الصفحة الرئيسية تبادل الرسائل من أوراق حسام: الخواجة “منظور”..

من أوراق حسام: الخواجة “منظور”..

سافرتُ إلى لبنان لأشتغل. لا حلم لي في لبنان كله إلا أن أشتغل وأعود ببعض المال. لم أتوفق بالعثور على أي عمل. هو حظي الذي خبرت عبوسه، ولن أستسلم. جرحني مجرد التفكير: ممّن سوف أستدين “أجر طريق” العودة الخائبة إلى سوريا!

قبل اكتمال يأسي جاءتني فرصة عملٍ وحيدة: مساعد معلّم دهّان. مدة العقد ثلاثة أيام، أجرة اليوم الواحد 15 دولاراً. يعني 45 دولاراً خلال 3 أيام؛ مبلغٌ ليس تافهاً لعاملٍ سوريّ. رب عملي خواجة (كبير وعريق) تعود أصوله إلى مدينة حلب، يعني سوريّ (مثلنا مثلو)!.

ورشتنا سهلة. سندهن غرفتين في مزرعة الخواجة الكبير، الممتدّة من معاصر بيت الدين في رأس جبل الشوف حتى أراضي ضيعة دير القمر في سفح الجبل المواجه، حيث أجمل كنيسةٍ رأيتها في حياتي، أنا الذي لم أنتبه لكنيسةٍ من قبل في حياتي. ترقد فيلّا الخواجة الكبير قبالة الكنيسة، يقيم هو في طابقها الثالث، وابنه في طابقها الثاني، ويبقى الطابق الأرضي الواطئ قليلاً لسكن الناطور والكلاب وغرفة إضافية اسمها (مطبخ الكلاب)، يطبخ الناطور فيها طعام كلاب المزرعة. مطبخ الكلاب مكسوٌّ بالسيراميك والرخام من الداخل وبالحجر الأبيض من الخارج. يمتدّ هذا الحجر الأبيض ليكسو أيضاً بيت الخواجة “منظور” المجاور لمطبخ الكلاب.

بيت الخواجة “منظور” غرفتان تزينهما قنطرة حجر، وتشتبك أمامهما أغصان الأشجار في عناقٍ لا ينتهي، ويرتاح تنور الخبز فوق جسرٍ صغيرٍ يشبه “جسر اللوزية” في أغنية فيروز. أما الإطلالة الفاتنة لبيت الخواجة منظور، فقد كانت على الوادي عند كعب الجبل، جمال وطبيعة وهندسة معمارية، سأقول أنها لوحة غاية في الجمال أو أنها بعض أشكال الجنة، لولا بعض العطب في طلاء الجدران الداخلية.

سلّمَنا الخواجة الكبير عدة الشغل وعلب الدهان لنبدأ بفرش لون الكريما البهيّ على الحيطان، واللون البنيّ على حواف الشبابيك والأبواب. تخيلتُ كيف ستتماهى اللوحة مع لون الحجر الأبيض السكري، لا بدّ ستغدو روعتها غير منقوصة.

ثلاثة أيامٍ من العمل الدؤوب أنجزنا خلالها العمل واقترب الجني، لكنّ مقاول الورشة رفض التوقيع على استلام الشغل منا لأن بعض مشحات اللون البنيّ تجاوزت حروف الشبابيك ولطّختْ اللون الكريميّ البهيّ على الحيطان. 

بالطبع كان محقاً، فلو وقعت عليها عينا الخواجة “منظور” لكان خاطره تكدر كثيراً وربما تسرّب الزعل عميقاً حتى قاع مشاعره.

بتفهّمٍ لمشاعر المقاول والخواجة “منظور”، قضينا اليوم الرابع في إصلاح أخطائنا المهنيّة، فعلى المخطئ أو المقصر أن يتحمل مسؤولية تقصيره. استعنّا بالورق اللاصق على عزل حواف الشبابيك وفرشنا الطلاء الكريميّ على جميع لطخات البني حتى اختفت وصفا لونُ الحيطان وكذلك خاطرُ المقاول الذي سلّمنا أجور ثلاثة أيام.

كل هذا الطلاء البهيّ ولم يسلم الخواجة “منظور” من الحزن. شيءٌ ما يؤرّقه و”يكركب” الوضع في المزرعة كلها. أرسل الخواجة الكبير يطلب له الطبيب، وشخّص الطبيب (أزمةً نفسية) يمر بها الخواجة “منظور”. يستفسر الخواجة الكبير: “أوف … ومن شو وك يا خيي؟!” ويشرح الطبيب: “يا خيي هوي وحداني هون بالمزرعة، لازم تجبلو حمارة من جنسو يتونس فيها، مهوي كمان روح ..”. يرسل الخواجة الكبير ناطور المزرعة ليعود ومعه حمارة (بنت عالم وناس)، وينقد صاحبها مبلغ 100 دولاراً أجرة لليلة عسل الخواجة “منظور” معها.

100 دولار أجرة الحمارة لليلة واحدة و45 دولار أجرة العامل في 4 أيام يعمل فيها “كالحمار”.

أخذتُ صوراً تذكارية مع الحمار الخواجة، حملتها معي إلى سوريا، أتفرج عليها من حين لحين، وحدي. لم أفكر بأن أريها لأحد كي لا أعود إلى قص حكايتها، كي لا يغار أحدٌ ما من الخواجة “منظور”، وكي لا يتردّد السوري قبل السفر للشغل برتبة “عامل سوريّ” عند ربّ عملٍ سوريّ في لبنان.

ملحوظة: وصلت الورقة المكتوبة أعلاه مع باقي متعلقات حسام حين سلّمت شرطة الحدود النمساوية أوراقه ومتعلقاته لمن قد يسأل عنها بعد أن قضى حسام في حادث سيرٍ غامض مع أربعة سوريين آخرين، حالمين بحياةٍ ممكنة، حشرهم المهرّب في سيارته ليعبر بهم الغابات النمساوية ويسلّموا أنفسهم في ألمانيا لاجئين (مكرّمين).

ماتوا جميعاً وخرج السائق (المهرّب) سليماً من الحادث إلا من بعض خدوش..

* طبيبة وكاتبة سورية