الصفحة الرئيسية رأي وتحليل عن أي استقرارٍ في سوريا يتحدثون؟

عن أي استقرارٍ في سوريا يتحدثون؟

بات الحديث عن “الاستقرار في سوريا” بمثابة اللازمة الثابتة التي لا يتوقّف أحد من المسؤولين الدوليين أو العرب عن تكرارها خلال اجتماعاتهم أو في تصريحاتهم ومواقفهم المعلنة حيال القضيّة السورية، سواء كان المتحدّث من حلفاء نظام الأسد وداعميه، أو حتى من أولئك الذين ادّعوا في يومٍ ما وقوفهم إلى جانب ثورة الشعب السوري. ولا يختلف الحال عند من فضّلوا “الحياد” أو مسك العصا من المنتصف طوال سنوات الثورة ثم الحرب في سوريا، إن كان ثمّة حياد ممكن إزاء حدث تاريخيّ هائل له من الحجم والتأثير ما للثورة السورية.

لاعجب في هذا، لأنّ “الاستقرار” لطالما كان إحدى الكلمات السحرية الأثيرة في قواميس الأنظمة والحكومات بوجه عام، ولدى المستبدّة منها على وجه الخصوص، حيث أنّ العمل على تحقيقه أو الحفاظ عليه أو إعادته كثيراً ما كان يشكّل الغطاء الملائم الذي يمكن له أن يخفي العديد من المجازر والانتهاكات المرتكبة من أجل هدف كهذا في صوره وأشكاله المختلفة. وباسمه أيضاً يسهل تمرير الصفقات القذرة وعقد الشراكات والتحالفات وتبريرها حتّى مع أعتى الطغاة والمجرمين، حيث تتبدّل المواقف وتعيد الدول ترتيب الحسابات فيما بينها، إلى درجة يغدو معها من المقبول والمفهوم جداً في عرفها أن يصبح العدوّ صديقاً والصديق عدوّاً والسفّاح “صمّام أمان”، وهذا كلّه كرمى لعيون ما يسمّونه “استقراراً”!

الأمثلة أكثر من أن تُحصى. ها نحن نتابع يومياً إشادة حكومات العرب والعالم بأهمية عودة “الاستقرار” إلى مساحات متزايدة من الأراضي السورية، وقولهم إنّ ذلك سيدفع بعجلة “العملية السياسية” قدماً، وهو ما من شأنه تحفيز اللاجئين والنازحين على العودة إلى ديارهم، فضلاً عن أهميته من أجل الشروع بإعادة الإعمار. وفي الوقت عينه، يزدهر في خلفية المشهد موسم الصفقات العلنية كما السرّية بين العواصم على حساب دماء السوريين وخراب بلادهم، فيما يتشدّق بانتصاراته من كان السبب في بلائهم.

لكن أيّاً تكن التبريرات الدبلوماسية والثرثرة الإعلامية التي يحاول أصحابها تجميل هذه المواقف وتسويغها، فإنها، في المحصلة، تنطوي ضمناً على مباركة – أو في الحدّ الأدنى قبول وإقرار – “انتصار” سفّاح دمشق على شعبه، إذ إنّها تبرز وتتكاثر في كلّ مرّة تتمكّن فيها قوّات الأسد وحلفائه من استعادة السيطرة على مناطق كانت خارج قبضتها منذ سنوات، وهو بالضبط ما يصفونه بـ”الاستقرار” كونه أمرٌ يُصوّر ويسوّق له كبديلٍ عن حالة “الفلتان والفوضى” التي سادت تلك المناطق. لا غنى هنا عن الإشارة إلى الدور الهائل الذي لعبته وتلعبه أسطوانة “الحرب على الإرهاب” في تسهيل المهمة أمام الطغمة الأسدية في عملها على “استعادة الاستقرار”، دون أن ننسى إسهام فصائل الجهاديين المختلفة الفعّال في جعل هكذا “استقرار” مرغوباً، إذ إنّ ممارساتهم وصراعاتهم والنماذج البائسة التي قدّموها كان لها فضل كبير في رسم صورة قاتمة دفعت بالكثيرين إلى تفضيل جهنم الأسد على جنّة ما كان يطيب للكثيرين تسميته “المناطق المحررة”.

ثمة ما ينبغي الانتباه له والتأكيد عليه، وهو أن ما يعنيه “الاستقرار” بالنسبة للحكومات والأنظمة يختلف تماماً عن ذلك الاستقرار الذي تنشده الشعوب ويتطلّع إليه الأفراد عموماً في حيواتهم بكل تفاصيلها، من الدراسة إلى العمل إلى العائلة وسواها من شؤونهم، بما يعنيه من شعور بالأمان حيال حاضرهم ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم من بعدهم، وهو ما كان يفتقر إليه السواد الأعظم من السوريين الذين عاصروا الحقبة الأسدية.

ما من شكّ أنّ هناك من سيرفض هذا التمييز بين “الاستقرارين” أو يرى فيه شيئاً من المبالغة، أو حتّى شططاً وتحميلاً للأمر على غير مقتضاه. يمكن الردّ ببساطة على هذه الآراء وتأكيد حقيقة الفكرة السابقة من خلال استعراض الحصيلة الكارثية التي أفضى إليها “الاستقرار” المديد لنظام الطغيان الأسدي طيلة عقود، بما رافقه من اضطراب مزمن وقلق لا نهاية له لازم حياة السوريين ووسمها بطابعه على الأصعدة كافّة: الاجتماعية والقانونية والاقتصادية وحتى النفسية، إلا أنّه كان مخفيّاً تحت غطاء سميك من استقرار الرعب وانعدام الكرامة، الذي تشرف عليه وترعاه مخابرات الأسد وفِرق الموت المرتبطة به. وبعد أن زلزلت الثورة السورية “الاستقرار” الأسدي وخلخلت أركانه لبعض الوقت، رأينا التكلفة المهولة التي تطلّبتها عمليّة إعادة هذا “الاستقرار”.

إن الثورات المضّادة التي أودت بثورات الربيع العربي عموما ًوبالثورة السورية على نحو خاصّ، هي في جوهرها عملية مقصودة واعية ومنظّمة، أراد من وقفوا وراءها الدفاع باستماتة عن استقرارهم الذي يعني احتفاظهم بالسلطة في بلدانهم واستمرار سيطرتهم على مقدّراتها. بالتالي ليس أفضل لتحقيق هذه الغاية من دعم الأنظمة التي أرادت الثورات الشعبية الإطاحة بها، ومساعدتها على استعادة سلطتها، أي “الاستقرار” خاصّتها. من هذا المنظور سيكون من المنطقي أن تُستأنف العلاقات الدبلوماسية ويُعاد افتتاح السفارات لتعزيز الوضع الجديد، أو بالأحرى القديم الذي جرت استعادته. المفارقة السارّة بفعلهم هذا أنهم، من حيث لا يدرون، يكرّسون الحاجة إلى الثورات التي أرادوا وأدها، فهم يمدّونها بمزيد من الأسباب تُضاف إلى أسبابها الأصلية، لأنّ انتكاسة الموجة الثورية الأولى لا يعني القضاء على فرص ظهور موجات أخرى مستقبلاً، ومهما بلغ أرباب الثورات المضادّة من مكرٍ ودهاء فهم لن يتفوّقوا على مكر التاريخ، والذي يستحيل معه استمرار أيّ “استقرار” إلى الأبد.

  * كاتب سوري

مصدر الصورة: كاتب المقال، والصورة بعدسة حنا ورد.