتها. ذلك شيء طيب بالطبع، لكنه لا يعني فوزاً ولا يعني انتصاراً. ولا تكفي ملاحظة أنه ما زالت هناك قوى معارضة تستطيع التعبير عن نفسها بصعوبة في “الداخل”. تراعي في سقفها عدم استفزاز النظام بقوة، وتحتمي بالقوة الأكبر المسيطرة على الأرض أحياناً والقرار غالباً.

فقد تقلصت قوة المعارضة السياسية وانكمشت (بالمعنيين الفصيح والعاميّ)، وغدا “الائتلاف”، وهو صاحب “الطنطنة والشنشنة” في السابق، مجرد عنوان لا صندوق بريد له، لأن بريده يأتيه باليد أو عن طريق الطبول المتواترة كما القبائل القديمة. وتقلصت “هيئة التنسيق” وهرمت كثيراً أيضاً، ويسيطر عليها من يكاد لا يملك شيئاً من الشارع، وتضطرب بعض صلاته وسياساته.

تقدم الإسلاميون كثيراً مدرعين بإيديولوجيتهم وميزانياتهم وأسلحتهم، تقدموا وتعدّدوا إلى حين الانكسار يوم سقوط حلب. ولكنهم ما زالوا مثل “حديدان في الميدان”، من دون أية بوادر لمراجعة جدية أو انعطاف أو تغيير في الأولويات حتى الآن. وتراجع “الديمقراطيون، الوطنيون، العلمانيون” كثيراً، وقبل بعضهم سابقاً بالاستمرار كظلٍّ للإسلاميين، مثلهم مثل أولئك الذين أوصلتهم علمانيتهم المرَضية إلى بيت طاعة النظام وفاشيته. منهم من فعل ذلك حتى يقطع الطريق على “جماعته” ممن يعاديهم أكثر من تعارضه مع غيرهم الأبعد عنه نظرياً، ومنهم من فعل ذلك أيضاً ضمن علل الأقلوية وميولها النافرة نحو الآخر “الأغلبية”، والبعض الثالث يستعجل التغيير ويستنبته في الهواء حتى يكاد ينسى نفسه.

إلا أن هؤلاء وهؤلاء، وحتى في فورتهم، لم يشكلوا في أجسام المعارضة الأساسية أكثر من العُشر، وتناقصوا أكثر بعد سقوط حلب بيد النظام والروس عسكرياً من جديد، وتفتتت الجماعات التي تضم المنظمين من هؤلاء حتى بلغ عددها أكثر من مائة منظمة، تتناهش حالياً وتتقارب في الوقت ذاته، في جهدها للتطور والتجديد والتحالف، وننتظر!

ما العمل!

لا يمكن العمل لتجاوز الواقع الراهن الآن ما لم نحدد عناصره المطلوبة. ولعل أساسها القطع الجذري مع الماضي، بكل حوامله ومقوماته. وإن استعدنا بعض تلك الحوامل والمقومات في السياق، فسيكون ذلك “جديداً” وليس إرثاً موروثاً أو متوارثاً كحمل ثقيل على أكتافنا، يقعد بنا على ركبنا قرب القاع.

وأول ذلك القطع ، هو القطع مع “الذات”، وعزل كل عناصرها المعرقلة جانباً، وربما كان منها القادة الذين ملّهم الناس، كلّهم/ كلنا. ليس مقبولاً منهم إلا المشورة، وبتواضع مشروط مسبقاً، ووقت محدد للكلام لا يتجاوزونه.

وثانيه، القطع مع التحزب والحزبوية بصيغتها القديمة، مع استخدامها، عند الحاجة، كمنصة انطلاق نحو صيغ جديدة وبرامج جديدة ونهج مختلف، في كل مكان سوري، حتى آخر مكان وصله السوري الشارد في أقصى الأرض. لا يمكن بعد الآن التمسك بأسماء وأحزاب وتنظيمات لم تعد تصلح إلا وعاء للمتقاعسين الذين لا يستطيعون تحديد إحداثياتهم في الظروف الناشئة.

وثالث ذلك: فتح ثغرة كبيرة في الجدران الإيديولوجية والمذهبية والطائفية، كافية لاجتيازها بالاتجاهين وقوفاً برأس مرفوع وذهن صافٍ مفتوح، وربما الاستفادة من حالة التشظي الرهيبة التي يعيشها السوريون لاستدعاء الجرأة على الرفض ونقاش كل شيء بلا هوادة. لقد أثقل التخلف والانغلاق على فقه القرن الثاني عشر الميلادي كاهل السوريين، وآن الأوان للتحليق عالياً، لتحليق الطير خارج الماء. “تلك العقيدة مقدسة لا تُمسّ، وذلك المذهب فريد يستعصي على النقد، وتلك الطائفة مختارة وحدها للقدر، وذلك الحزب وكيل الجنة أو النار، دينية أم مذهبية.. وذلك القائد خالد!”.

هل هُزمنا؟ ينبغي تجنب التأتأة في الإجابة، ولكن ينبغي عدم التسرع أيضاً. لنفترض الفرضيتين معاً:

لقد هُزمنا، لأن “الملك” لم يُحاكم ولم يتم تنفيذ الحكم فيه كما حدث في فرنسا أيام ثورتها من أجل “الحرية والإخاء والمساواة” في الأرض المسكونة كلها، كما لم تكن هنالك تحولات جذرية لا رجوع عنها في اتجاه التقدم الاجتماعي والثقافي والسياسي. ينبغي التركيز على البحث في جذور الهزيمة والمخارج منها إلى حال جديدة، لا تشبه تلك التي كنا فيها، ولا نزال إلى هذا الحدِّ أو ذاك نرسف في قيودها الصدئة.

أو أننا لم نُهزم، وما جرى هو فورة للثورة المضادة التي لم تأت كلها من جهة الخصم المباشر، بل من صفوفنا، في عملية تزييف وضرب وتغيير معالم جغرافية وثقافية واجتماعية، ومن ثم سياسية، ولو عن طريق السلاح المجرد. وعليه، يبقى تنظيم الصفوف من الأولويات أيضاً، ومعه العمل على استرداد القوى المعتكفة والمبتعدة، وتحديد الحدود بين المختلفين، وحدود اتفاقهم من جديد.

ربما من الأفضل أن يُحسم الأمر بالإقرار بالهزيمة (المرحلية بالطبيعة والتاريخ)، وبالأخطاء الفادحة التي ارتكبناها جميعاً، لإفساح الطريق للمسارات الجديدة. ليس لدينا الكثير من الوقت لتعديل المسار الفردي والجمعي! على الرغم مما يبدو من أن الاستسلام لنقد الذات وجلدها قد يقلص روح الأمل وبواعث التحرك، إلا أنه قد يكشف في طريقه عن الكامن من الطاقات التي لم تظهر بعد، أو لم تٌستثمر بعد، أو لم تٌستثمر بشكل صحيح بعد!

كاتب وسياسي سوري معارض