تحيلنا التصريحات التركية حول عزمها إنشاء منطقة آمنة خلال الشهور القادمة (أربعة أشهر) إلى حقيقة مفادها أن الدول لا تدخل معارك ليست ضمن سياق مصالحها، وبالتالي فليس من لوم على تركيا لأنها عملت على الالتزام بأولوياتها وتحقيق مصالحها، في الوقت الذي قبل فيه سوريون، (أفراداً أو كيانات)، أن يكونوا أدوات لها في وقت ادعوا فيه ثورة من أجل الحرية، وليس الارتهان. كما أنها تطرح  تساؤلات عديدة، منها حول الدور الذي تريده تركيا لنفسها في تسوية الصراع في سوريا وعليها، وهل حان الوقت لكشف الأوراق التي صمت عنها النظام السوري لعشرين عاماً، وسايرته في صمته لتمرير اتفاقاته كل من تركيا، والمعارضة السورية التي تنعم برعايتها في اسطنبول؟ ما يبرر (لي اليوم رغم أني كنت نائب رئيس الائتلاف آنذاك) درجة الارتباك والتخبط التي وقع فيها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، عندما أصدر كتابه التجميعي الوحيد (الثورة السورية والحصائل عام 2016)، وكانت خريطة سوريا كاملة (مع لواء اسكندرون) تتصدر غلاف الكتاب الذي سارع الائتلاف إلى منع توزيعه، وإتلاف غلافه لكامل الأعداد المطبوعة حسب الرغبة التركية.

أي إن ما تم التوافق عليه بين النظام السوري 1998 وتركيا لإنهاء حالة التوتر على الحدود البينية، بسبب الرعاية السورية لحزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان، وحشد تركيا جيشها على الحدود السورية، وانتهاء الأزمة بتسوية رابحة لمصلحة تركيا تحت مسمى (اتفاقية أضنة) المسكوت عن تفاصيلها سورياً، لم يحظ فقط بموافقة صامتة من النظام السوري، وتضليل كامل للسوريين إعلاميين وشعباً، وإنما التزمت به المعارضة السورية وعملت بذات توجه النظام في تغييب حقيقته عن السوريين (الائتلاف كان يحظى بشرعية تمثيله للشعب السوري كممثل وحيد حسب زعمه)، وهو الأمر الذي يجعل من كامل خطابات النظام والمعارضة الإعلامية بخصوص وحدة سوريا، مجرد صراخ لذر الرماد في عيون السوريين غير المرتهنين، الذين عارضوا النظام السوري كسلطة قمعية، وليس بهدف إسقاط الدولة، وتمزيقها بين دول احتلال ووصاية.   

وتلك التساؤلات التي تتجاهل الفصائل الإسلامية المسلحة التي تنضوي تحت الرعاية التركية باسم المعارضة السورية الإجابة عليها، بل وتعمل على تبرير كل الحراك التركي السياسي والعسكري سواء المنفرد، أو بالتعاون مع داعمي النظام السوري (روسيا- إيران)، وحتى مع النظام (العدو المفترض) الذي تأسست هذه الفصائل لمحاربة جيشه، والمليشيات الداعمة له، وانتزاع سيادته عن مناطق سوريا بالقوة العسكرية، أي أننا أمام حالة من التبرير “سوري الهوية” لكل ما يتعلق بالسلوك التركي في القضية السورية، وقبول كامل الاستراتيجيات التي تحوّل هذه الفصائل من معارضة للنظام السوري، إلى تابعة لمصلحة مموليها بغض النظر سواء توافقت مع مصلحة السوريين وأهدافهم ومقاصدهم من ثورة آذار/ مارس 2011، أم تناقضت معها كلياً وتفصيلياً.

ولعل من المفيد التذكير مجدداً، أنه منذ انطلاقة الاحتجاجات في سوريا، لعبت تركيا دوراً محورياً وأساسياً، سواء على الصعيد الإعلامي التعبوي في مناصرة المتظاهرين ضد نظام الأسد أو السياسي الدولي، أو حتى تشكيل كيانات المعارضة بشقيها السياسي والفصائلي العسكري، وأيضاً في مجال العمل المدني والخدمي، إضافة إلى فتح حدودها أمام موجات اللاجئين السوريين بقصد الاستقرار فيها، أو العبور منها إلى أوروبا والعالم، إلا أن هذا الدور ازداد فاعلية وتأثيراً مباشراً من خلال دخولها الحرب السورية عبر:  

 أولاً،  عملية “درع الفرات” التي بدأتها أواخر العام (2016)، ما سهل على النظام وحلفائه الاستفراد بمواقع المعارضة في حلب، وإسقاطها، ثم بشنها عملية “غصن الزيتون” (آذار/ مارس 2018) للتخلص من قوات “البي يي دي” في المنطقة، وأخيراً بدخولها إدلب وريفها (تشرين الأول/ أكتوبر 2018) لترسيخ منطقة خفض التصعيد، ولتأكيد نفوذها في الشمال السوري، وهي تسعى بأن يمتد ذلك النفوذ إلى شرقي الفرات، بحيث تصبح المناطق السورية المحاذية لحدودها، في الشمال السوري، تحت سيطرتها المباشرة تماماً تحت ما يسمى “المنطقة الآمنة” التي تريدها بعمق يصل إلى 32 كم حسب مباحثاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما توافق موسكو على تقنين التدخل التركي في سوريا بحدود 5 كم، وهو ما وقعت عليه تركيا مع النظام السوري في 1998، أي “اتفاق أضنة”، وبذلك تصبح تركيا بين العودة إلى حضن النظام كحليف، أو المتابعة باستخدام المعارضة المسلحة كأدوات ضغط لترجيح الاتفاق مع واشنطن. 

   ثانياً، تبيّن أن الهدف الأساسي لتركيا هو تعزيز نفوذها الإقليمي والمشاركة بتقرير شكل سوريا المستقبل المحاذية لحدودها، إضافة إلى ما يمكن اعتباره هدفاً استراتيجياً وأمنياً لها، وهو الحؤول دون قيام منطقة حكم ذاتي كردية غرب الفرات، وهو الهدف المعلن رسمياً من العملية المذكورة، وتالياً منع التواصل بين المناطق الكردية في شرق الفرات ومنطقة عفرين في الشمال الغربي لسوريا. 

ثالثاً، تجلّى كل ذلك في انخراط تركيا في توافقات سياسية مع كل من روسيا وإيران، وهو ما تمثل في مسار آستانة التفاوضي (الذي تم شقه عام 2017)، ومن ثم في مؤتمر سوتشي (أوائل 2018)، الأمر الذي خصص له اجتماع قمة في هذه المدينة بالذات لرؤساء الدول الثلاث، بوتين وأردوغان وروحاني، ثم اجتماع قمة آخر في تركيا، وبعده اجتماع ثالث في طهران (تشرين الأول/ أكتوبر 2018)، وتستعد روسيا لاستقبال اجتماع جديد في شباط/ فبراير 2019. 

ومع كل هذه التطورات باتت تركيا طرفاً فاعلاً ومقبولاً دولياً في الصراع السوري، بيد أن محاربة قوات الـ “بي يي دي” على امتداد حدودها الجنوبية، بات هدفاً أساسياً لها، أكثر مما تدعيه المعارضة السورية المحسوبة عليها، وهو دعم مطالب الشعب السوري بالتغيير السياسي، وبدت في ذلك كأنها أكثر تساوقاً مع السياسة الروسية منها مع السياسة الأمريكية، بحكم دعم الولايات المتحدة لقوات “قسد”، الأمر الذي بات يشكل إرباكاً للمعارضة السورية. ويجدر التذكير أن ذلك نجم عنه السماح بانتشار نفوذ جبهة النصرة في إدلب وريفها، وريفي حلب وحماه، وطرد كامل الفصائل التي تعمل تحت مسمى “الجيش الحر” من المنطقة، الأمر الذي يخلط الأوراق، ويضعف صدقية تركيا مع المعارضة غير المرتهنة، ويربك موقفها إزاء الأطراف الدولية التي تستخدم تركيا بين الحين والآخر كثالث مكمل لتحالفاتهما ضد بعضهما كمعسكرين نقيضين تقودهما موسكو من جهة وواشنطن من جهة مقابلة.

*كاتبة سورية