لا يكف النظام السوري عن تجهيز الحشود العسكرية  تمهيداً لاقتحام إدلب التي تعتبر آخر معاقل الثورة السورية، غير مبال بالاتفاق التركي الروسي الذي وقعه الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر سوتشي الذي عقد في السابع عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي. يتزامن ذلك مع استمرار القصف بقذائف المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ على عدة بلدات بريف إدلب وريف حماة الشمالي، تسبب بدمار عشرات المنازل السكنية ومدرستين ومسجد، وارتكاب ثلاث مجازر بحق المدنيين، كان أبرزها مجزرة مدرسة الخنساء في بلدة جرجناز التي راح ضحيتها أكثر من ١٠ شهداء معظمهم من الأطفال والنساء.

وعلى صعيد الأوضاع الإنسانية، فإن عمليات القصف التي ازدادت وتيرتها منذ نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي أدت إلى أوضاع كارثية في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، حيث انطلقت حركة نزوح ضخمة من مناطق ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي، خاصة من بلدات وقرى جرجناز والتح والتمانعة وأم جلال وأم الخلاخيل والفرجة وسحال، وقد وصلت نسبة النازحين من بلدة جرجناز  إلى حوالي٧٠%، فيما بلغت نسبة النازحين من بلدة التح إلى ٥٠% من عدد السكان.
وتوجهت أعداد كبيرة من النازحين نحو مدينة معرة النعمان القريبة والقرى المحيطة بها، فيما يتوجه نازحون آخرون إلى الأراضي الزراعية عندما يكون الضرب شديداً ليعودوا بعد أن يهدأ، لعدم قدرتهم على تحمل نفقات النزوح ودفع بدل إيجار المنازل، علماً أن المنظمات الإنسانية لم تقدم للنازحين رغم ارتفاع عددهم أية مساعدات حتى الآن لصعوبة العمل في تلك المناطق.

أحمد العبسي نزح مع أسرته من بلدة جرجناز إلى أحد المخيمات العشوائية على أطراف مدينة معرة النعمان يتحدث عن أوضاع النازحين بالقول: “خرجنا من بيوتنا دون اصطحاب أية أمتعة أو مؤونة معنا، كما أن أوضاعنا صعبة جداً في ظل الأحوال الجوية في فصل الشتاء، فالبرد والمرض يعصف بأطفالنا، ولا يوجد أي نوع من الاستجابة أو المساعدات يتم تقديمها من قبل المنظمات الإنسانية.”
الخمسينية أم حمزة من بلدة التح بريف إدلب أم لشهيدين قضيا إثر غارة جوية عام ٢٠١٤، ترفض الخروج من منزلها رغم القصف وعن سبب ذلك تقول: “مات الخوف في قلوبنا، وبكل الأحوال لن أترك بيتي، بل أفضل أن أعيش وأموت فيه، إذ لم يعد لدي ما أخسره.”
أبو مضر من معرة النعمان أحد القياديين في حركة أحرار الشام يقول: “النظام وروسيا وإيران ليسوا من أهل الوفاء بالمواثيق والعهود، فهم دوماً يماطلون في تنفيذ مايتم التوصل إليه من اتفاقيات للتهدئة، فحتى اليوم لم تلتزم هذه المليشيات بأية اتفاقية بل تجد لنفسها دوماً ذرائع لخرقها.”
ويضيف أبو مضر: “على أية حال نحن جاهزون للدفاع عن أرضنا، فالفصائل العسكرية الموجودة في إدلب لا يستهان بها، منها الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام، وغيرها من الفصائل، لذلك يجب على النظام السوري أن يدرك أن اجتياحه لإدلب سيكون استنزافاً قوياً له، فنحن مستعدون للمعركة ولن نتراجع، حيث نتابع تمتين جبهاتنا وتجهيز الخطط العسكرية لمواجهة أي عمل عسكري محتمل، ونعتبر هذه المعركة هي للشعب السوري بأكمله، وشعارنا فيها “ننتصر أو نموت”.
الشاب مصطفى العبسي أحد طلاب جامعة إدلب يبدي رأيه حول أوضاع إدلب الحالية بالقول: “تضم إدلب حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة من سكان أصليين ونازحين ومهجرين قسرياً، ويعمد النظام  إلى شن حرب نفسية على أهالي إدلب، لكننا على دراية تامة بالأساليب التي يتبعها لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، والأهالي أصبحوا يعرفون ويستوعبون ألاعيب النظام من خلال الإعلام والإشاعات الصادرة عنه، لكننا بكل الأحوال لن نهاب نظاماً متهالكاً، بل اتخذنا خيار المقاومة والصمود ولن نخرج من هذه البلاد مهما حصل”.
ويضيف :”في هذه الأوقات العصيبة التي يمر بها أهالي إدلب، نطالب قوى الثورة بالتوحد في معركة الدفاع عن إدلب، وأن يأخذوا الدروس من التجارب السابقة بأن جمع الصفوف وتوحيد الجهود هي المهمة العاجلة للارتقاء إلى تضحيات الشعب ومطالبه، وتوفير متطلبات استمرار الثورة رغم المحاولات الرامية لتصفيتها وإنهائها”.

التصعيد العسكري في إدلب يرافقه ازدياد حدة الفلتان الأمني، وكثرة وقوع عمليات الخطف والاغتيالات، حيث إن هناك أطرافاً أخرى تكمل ما يقوم به النظام من جرائم بحق المدنيين عموماً والكوادر الإنسانية والإعلامية على وجه الخصوص، فلا يكاد يخلو أسبوع دون وقوع حادثة خطف أو اغتيال في إدلب وريفها تستهدف أحد الناشطين أو المدنيين من قبل ملثمين مجهولين، منها اغتيال الناشطين رائد الفارس وحمود جنيد في مدينة كفرنبل بريف إدلب.
الناشط يوسف المحمد من معرة النعمان يقول: “الناشطون مستهدفون منذ بداية الثورة من قبل قوات النظام، ويتركز الخطف والاغتيال على الناشطين لإخماد صوت الثورة، على اعتبار نشاطهم لا يتوقف على توثيق الحراك الثوري وجرائم النظام بحق الشعب السوري، بل يمتد أيضاً إلى التأثير على الرأي العام للأهالي.”
ويؤكد “المحمد” أن بعض ضعاف النفوس استغلوا حالة الفوضى لارتكاب جرائم الخطف بهدف الحصول على الفدية من ذوي المخطوفين، مبيناً أن حوادث الخطف والقتل تأتي رغم نشر الحواجز الأمنية على الطرقات الرئيسية والفرعية، والدعوات المستمرة لرفع اللثام ووقف المظاهر المسلحة.
الإعلامي أيمن العبيد من معرة النعمان يرى أن الفصائل العسكرية، وفي مقدمتها “هيئة تحرير الشام”، تتحمل مسؤولية ما يحدث في إدلب من حوادث خطف وقتل، “فمعظم حالات الخطف تحدث في وضح النهار، وتزداد نسبة هذه الحوادث في مناطق سيطرة الهيئة بشكل أكبر.”
ويرجع “العبيد” أسباب هذه العمليات إلى الرغبة في الحصول على المال، أو زعزعة الاستقرار أو الانتقام من بعض الأشخاص.
إدلب التي أصبحت وطناً لكل السوريين الرافضين للمصالحات مع النظام السوري، ترزح تحت قصف النظام وتصاعد الفلتان الأمني، لكن مهما حدث ويحدث، ستظل الثورة السورية حية ومستمرة في وجدان أهلها، وستظل الحرية والكرامة مطلباً لا تراجع عنه.

*ناشطة إعلامية سورية مقيمة في الداخل السوري