تعاني “المناطق المحررة” من نقص الخدمات الطبية، وتقدم معظم المرافق الموجودة خدمات أولية ضرورية للمراجعين كي لا يضطروا للسفر مسافات طويلة لتلقي خدمات طبية أساسية، أو إسعافات أولية. وقد توقف الدعم مؤخراً عن “مديرية صحة حماة الحرة” والمراكز التابعة لها، ما أثار تخوفاً كبيراً لدى السكان من الانعكاسات السلبية لذلك التوقف على المستويَين الصحي والاقتصادي.

الدكتور مرام الشيخ مدير “صحة حماة الحرة” قال في حديث لـ “بوابة سوريا”: “توقفَ الدعم عن كادر مديرية الصحة ومنظومتين إسعافيتين وخمسة مراكز رعاية ومستشفيَين، وشمل توقف الدعم جميع المجالات على السواء، كالمعدات والرواتب والأدوية التي كانت تقدم مجاناً”. وتابع: “بدأت مديرية الصحة عملها عام 2013، وقدمت خدماتها في مجال الرعاية الصحية الأولية والثانوية واللقاحات الروتينية والحملات، إلى جانب بعض الملفات الأساسية كنظام الإحالة، وملف النفايات الطبية والمعلومات والرقابة الدوائية، والعمليات الجراحية في المشافي”، مبيناً أن “الدعم الذي توقف لم يشمل جميع المراكز في المديرية، فهناك جزء منها مدعوم من جهات أخرى. وقد توقفت المرافق المدعومة من GIZ فقط والتي تدعم حوالي 70% من المراكز التابعة للمديرية”.

وأوضح الشيخ أن “عدد المستفيدين يقارب 150 ألف مستفيد، موزعون على أكثر من عشرين قرية في ريفي حماة الشمالي والغربي المحررَين. وختم حديثه بالقول: “كان لتوقف الدعم عن المرافق أثر واضح وخطير، فقد تراجعت الخدمات الطبية التي يمكن تقديمها للأهالي. لا توجد لدينا بدائل وحلول جذرية، إنما نعمل على تسويق المنشآت التي توقف دعمها إلى جهات أخرى، ونعمل من جهة ثانية على حملات المناصرة لاستجرار دعم جديد لتلك المراكز”.

من جانبه يقول عبد الكريم وهو إداري في أحد المراكز الصحية: “لم نتوقف عن العمل بشكل تام، فما زلنا نعمل ضمن الإمكانيات الموجودة والمحدودة أيضاً. وقد أصدرت منظمة GIZ قراراً بتعليق العمل منذ بداية عام 2019، ليشمل قرارها الرواتب والأجور والمعدّات والأجهزة، ما خلق نوعاً من العجز في تقديم خدمات طبية كاملة للمرضى المراجعين لمراكزنا وهي: مركز قسطون الصحي، مركز الغاب الأوسط، مركز الغاب الجنوبي، مركز قلعة المضيق الصحي، مشفى 112 و 111 للنسائية والأطفال، وهي تقوم بمراقبة وعلاج سوء التغذية، إضافة إلى خدمات الأمومة والتوليد والجراحة باختصاصات معينة”.

وأردف عبد الكريم: “نحن ككادر صحي في المديرية نعمل على تقديم الخدمات الصحية وليس لنا أي علاقة بالتغيرات السياسية أو العسكرية، لأننا نقدم خدمة إنسانية تتعلق بحياة الأشخاص والمرضى” مبيناً أنه “كان لتوقف الدعم في هذه المرحلة أثر سلبي كبير على الخدمات الطبية، وعلى السكان، بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها أغلب سكان المنطقة، المقيمين والنازحين، وإجبارهم على السفر مسافات طويلة للحصول على الخدمات الطبية. وقد اقتصر دورنا بعد توقف الدعم على التخفيف من تلك الصعوبات من خلال استمرار الكوادر بالعمل الطوعي ضمن القدرات المتاحة، سواء كان ذلك في مركز صحي أو في مشفى أو عيادة متنقلة”.

وعلى صعيد تضرر النساء والأطفال، يقول مروان عبدو، المدير الإداري لــ “مشفى 112” التخصصي في النسائية والأطفال: “توقفت لدينا غواصتان وثلاث حاضنات للأطفال بسبب توقف الدعم. يقدم المشفى الخدمات الصحية لحوالي 200 ألف نسمة بمعدل ألف حالة شهرياً موزعة على سهل الغاب وجبل شحشبو، لكن الخدمات والقدرة الاستيعابية للمشفى انخفضت إلى الحد الأدنى في هذه المرحلة”.

وقد امتد الأثر السلبي لتوقف الدعم، ليشمل أيضاً الكوادر الطبية التي ما زالت تعمل بالإمكانيات الموجودة وبشكل تطوعي، وفي هذا الخصوص تقول الممرضة في “مشفى شام” مريم العبد والتي تعمل رغم توقف راتبها: “لم يخل عملنا يوماً من الخطورة على حياتنا المهددة بالقصف من قبل النظام، الذي اعتدنا منه استهداف المرافق الصحية والخدمية. حوصرنا أكثر من مرة في غرفة الطوارئ الصغيرة مع الكادر الطبي كاملاً، ومع ذلك لم نتوقف يوماً عن العمل. وقد تغاضينا عن رواتبنا مع توقف الدعم، لكننا لا نستطيع أن نؤمن الاحتياجات اليومية للمراكز والمشافي التي تحتاج إلى جهة تضمن تأمين كل تلك الحاجات بشكل دوري ومستمر”.

وجاءت إحصائيات “مديرية صحة حماه الحرة” التي قدمها علاء أبو الترك عن عدد المستفيدين في المراكز الصحية شمالي حماة كالتالي: “يستقبل مركز كفرزيتا الصحي وسطياً 1200 مستفيد، وهناك مشفى اللطامنة الجراحي الذي يقدم خدمات نوعية مقارنة بباقي المشافي نظراً لموقعه المهم والخدمات التي يقدمها. وقد يصل عدد المستفيدين في مشفى شام  إلى 3500 مراجع، لينخفض العدد إلى عتبة 1500 مراجع أو أقل عندما يتوقف الدعم. ويقدم مشفى ترملا الخدمة الصحية لحوالي 4500 مستفيد، ويراجع حوالي 220 مراجع من قرية المستريحة وما حولها مشفى نبض الحياة، فيما يستقبل مركز كفرنبودة حوالي 1800 مستفيد شهرياً. هذا إلى جانب مراكز السلام والبارودي العاملة في ريف المعرة، والتي تقدم الخدمات الطبية للنازحين في مدينة معرة النعمان وما حولها، إذ تستقبل ما يقارب 3000 مراجع شهرياً لكل مركز”.

من خلال ما سبق، يتبين حجم الكارثة الإنسانية المتوقع حدوثها في محافظة حماة، إن استمر توقف الدعم ومعه افتقار المنطقة كاملة للخدمات الصحية الضرورية، وحول ذلك يقول باسل كرنازي وهو من المستفيدين من خدمات أحد المراكز: “أراجع مشفى شام منذ عام 2014 إثر إصابة سببتها لي شظية برميل متفجر، وكانت إصابتي في اليد والرجل حيث قطعت الأعصاب والشرايين وتفتت العظم. تحتاج هذه الإصابة إلى علاج طويل ومكلف وعمليات متكررة، وقد خضعتُ للعلاج في مشفى شام وقُدمت لي الخدمة المجانية، وأنا لا أستطيع دفع ثمن الدواء عندما أحتاج إلى عملية أو دواء خارجي”.

وأضاف: “ما زلت بحاجة إلى مراجعة شهرية أو نصف شهرية للطبيب. وباتت المراجعة تكلفني ضعف ما كانت عليه مع توقف الدعم عن المراكز الصحي. فمعاينة الطبيب الخاص بالإضافة إلى أجرة السيارة والأدوية التي كنت أحصل عليها مجاناً من المركز الصحي المشرف باتت تكلفة إضافية”.

تستمر معاناة المرضى وتزداد يومياً على هذا الصعيد. وبعد معاناة طويلة مع القصف، بدأت رحلة جديدة لأهالي وسكان تلك المناطق مع توقف الدعم عن القطاع الصحي والذي يأمل قرابة 200 ألف مواطن ألا يطول.

*فريق بوابة حماه

مصدر الصورة: https://www.enabbaladi.net/archives/66260