يدور نقاش واسع على العام والخاص حول “هزيمة الثورة السورية”، ويوحي الواقع المشرذم والعدائي والخلافي بين جميع مكونات الثورة، السياسية منها، الثقافية، العسكرية، الاجتماعية، الفردية والإعلامية، بأن الهزيمة هي العنوان الأكثر مطابقة لوجه الحاضر والمستقبل.

كما لا يتوقف الكثير من المثقفين والمحللين والمعلقين، السوريون وغير السوريين، عن المطالبة بضرورة إعلان الهزيمة، أو الاعتراف بالهزيمة كحدّ أولي وضروري لتجاوزها، أما في حال ذهبنا للناس العاديين (حطب الثورة وضحاياها ومشرديها)، أو ذهبنا إلى الناس الباقين تحت حكم الأسد في سوريا (موالاة ومعارضة)، فإن الهزيمة هناك مسألة لا جدال فيها، وبالتالي انتصار النظام هو أيضاً أمر واقع، إن لم يكن هو الواقع!

قبل الدخول في الجدال والردّ حول صحة هذا الكلام من عدم صحته، لا بد من توضيح بعض النقاط حول مسألتَي الهزيمة والنصر، لوضع الحد الفكري، ومن ثم الواقعي، على رؤيتنا للحدث السوري ونتائجه، فحروب الكلام لا تقل قسوة ولا تدميراً أو تأسيساً للمستقبل عن حروب الواقع (حيث لا أحد يذهب للواقع برأس فارغة، ومن يذهب للواقع وفي رأسه “ثورة”، ليس كمن يذهب للواقع ذاته وفي رأسه “مؤامرة” أو “أزمة”! فالتعريف تحديد، والتحديد توجيه، والتوجيه فعل).

الأمر الأول هو أن حدي الهزيمة والنصر هما حدّان متطرفان معيارياً، والواقع المعاصر، بما فيه واقع الثورة، هو واقع أعقد بما لا يقاس من المفاهيم الثنائية والحدود المانوية، بل هو واقع تعددي، لا قطبي، غير سببي وغير حتمي، فوضوي ويعج بنسبية الحقائق والمعلومات وموازين القوة المتغيرة، واختزال ذلك الواقع لثنائية الأبيض والأسود، ليس تحريفاً لذلك الواقع فحسب، بل هو غش وخداع أيديولوجي يتم توظيفه في صالح دعاة أحد طرفي المعادلة دون أن يُعبِّر ذلك بأي شكل عن النصر الساحق أو الهزيمة الماحقة.

 فالثورة المصرية أسقطت النظام لكنها لم تنتصر، والثورة التونسية انتصرت، لكن النظام القديم لم ينهزم بعد. أما في سوريا، فالقول بأن النظام انتصر يجافي واقعياً أكثر الحقائق بديهية في عالمي السياسة والسيادة، فمن حيث السيادة يبدو واضحاً للقاصي والداني كيف تتقاسم روسيا وإيران سيادة النظام، بينما تتقاسم سيادة الدولة السورية، بالإضافة للنظام وروسيا وإيران، كل من أمريكا وتركيا، وبالتبعية قسد والفصائل الإسلامية (وهنا لن نتكلم عن إسرائيل التي تسرح وتمرح وتقصف وتنتظر الرد بالأغنيات). ليس النظام سيداً على الأرض السورية ولا سمائها، ليس سيداً على سياستها ولا اقتصادها ولا اجتماعها، والحديث عن نصر هنا يصبح كحديث العنين عن فحولته وانتصاراته الجنسية.

لكن بالمقابل، لم ينهزم النظام أيضاً، فما زال مُمثَّلاً في الأمم المتحدة، يصدر جوازات السفر، يسيطر على العاصمة وعلى معظم مرافق ومؤسسات وثروات البلد، يحتجر أكثر من مائتي ألف معتقل، يسحب المتخلفين عن الجيش، ينصب الحواجز والمحاكم الميدانية ومحارق الجثث، يعقد الاتفاقات ويبيع البلد… باختصار، ما زال النظام الأمني هو ذاته، بل أسوأ من السابق بأضعاف مضاعفة، وربما ذلك هو أكثر ما يهم الناس فعلياً، ويدفعهم للقول بأن النظام انتصر.

الأمر الثاني، هو ضرورة توضيح من انتصر فعلياً ومن انهزم حتى الآن في سوريا. إذ يمكننا القول: إن الطوائف انتصرت جميعها، لكن الشعب كلّه انهزم، لقد انتصرت الطائفة العلوية، لكن العلويين كأفراد عيانيين انهزموا، ومن يمثلهم سياسياً لا يمثلهم إلا طائفياً، بينما يُغرق حاضرهم ومستقبلهم بالدم والقتل والأوهام! لقد انتصرت الطائفة السنية، لكن السنة كأفراد هُزموا وقتلوا وهُجروا، ومن يمثلهم طائفياً لم يجلب لهم سوى المزيد من الهزائم والتهجير والموت، هذا عندما لم يقتلهم بيديه رغبة بتمثيلهم، والتمثيل بهم.

انتصرت القومية الكردية وصالح مسلم و”قسد”، لكن الأكراد كأفراد وكشعب تائق للحرية قد هزموا. انتصرت الميليشيات الدرزية الطائفية و”مشايخ التوحيد”، لكن الدروز كأفراد انهزموا… انتصر الجوع والبرد والتشرّد والتشبيح والعسكرة والطائفية والقومية الفاشية والموت في سوريا، لكن سوريا نفسها انهزمت. بهذا المعنى فقط تبدو ضرورة الاعتراف بالهزيمة ضرورة واقعية وعقلية وأخلاقية لتجاوزها، أما الحديث عن انتصار للنظام أو للمعارضة هنا وهناك، فلا يشفي سوى غليل الحقد والكراهية لدى قائليها. الواقع أن كليهما مهزوم حتى أخمص قدميه، فالمعارضة لا تمثل من تتكلم باسمهم من الشعب السوري، والنظام لا يمثّل محكوميه ولا موالاته، لا يمثل حقوقهم ولا حريتهم ولا طموحاتهم ولا حيوات أبنائهم ولا قتلاهم، بل يمثّل في كل ما سبق ذكره كمن يمثّل بجثة بعد قتلها.

ربما يمثل النظام حرية القتلة وطموح العصابات وحقوق القلة القليلة المتربعة على بقايا السلطة، وربما تختلف حياة الموالي في دمشق أو اللاذقية أو السويداء، عن حياة المعارض في إدلب أو مخيمات النزوح في الداخل والخارج، لكن من يظن أن جنّة الأول تختلف جوهرياً عن جحيم الثاني ليس سوى أعمى لا يرى الواقع إلا من قفاه.

إن التفكير من داخل قفص الثنائيات، لن يبقينا ويبقي الشعب السوري إلا في القفص، ومن لا يرى الجحيم السوري إلا بعين واحدة، لن يصبح إلا نسخة من طبيب العيون، الذي فقأ عين سوريا والسوريين، وأوصل البلاد إلى تلك الحالة العمياء وذلك الظلام المقيم.

*كاتب سوري

مصدر الصورة: لافتات كفرنبل