مات حسن نصر الله.. خبر يتداوله الكثيرون، في حين تنتشر في وسائل الإعلام وبكثافة ملحوظة مداخلات وتسجيلات صوتية تتضمن تأكيدات بأن جثمان السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني، موضوع في البرادات منذ “أربعة” أيام، بعد أن وافته المنيّة إثر مرض عضال ألمّ به، هو عبارة عن سرطان عانى منه منذ سنوات.

مات حسن نصر الله.. لكنّ مصادر أخرى للشائعات تشير إلى أن الرجل أصيب بنوبة قلبيّة تطلّبت نقله إلى مشفى لبناني، بعدما اتخذ الحزب قراراً نهائياً بعدم اللجوء إلى المشافي السورية بأي حال من الأحوال.

وإذ ترافقت هاتان الشائعتان مع كثير من أماني من تبقّى من الضحايا والمكلومين الذين أسهمت ميليشيا حزب الله في دمار ديارهم وأوطانهم، وقتل أبنائهم وذويهم، وإصابة أبنائهم بالتشوهات والإعاقات الجسدية والرضوض والصدمات النفسية، فإن هذه الشائعات المتضاربة اشتملت في طياتها على مشتركات هي أن ضباطاً ومسؤولين كباراً من الحرس الثوري الإيراني يتحركون حثيثاً في مناطق حزب الله، ويجرون المقابلات والمداولات مع كوادر الحزب القيادية، ومراكز توازنه هنا وهناك.

لم يمت حسن نصر الله بعد. صحيح أن إعلام حزب الله قد لجأ إلى تجاهل الخبر برمّته لكنّ الرجل حيّ يرزق. هذا على الأقل ما تقوله المصادر الإيرانية، وقناة العالم تحديداً، التي نفت الخبر جملة وتفصيلاً، والتي وعدت بالردّ على الشائعات من خلال مقابلة ستجريها هذا الأسبوع، لكنها تأجّلت إلى السبت المقبل المصادف 26 كانون الثاني/ يناير الجاري. ولعلّ تأجيل هذه المقابلة ينساق في إطار التحضير لها أكثر، عبر تعزيز شائعات وفاته ذاتها، كي تأتي المقابلة بعدئذ نفياً قاطعاً يبرهن على كذب المصادر، وتضفي مزيداً من هالة البطل على الرجل الذي يعاني هذه الأيام من وطأة التنكيل الإسرائيلي بسمعة محور الممانعة، عبر الضربات الإسرائيلية المتلاحقة تنفيذاً لتفاهم إسرائيلي روسي أمريكي، مع إخطار إيراني على الأغلب.

لم يمت حسن نصر الله بعد. لكن هذا لا يعني أن مسألة موته ليست مطروحة اليوم على طاولات مراكز القرار في الحرس الثوري الإيراني، ولدى مكتب المرشد العام ذاته؛ وإذا كان اسم البديل الذي سيحل محله جاهزاً على الأغلب في ملفّات الحرس الثوري الإيراني، فإن تسنّمه صولجان القيادة “ديمرقراطياً” وعبر انتخابات حزبية “نزيهة”، يتطلب توافقات بين مراكز القوى في الحزب، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وأمنياً و”شرعياً” كذلك، ولعلّ الأهم التوافقات بين ما يسمّى “تجمّع العائلات القيادية المتصاهرة” التي تقبض على الأمن والمال في الحزب.

يبدو نائب أمين عام حزب الله في لبنان، الشيخ نعيم قاسم، البالغ من العمر 66 عاماً، والذي تقلّد مؤخراً، للطرافة، وسام مئوية الجيش الأحمر من طرف الحزب الشيوعي الروسي، أهزل المرشحين لخلافة السيد حسن نصر الله. ولا يبدو أنه سيلعب أكثر من دور “عبد الحليم خدام” في ترؤّس جلسة انتخابية يتسلّم في إثرها الأمين العام الجديد مهامّه. فعلى الرغم من أنه أكثر شخص بروتوكولي يظهر إعلامياً بين فترة وأخرى بعد الأمين العام، وعلى الرغم من أنّه يحضر بعض الاجتماعات هنا والمؤتمرات هناك، ممثلاً لحزب الله، ويلقي بتصريحاته المصاغة سلفاً على هذا المنبر أو ذاك، إلا أنه قبل كل شيء ليس “سيّداً”، بل صاحب عمامة بيضاء لا تجدي فتيلاً لدى تكتّل عائلات “السيّاد” المهيمن على الأجهزة الأمنية والمالية. وأقصى ما يمكن أن يصل إليه هو منصبه الحالي، الذي سيسعى للحفاظ عليه.

فيما يبدو مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، الحاج وفيق صفا، والذي يطلق عليه بعض جمهور حزب الله لقب “ثعلب الحزب”، مرشحاً قوياً للخلافة، خصوصاً وأنه قادم من المؤسسة الأمنية التي جاء منها أساساً “السيد حسن نصر الله”.  إلا أنه يفتقر إلى ترحيب البيئة اللبنانية التي عمل فيها تضييقاً وتنكيلاً لسنوات، أعلن بعدها منذ نحو عام أنّه علق مهامه الاستراتيجية وتفرغ للقضايا الحساسة الطارئة، بالإضافة إلى كونه أيضاً ليس “سيّداً”.

هاشم صفيّ الدين، رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله، وابن عمة أمّ السيّد حسن نصر الله، يبدو مرشّحاً قوياً للخلافة، إن لم يكن الأقوى. خصوصاً بفضل الصلة العائلية مع الأمين العام التي أتاحت له وصولاً مميزاً إلى آليات اتخاذ القرار، وإشرافه عن كثب على الأنشطة الاقتصادية للحزب، ومنها إشرافه على إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعرضت لدمار كبير بعد حرب تموز سنة 2006. ولأنّه أيضاً: “سيّد”.

بيد أن القرار النهائي هو بيد الإيراني، الذي سينصّب في الخفاء ضابطاً إيرانياً يمسك بكل زمام أمور حزب الله ويشرف عليه عن كثب، ريثما تكتمل إجراءات منح الأمين العام الجديد بعضاً من صلاحيات الأمين الحالي. وستبقى الأمور لوهلة تحت السلطة الدقيقة والمباشرة لهذا الضابط، قبل أن يسلّمها تدريجياً وجزئياً للأمين العام “المنتخب ديمقراطياً”.

في النهاية، “لكل أجل كتاب”، و”الأعمار بيد الله”، وسيموت الرجل بعد أن يكون قد ترك بصمة مهمة في تاريخ لبنان، وسوريا، والشرق الأوسط عموماً بما فيه البحرين واليمن. سيموت، ولعلّ أوهى بصماته هي في تلك البلاد التي يوحي إعلامه أنها وجهة بوصلته: القدس وفلسطين. سيموت بعد أن يكون قد رسّخ اسمه في ذاكرة الشعوب إلى جانب زعماء لن ينسوهم، مثل حافظ الأسد وصدام حسين ومعمّر القذافي. لكن ليس من المتوقّع لخصومه وخصوم حزبه أن يكسبوا حينها سوى رحيل خصم يمتلك كاريزما قوية، وحضوراً مشهدياً ناجحاً، وسيرة شخصية مؤثّرة استثمرت بنجاح استشهاد ولده هادي. لكن البديل الذي ستختاره إيران ليستلم منصب الأمين العام بعد “انتخابات ديمقراطية” لن يكون أقلّ شأواً من سابقه من حيث الحضور على الساحة السياسية اللبنانية الداخلية. إذ سيظلّ ديدنه خدمة الجمهورية الإسلامية، والامتثال التام للسياسة الإيرانية، ولتكتيكاتها وأهدافها وغاياتها… أما أنصاره فسيفتقدون الحضور القويّ الطاغي للزعيم المقدّس والسيّد المهيمن، وسيفتقدون خصوصاً “صرمايته” التي ضحّوا بأبنائهم قتلى في سوريا فداءً لها، ولن تعزّيهم أي “صرماية” بديلة!

*اسم مستعار لكاتب سوري