أنا لاجئٌ سوريٌ مُحتملٌ أبيت على موعدٍ مع لجوءٍ بلا شكلٍ. أعاني الحرب والإرهاب وطنيّاً، كما أعاني التمييز العنصريّ والتعميم العنصري عالميّاً ومن دون بديل. وكأي مواطن صالح، “تورطت” مرة في تسعينيات القرن العشرين، بالتعليم والتوظيف والخدمة الإلزاميّة العسكريّة في بلدي، ومع بداية الألفيّة الثانيّة، تورطت مرة ًثانيةً ببناء منزلي وبتعليمي العالي وزواجي وإنجاب الأطفال. لقد تورطت فعليّاً في هذا الذي يسمونه “الاستقرار في سوريّة الأسد”. وما أعتبره ورطة في موطني يعتبرونه إنجازاً في بلدان أخرى! فسرّ تورطي هنا هو أنّ استقراري الهش هذا كان عرضة للبلعمة في أية لحظة من نظام إرهابيّ يحكمنا من قبل أن أولد. وقادني كرهي لكوني ضحية دائمة إلى أنْ أتورط للمرة الثالثة في ثورة الحريّة والكرامة؛ فالثورة ورطة أيضاً، ولكنها ورطة جميلة يحدوها الأمل بغدٍ أفضل. ويغلف كل هذا إظهار معاناتي وكأنها نتيجةٌ لولادتي ولجنسيّتي الملازمتين لي كظليّ، وليست نتيجة لخيارات سياسيّة متغيرة.

     وفي ظل هذا الاستقرار المزعوم والورطات المتعاقبة، لطالما راودتني فكرة الخروج من هذا الاستقرار القلِق في بلدي، إلى بلاد أنجزت حريّة التعبير والكرامة الإنسانيّة. ولكني لم أنجح في الخروج. فإلى أين اللجوء من هذي الحرب المدمِّرة وهذا الإرهاب المنفلت؟ ومن هذا التمييز العنصريّ الذي يُخفِّض من قيمتي الإنسانيّة، والتعميم العنصري الذي يصنفني كإرهابيٍ مُحتملٍ؟

     أنْ أكون لاجئاً مُحتملاً يعني أن تكون حريتي وكرامتي وزوجتي وأولادي وأنا في خطر. وعندها أصبح دريئة لمختلف النيران المعادية والصديقة، ويصبح تفكيري بارداً وضبابياً وموحشاً، وعواطفي تتقلص في اليوم وتتمدد آلاف المرات.

     ربما ألجأ من وطني إلى ما سمّوه “العالم المتمدن”، وربما لا. وربما لا يسعفني الحظ باللجوء أو يسعفني، لا أعرف. لكن ما أنا متأكد منه هو أن الوقت ضدي، وأنني لن ألجأ إلى “حضن سوريّا الفاتر واللزج والمخاطيّ” قبل أن تتحول سوريّا إلى وطنٍ لحرية التعبير وحقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية.

أنا أعيش تفاصيل الحرب والإرهاب على السوريين الآن، ولا أعيش في هذا “العالم المتمدن” مثل الملايين من اللاجئين الفعليين، ولكنني أعاني مثلهم ممن يُعمِّمون بعنصريّةٍ تصنيفاتهم علينا ليضعونا في دائرة الإرهاب، وممن يُميٍّزون بعنصريّةٍ ضدنا أثناء تطبيقات حقوق الإنسان علينا، وممن يصوتون لتلك البرامج الانتخابيّة العنصريّة تجاه استقبال اللاجئين واندماجهم وإعادة تأهيلهم في البلد المضيف، أو تجاه إعادتهم القسريّة إلى بلدان الاستبداد والإرهاب أو إبقائهم فيها.

     فبئس هذا العالم الذي يتيح استخدم الحرب والإرهاب كما يتيح استخدام التعميم في غير محله ومن دون تمييز، واستخدام التمييز في غير محله ومن دون تعميم! إنه عالم يكون فيه المحارب والإرهابيّ والمُعمِّم والمُميِّز والناخب على حق، بينما يكون فيه اللاجئ على باطل، ويكون فيه اللاجئ هو الضحيّة! ففي هذا العالم، نادراً ما نجد أن حقوق الإنسان قد طُبِّقت على كل البشر وساوت بينهم، بل، إن ما نجده هو التمييز في تطبيقها لا تعميم تطبيقها. كما نادراً ما نجد التمييز في التعميمات العنصريّة التي تشمل جميع من لجؤوا أو سيلجؤون بتصنيفهم إرهابيين، بل على العكس من ذلك، فإننا نجد التعميم في تصنيفهم لا التمييز بينهم. إنّه عالم الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة والقيمة الحصريّة، وليس عالم عمومية القيمة الإنسانيّة. والمفارقة هنا هي أن نقد التعميم في التصنيف يكون من خلال التمييز بين من شملهم التعميم، بينما يكون نقد التمييز في التطبيق من خلال التعميم على الآخرين ممن استُثنوا. إنّه عالمٌ يتقن تشكيل الاحتكارات، وتأسيس حصريّة الحقوق، وإشباع الرغبة لحظة ضمان امتياز تطبيق قاعدةٍ لمصلحته، أو ضمان الامتياز لعدم تطبيق قاعدةٍ لمصلحته أيضاً. وهو ينام على مخدّةٍ تريح رأسه وضميره أثناء التعميم في تصنيف اللاجئين ضمن دوائرَ عامّةٍ من دون تمييزٍ فيما بينهم.

     ولا نختلف هنا على أنك من أجل أن تكون إنساناً ولكَ حقوقٌ هي مسألةُ قيمة، وكأيّ قيمةٍ أخرى، فهي تتطلّب الكفاح حتى تكون جديراً بها وبهذه الحقوق المرتبطة بها. ولكنّنا نختلف على امتيازٍ يأتي إلى آخرين، بحكم جنسيّتهم وولادتهم فحسب، فينعمون بهذه القيمة دون كفاحٍ أو جدارةٍ. وهذا ليس حسداً لهم بل دعوة للمساواة بهم.

     أعرف أيّها المُعمِّمون في تصنيفاتكم وأيّها المُميِّزون في تطبيقاتكم وأيّها الناخِبون للبرامج العنصريّة أنكمْ أخلاقيّون، ترفضون الحرب وتحاربون الإرهاب. وأعرف أنّ الخجل يعتريكم وتشعرون بالقرف كغيركم من الناس. كما أعرف ما بيّنه “فرويد” عن علاقة الخجل والقرف بالأخلاق، وكيف أنه لتجاوز عتبة الخجل الحضاريّ والقرف الحضاريّ لا بدّ من رغبةٍ مكبوتةٍ تساعد على مثل هذا التجاوز. ولكن ما لا أعرفه هو كيف اجتزتم عتبة خجلكم وقرفكم من التعميم العنصريّ ومن التمييز العنصريّ؟ أفلا تخجلون من هذه التمييزات ومن هذه التعميمات؟! أفلا تقرفون؟! وما هي هذه الرغبة التي ساعدتكم على مثل هذا التجاوز لعتبة أخلاقكم، إن لم تكن رغبة التمييز والتعميم وشهوتهما، لإراحة ضميركم؟ فمنذ فلسفة “كانط”، وتأسيسه للواجب الأخلاقي على عموميّة القاعدة الأخلاقيّة وكليتها وضروريتها، لم نرَ منكم غير التمييز العنصريّ في تطبيق هذه القاعدة العموميّة، وكأن الواجب الأخلاقيّ عندكم يرتبط بعموميّة القاعدة الأخلاقيّة شكلاً كارتباط بياض الثلج ببياض الجبنة! فيا للمفارقة؛ إنكم لا تخجلون ولا تقرفون من قدرتكم على أذيّتنا، ولكنكم تخافون من انعدام قدرتنا على أذيّتكم! وعلى الرغم من هذا تعاملوننا وكأننا “حصان طروادة” الذي سيفجِّر حضارتكم من الداخل!

     طبعاً، لا يدين “العالم المتمدن” لي بتفسيراتٍ على خذلانه للاجئين الفعليين والمُحتملين، ولا ألومه على تقديره لمصالحه، ولكنه يخطئ إذ يعتبر أننيّ أدين له بالاعتذارات عن كوني ضحيّة لسياسات قصديّة ومنهجيّة؛ أي، حربيّة وإرهابيّة وتعميمية وتمييزية!

     أنا لاجئٌ مُحتملٌ يمسح بعين الطائر من علٍ سكينة السلام وعموميّة القيمة الإنسانيّة ويحلم بتطبيقهما، ويحيا بعين الضفدع ملتصقاً بوحل الحرب ومستنقعات الإرهاب وتصحر التمييز وجفاف التعميم من دون أمل. أنا من قامت على ظهري الحرب والإرهاب وسياسة التمييز وسياسة الهويّة. وقد حلمت مرة بالمواطنة العالميّة فابتلعني “الثقب الأسود” الخاص بالدولة القوميّة والوطنيّة وسياسة الهويّة.

     أنا لاجئٌ بلا سور ليحميني من الغرباء المتربصين بي خارجه، أو ليحميني من الأهل الذين داخله. إن لاجئاً بلا سور هو لاجئٌ مستباحٌ؛ عليه في آنٍ، الاندماج وابتلاع التنمّر، كما عليه امتصاص الحرب والإرهاب! لا لغة يسكن فيها، ولا وطن يسكن إليه، يضيع بين الوطنية وبين العولمة.

     لا بدّ إذاً من إعادة توطيني، ولكن ليس في وطنٍ ما، بل في العالم الافتراضيّ. إنّ عالماً بلا سورٍ ما هو إلّا العالم الافتراضيّ. فلا تجلبوا، رجاءً، أسواركم إليه؛ أي، لا تجلبوا إليه حربكم وإرهابكم وتعميماتكم وتمييزاتكم العنصريّة، لتبقى دروب اللجوء مُحتفلةً بالتهجين والاختلاف بين الشعوب، ورافضةً لغثيان التجانس والتشابه في السكان الأصليين.

*كاتب سوري