الصفحة الرئيسية رأي وتحليل ريف/ مدينة.. إعادة تعريف على ضوء الثورة السورية

ريف/ مدينة.. إعادة تعريف على ضوء الثورة السورية

0

خلال احتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا، اعتبر أحد المحللين العرب ممن وقفوا ضدها أن المحتجين ريفيون، بعيدون عن المدن بما هي عليه ثقافةً ومعرفةً، قاصداً بذلك إطلاق صفة الجهل عليهم بوصفهم “ريفيين”! فلو كانوا مدينيين (من المدن) لكانوا عبروا “بطريقة أخرى” عن مطالبهم. واعتبر أن التعبيرات “العنيفة” التي لجأ إليها بعضهم هي تعبيرات ريفية كذلك.

في التحليلات الكثيرة للثورة السورية، اتخذت الغالبية العظمى للدراسات والتحليلات، (وربما جميعها)، منطلقاً واحداً وهو اعتبارها “ثورة ريف”. خلال تلك الدراسات كان واضحاً وبجلاء، ضبابية مفهوم الريف والمدينة، إذ اعتبر بعض الكتاب أن دير الزور والرقة، كمثال، ريف! بحكم أن المدينتين تعتمدان على الزراعة. وعلى اعتبار أن دمشق وحلب غير مشكوك أنهما مدينتان من حيث، فقط، أنهما غير زراعيتين، فقد اعتبرت بعض الدراسات أن المتظاهرين فيهما، وبنوع من التنجيم، هم من أبناء الريف. كان ثمة قاسم مشترك بين أغلبية الدراسات وهو أن أهل الريف يتسمون بنوع من التطرف، ليس بمعنى التطرف الديني، بل بمعنى المغالاة في كل شيء، من مثل: كل شيء أو لا شيء. وثمة من اعتبر أن المظاهرات السلمية مدينية وريفية، أما السلاح فهو ريفي فقط، بنوع من إطلاق صفات جوهرانية على الناس.

دراسات الريف والمدينة أوربية النشأة، وإذا كان ثمة وجهات نظر كثيرة في هذا الموضوع، فإن المتفق عليه هو أن المدينة الحديثة نشأت عقب الثورة الصناعية، وجرى تفصيل (ممل) في الفروق بينهما وفي خصائص كل منهما، وأسباب تلك الفروق. وعلى الرغم من الفروق الواضحة بين الريف والمدينة أوروبياً وبين مقابليهما عربياً، إلا أن الدراسات العربية للتفريق بين الريف والمدينة العربيين جرت انطلاقاً من الأسس ذاتها التي انطلقت منها الدراسات الأوربية، مع تعديلات طفيفة هنا وهناك لا تتحكم بالتوجه العام لهذه الدراسات ولا تجعلها منطلقة من الواقع. ولم تكن سوريا في منأى عن ذلك، فجرت تلك دراسات انطلاقاً من الأسس الأوربية ذاتها. وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي حدثت في سوريا نتيجة التغيرات والانتقالات في طبيعة وشكل السياسات الاقتصادية المتبعة خاصة في زمن حافظ الأسد، إلا أن ذلك لم يؤثر لدى الكثير من الكتاب على الإمعان في إبقاء الريف ريفاً والمدينة مدينة، الأمر الذي يشير إلى سطوة الأفكار الأوربية تلك، وبقائها، هي لا الواقع الناشئ، مرجعاً لوجهات نظرهم.

بعد الاستقلال اتجهت سوريا إلى واقع مديني: فقد استمرت بعض منظمات المجتمع المدني بالعمل، وبعضها الآخر استأنف نشاطه الذي أوقفه الفرنسيون، ونشأت منظمات أخرى، إضافة إلى حكومات منتخبة، وحرية إعلامية مع غزارة في الصحف والمجلات، فقد بلغ عدد الجرائد عام 1948 خمساً وأربعين جريدة، وقد كان عدد سكان سوريا آنذاك يقدر بـ 4 ملايين نسمة. وكذلك كانت لكل مدينة صحفها الخاصة بها التي تغطي نشاطاتها فقط، إضافة لعدد من الجرائد تطبع طبعتين في اليوم الواحد: طبعة صباحية وأخرى مسائية، مع ديمقراطية سمحت لقطاعات الشعب التعبير عن نفسها بصورة حرة بكل معنى الكلمة. وقد أسس القانون رقم 47 لعام 1953 لحرية غير مشروطة بتشكيل المنظمات والجمعيات والأحزاب السياسية، فتشكل العديد من الأحزاب والكتل البرلمانية التي اتخذت دورها الحقيقي بمراقبة عمل الحكومة ومحاسبتها بكل صرامة، فطبعت الحياة العامة بطابع النشاط المدني والسياسي والبرلماني…

لكن تم سحق هذه الحياة النشطة أولاً: خلال الوحدة مع مصر، وثانياً: خلال وصول حزب البعث إلى السلطة، ثم: مع حافظ الأسد.

ألغى عبد الناصر القانون 47 / 1953 وأحل محله القانون 93 لعام 1958 ليلغي حرية تشكيل المنظمات المدنية والأحزاب السياسية إلا بموافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي تستطيع أيضاً سحب الترخيص متى شاءت. وعام 1969 تم تعديل هذا القانون جزئياً ليزيد من تدخل سلطة الدولة، إضافة إلى قانون الطوارئ الذي ألغى نهائياً الحياة العامة: مدنياً وسياسياً.

ومع وصول الأسد الأب إلى السلطة، وبعد فترة زمنية قليلة، انقض على الحياة السياسية فأنشأ الجبهة الوطنية التقدمية وألحق بها بعض الأحزاب التي تسير على طريق تحقيق أهداف حزب البعث وبقيادته بوصفة الحزب القائد للدولة والمجتمع، ومنع الأحزاب الأخرى التي بقيت تعمل في السر ثم انقض عليها سجناً ونفياً وقتلاً. وحول المنظمات المدنية التي أنشئ بعضها منذ عهد الانتداب الفرنسي والتي بلغ عددها آنذاك أكثر من 600 جمعية ومنظمة، حولها إلى أدوات تعمل كأجهزة موازية لأجهزة المخابرات: الاتحاد النسائي، اتحاد الكتاب العرب، اتحاد الشبيبة… ثم أنشأ منظمة طلائع البعث ليسيطر حتى على الأطفال. النشاطات التي سمح ببقائها وسمح بإنشائها هي فقط الجمعيات الأهلية وليست المدنية: مثل المياتم الإسلامية والمسيحية، جمعية البر والإحسان، إلخ… وهذه نقطة تحول غاية في الخطورة، إذ إنها تعني عملية تحويل مجتمع بأسره إلى مجتمع أهلي ونزع صفة المجتمع المدني عنه، بل ومنعه من التحول نحو ذلك!

نحن، كسوريين، نتذكر محاولات “ربيع دمشق” إنشاء لجنة اسمها: „لجنة إحياء المجتمع المدني” و”منتدى الحوار الوطني”، وقد كان ذلك بهدف جعل المجتمع السوري يعود إلى سابق نشاطه المدني ويتحول من جديد إلى مجتمع مدني. لكن ذلك لم يتم كما نعرف جميعنا.

يذهب تاريخ الفكر إلى اعتبار مجتمع المدينة مجتمعاً مدنياً، ومجتمع الريف مجتمعاً أهلياً. فالجمعيات الأهلية تقوم على اعتبارات عائلية أو عشائرية… كان دورها إيجابياً في تماسك المجتمع في الأزمات الكبرى، لكن في الدولة الحديثة يكون دورها عائقاً، إلى حد ما، أو إلى حد كبير، أمام تطور المجتمعات لاستنادها على مفاهيم ما قبل وطنية تخص فئة أو جماعة بعينها فقط. أما منظمات المجتمع المدني، فهي تعنى بالشأن العام وتتخذ نظاماً دقيقاً ممأسساً مبنياً على أنظمة داخلية واضحة الأهداف والضوابط مثل الحرية، التسامح، التعددية… وتكون مستقلة عن الدولة، وتقف مصوّبة أخطاء الحكومات وناقدة لها ومطالبة بإصلاحها أو تغييرها، إلى آخر ما هنالك مما صار معروفاً في عمل هذه المنظمات، ويساعدها على ذلك أن العمل فيها تطوعي بحت، فلا امتيازات ولا تبعية، حتى لو اعتبر ميشيل فوكو أن منظمات المجتمع المدني” ليست مثالية” تماماً من حيث استقلالها، إلا أنها، أيضاً، ليست خاضعة تماماً للدولة أو لجهات أخرى… كل هذه الصفات تجعل منها غير مدافعة عن جماعة بعينها، أو فئة بعينها، حيث أن مجتمع المدينة متعدد ومتنوع مذهبياً، إثنياً، وكتوجهات فكرية وسياسية…

عادة ما تعتبر الأنظمة الطغيانية هذه المنظمات معارضة، لذلك تتهمها بالارتباط بالخارج وبأنها ذات أجندات، لذلك تقف ضدها وتقصيها عن العمل، أو تلحقها بها كما فعل نظام الأسد، أو تعتقل أفرادها.

هذا على مستوى “مدنية” المجتمع، الذي بدأت الخطوات الأولى لإيقاف تطوره منذ الوحدة مع مصر، والذي تم القضاء عليه نهائياً مع حكم حافظ الأسد وتحويله إلى مجتمع أهلي.

أما على مستوى “ريفية” المجتمع، فإن السياسة الاقتصادية التي اتبعها البعث من تأميم وإصلاح زراعي ساهمت في تفكيك الملكيات الكبيرة، ما أدى إلى انعدام وجود إنتاج زراعي على المستوى الوطني، والملكيات الصغيرة التي تعود للناس لم تحقق لهم أي نوع من الاكتفاء الذاتي. وقد اعتمدت سلطة حافظ الأسد على ما يمكن تسميته (اقتصاد) البورجوازية الكمبرادورية (حسب تعبير أدبيات اليسار) الذي أدى إلى ظهور فئات اجتماعية جديدة محدثة النعمة حققت ثروتها عبر عمليات التهريب التي كانت محمية من النظام ومخابراته، وكذلك عبر سياسات النهب ضمن شبكة من علاقات الفساد التي وفرتها ورعتها السلطة للمقربين منها. فجرى الاستغناء عما يمكن أن يقدمه الريف للاقتصاد الوطني بل جرت عملية إفقار غير مسبوق له، الأمر الذي أدى إلى هجرات واسعة من الريف إلى ضواحي المدن، كان أشدها وقعاً على البنية الاجتماعية تلك التي حدثت منتصف الثمانيات (1986)، الأمر الذي ساعد بدوره على إنشاء عشوائيات شكلت النسبة العظمى من بناء المدينة. الريفيون الذين هاجروا عملوا غالباً كمياومين في ورشات بناء أو ورشات زراعة وقطاعات خدمية أخرى، وبعضهم التحق بوظائف القطاع الحكومي واستقر نتيجة ذلك في المدن (الحقيقة، في ضواحي المدن، وفي العشوائيات)، بالإضافة إلى ظاهرة التطوع في الجيش الناجمة في غالبيتها عن الفقر وانعدام فرص العمل، والتطوع في أجهزة المخابرات، وفيما يعرفه المجتمع السوري أن غالبية المتطوعين كانوا من الأرياف السورية المفقرة على نحو مريع.

حدث أيضاً نوع من الهجرة المعاكسة من المدينة إلى الريف، وإن كانت بحدود دنيا، فظاهرة الفقر اضطرت الناس إلى بيع أراضيها وكان المشترون هم ذاتهم أصحاب الثروات الناجمة عن عمليات الفساد والتهريب، الأمر الذي يعني أن المقربين من السلطة: بعض بورجوازيي المدن، والسلطة ذاتها: ضباط المخابرات والجيش الكبار، فاستحوذ هؤلاء على مساحات كبيرة من الأراضي في الأرياف، وتم افتتاحها، خاصة في عهد الأسد الابن نتيجة للسياسة “الليبرالية” شديدة التوحش التي اتبعها، كـ “مولات” ضخمة: كفر سوسة كمثال حيث انبنت هذه المولات مكان الأراضي الزراعية، وكذلك في جرمانا وغيرها…

هذا المشهد برمته شكل وضعاً اجتماعياً فريداً، فلم تعد المدينة مدينة ولم يعد الريف ريفاً كذلك، بدا الأمر على نحو شديد البساطة: مجموعات كبيرة من الناس، هي غالبية المجتمع السوري، محرومة من حقوق العمل والاستقرار والتعبير والعمل السياسي والنشاط المدني بأنواعه وأشكاله، مقابل مجموعة سلطوية وقربية منها تتحكم بالمصائر والعيش اليومي. هذا الوضع يمنعنا، فيما لو خرجنا خارج الكتب المترجمة والمؤلفة نحو الواقع الحقيقي، من إطلاق تعبيرات سهلة من مثل: ريف ومدينة، إذ إن ما يحدد ذلك فعلياً هو قوى وعلاقات الإنتاج، وقد رأينا أن هذه القوى وتلك العلاقات كانت متأرجحة وغير ثابتة، خاصة مع صول البعث وحافظ الأسد إلى السلطة.

بالإضافة إلى ذلك، ثمة ما ألغى، إلى حد كبير، تلك الفوارق بين المدينة والريف هو وسائل الاتصال ومن ثم التواصل. التلفزيونات والصحون اللاقطة منعت سكان المدن أن يكونوا أكثر اطلاعاً على ما يحدث في العالم وعلى المستجدات من سكان الريف. والإنترنت منع احتكار المدن والعواصم للمعرفة والنشر والتعبير، وبالتالي تم فقدان هذه المركزية، ووسائل التواصل الاجتماعي ألغت المسافات، فلم يعد البعد المكاني يشكل أية عقبة، ولم يعد العيش في المركز امتيازاً. ومع أن وسائل الاتصال والتواصل كانت عامة وتخص العالم برمته، إلا أنها أيضاً ساهمت، في الحالة السورية بطبيعة الحال، في إذابة هذه الفوارق إلى حد كبير.

لذلك فإن حديث المحلل عن السترات الصفراء، وحديث السوريين عن ثورتهم، كلاهما حديث يفتقر إلى النظر في الواقع كما هو، وليس كما ورد في الكتب.

وعلى هذا، فثورة السوريين ليست ريفية وليست مدينية بالمعنى الرائج، بل ثورة مجتمع. إنما تطلعاتها كانت مدينية: مجتمع مدني تعددي ديمقراطي.

*كاتب سوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments