كانت سنوات الحرب التي عاشتها إدلب كفيلة بالقضاء على جزء كبير من البنى التحتية في المحافظة. وتأثرت شبكات الصرف الصحي كغيرها من المرافق بتبعات تلك الحرب، ولم تعد قادرة على القيام بدورها بالشكل المطلوب نتيجة ازدياد نسبة السكان في المحافظة والتوسع العمراني، بالإضافة إلى تدمير تلك الشبكات بفعل القصف. ويعتبر الكثير من أهالي إدلب توسيع شبكات الصرف الصحي من الأولويات اليوم.

أزمة في عموم المناطق

يقول فادي الخطيب وهو إعلامي في “المجلس المحلي في كفرنبل” في حديث إلى “بوابة سوريا”: “شبكة الصرف الصحي الموجودة في كفرنبل قديمة جداً ويبلغ عمرها قرابة الخمسين عاماً، ما أدى إلى تهالك خطوط الشبكة خلال تلك السنوات الطويلة. ويعمل المجلس المحلي بكامل طاقته بهدف تسليك تلك الخطوط ومحاولة إبقائها بالخدمة. لكن ظهرت أحياء جديدة غير مخدمة نتيجة التوسع الكبير الذي طرأ على المدينة، مثل حي البيراس وحي المزارب، وهذا دفع أهالي تلك الأحياء إلى الاعتماد على حفر الآبار العميقة واستعمالها لتصريف مياه الصرف الصحي، الأمر الذي وضعنا أمام مشكلة كبيرة، وهي احتمالية وصول المياه الملوثة إلى المياه السطحية”.

ويضيف الخطيب “يتجاوز عدد سكان تلك الأحياء 6000 نسمة، ونحن بحاجة لتوسعة الشبكة بما يعادل 8 كم تقريباً بالإضافة إلى إنشاء مصب رئيسي لتلك الشبكة، وقد قامت عدة منظمات بدراسة المشروع لكنه لم ينفذ حتى اللحظة، وقد تكون التكلفة الباهظة للمشروع هي التي وقفت حائلاً بين المنظمات وبين تنفيذ تلك المشاريع، وهي يدخل ضمن مشاريع إعادة الإعمار التي تعجز عنها المنظمات المحلية”.

وفي ظل تلف جزء كبير من شبكة الصرف الصحي “يعمد أصحاب الأبنية البعيدة عن خطوط الصرف الصحي إلى حفر حفرة فنية قرب المنزل بهدف تحويل مياه المنزل إليها، مما يتركهم مع جيرانهم عرضة لاستنشاق الروائح الكريهة، بالإضافة إلى احتمال إصابتهم ببعض الأمراض التي تنقلها الحشرات التي تعيش في مثل هذه الأماكن” على ما يقول أحمد وهو من سكان كفرنبل.

وازدادت المشكلة إلى حد كبير في بلدة جوزف، إذ تسربت مياه الصرف الصحي إلى الآبار الرومانية التي يستعملها الناس واختلاطها بمياه الشرب، الأمر الذي أدى إلى وفاة خمسة أطفال بتلك الحادثة.

وحول ذلك يقول رئيس “المجلس المحلي في بلدة جوزف” عمر فطراوي: “تعاني البلدة من اهتراء شبكة الصرف الصحي نتيجةً لرخاوة الأرض في المنطقة، بالإضافة إلى تعرض البلدة إلى القصف الشديد، ما أدى إلى فصل خطوط الصرف الصحي عن بعضها”. ويتابع “استقبل مشفى بليون من عدة حالات تسمم من بلدة جوزف، فرفع تقريراً عاجلاً إلى مديرية صحة إدلب الحرة التي قامت بإجراء عدة دراسات في البلدة، وخلصت تلك الدراسات لنتيجة مفادها أن مياه الشرب المستعملة في البلدة أصبحت ملوثة، نتيجة اختلاطها بمياه الصرف الصحي”.

وقد قام “المجلس المحلي” بتنبيه الأهالي إلى ضرورة التوقف عن استعمال تلك المياه، كما وجه نداء استغاثة إلى المنظمات الإنسانية بهدف العمل على إصلاح الأعطال وتدارك الوضع. وقد قدمت المنظمات حلولاً إسعافية للأهالي، إلا أن المشكلة ما تزال قائمة حتى اليوم.

ولم يكن الوضع أفضل حالاً في خان شيخون، فقد أصدر مجلسها المحلي منذ أكثر من ثلاثة أشهر بياناً ناشد عبره المنظمات والهيئات المختصة لمواجهة الأزمة الإنسانية في المدينة، وتم رصد وتوثيق الكثير من الأمراض الجلدية والليشمانيا وحالات الإسهال المزمن بين الأهالي بسبب انتشار الأوبئة.

يعاني أنس الصالح من سوء شبكة الصرف الصحي في خان شيخون، إذ تعرض منزله للغرق هذا العام نتيجة طوفان الشبكة، ودخولها إلى منزله عبر المصارف الداخلية. ويقول: “هناك الكثير من الانسدادات في شبكة الصرف الصحي في الحي، ما أدى إلى ارتفاع منسوب مياه الشبكة ودخولها إلى المنازل المنخفضة نسبياً، بالإضافة إلى غرق الطرق بالمياه الملوثة خلال فصل الشتاء نتيجة انسداد الفتحات المخصصة لاستيعاب مياه الأمطار”.

“وتعتبر شبكة الصرف الصحي في المدينة تالفة بنسبة تقارب 70%، ويعمل المجلس المحلي على إصلاح الأضرار المتواجدة فيها ضمن الإمكانيات المتاحة” بحسب مدير “المكتب الخدمي” في “المجلس المحلي” رضوان نجم، والذي أكد أن “المجلس المحلي وجه نداء استغاثة للمنظمات العاملة في الشمال السوري، إلا أنه لم يتلق أية ردود بخصوص صيانة الشبكة، رغم قيام بعض المنظمات بدراسة الحالة بشكل كامل”.

ويتابع نجم “لدينا في خان شيخون عدة أحياء غير مخدمة بشبكات الصرف الصحي، مثل حي البيرة وحي نسرين والحي الجنوبي، ويتجاوز عدد سكان تلك الأحياء 3000 نسمة، ويستعمل سكان تلك الأحياء أساليب بدائية عبر حفر جورة فنية ضمن المنزل نفسه، وهي حلول لا تفي بالغرض وتكلف صاحبها أعباءً مالية إضافية، نتيجة امتلاء الجور كل فترة وضرورة سحبها ورميها في مكان بعيد، ناهيك عن انتشار الروائح الكريهة التي تسبب أذىً نفسياً وجسدياً لسكان تلك الأحياء، وتجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض الجلدية”.

المخيمات ودور المنظمات المعنية

وتتجلى الأزمة على حقيقتها في المناطق الحدودية حيث نسبة الكثافة السكانية المرتفعة في المخيمات وغياب شبكات الصرف الصحي عن تلك المناطق.

يقول محمد وهو نازح في مخيمات كفرلوسين: “كيفما تجولت في شوارع المخيم ستصادفك مياه الصرف الصحي الخارجة من الخيم، حيث تفتقر المخيمات لشبكات الصرف الصحي ويعمد سكان الخيم إلى تصريف المياه بعيداً عن خيامهم، دون أن يكون هناك أي مصب موحد لاستقبال تلك المياه. وتبقى تلك المياه مكشوفة في الشوارع مما يتركنا بشكل دائم معرضين للأوساخ، والأمراض الناجمة عن تلك النفايات”. ويُكمل قائلاً: “يعمد بعض سكان المخيمات إلى تركيب شبكة خاصة على حسابهم الشخصي، بهدف إبعاد المياه عن خيمتهم قدر المستطاع”.

بدوره، يقول خالد المقيم في مخيمات أطمة “تفتقر الخيام إلى شبكات الصرف بشكل شبه كامل، وتقتصر على الجور الفنية، التي تكون مكشوفة في أغلب الأوقات، وبالتالي تعود بشكل سلبي على حياة النازحين وخاصة في فصل الصيف، حيث تنتشر الحشرات بشكل كثيف في تلك المناطق”.
وهذا ما يؤكده “المكتب الخدمي” التابع لــ “إدارة المهجرين” حيث يقول: “معظم مجاري الصرف الصحي مكشوفة، وفي حال وجود بعض خطوط الصرف الصحي في المخيمات تكون نهاية تلك الخطوط في الغالب على شكل حفر تجميع، ولا يتم تنفيذ عمليات الشفط بشكل كامل مما يؤدي إلى تسرب مياه الصرف الصحي إلى الخيم المجاورة وتشكّل برك منها. وقد تم تنفيذ خطوط صرف صحي في بعض المخيمات، ولكن هذه الخطوط لاتعمل على تخديم النازحين بالشكل الأمثل”. ويضيف المكتب أن “غياب المنظمات التي تتبنى تنفيذ شبكات الصرف الصحي بشكل مستدام من أهم الصعوبات التي تعيق تنفيذ شبكات الصرف الصحي”.

وعلى هذا الصعيد “عملت منظمة إحسان على تنفيذ عدة مشاريع تخص الصرف الصحي في المحافظة، ويراعى عند تنفيذ تلك المشاريع حجم التجمعات البشرية والحاجة إلى توسعة الشبكة، بالإضافة إلى وضع الشبكة وقدمها” بحسب مدير مكتب ريف إدلب الجنوبي في المنظمة أيمن المرعي، والذي قال أنه “تم تنفيذ عدة مشاريع مثل مشروع سرمين لتوسعة الشبكة وصيانتها وصيانة مصب المدينة الشمالي، ومشروع معصران ومرديخ والدير الشرقي وقرية جوزف، حيث تم تنفيذ تلك المشاريع ببرامج مختلفة شملت التوسعة في بعض القرى والصيانة في قرى أخرى، وتعمل المنظمة في الوقت الحالي على صيانة شبكة الصرف الصحي في بسقلا بالإضافة إلى تطويل المصب”.

وأضاف المرعي “تهدف أعمال تطويل المصبات إلى إبعادها عن التجمعات البشرية وتقليل ضررها على الأراضي الزراعية وخاصة في موسم الشتاء، حيث تفيض المساحات المائية. ونسعى من خلال تطويل تلك المصبات إلى تقليل التعدي عليها من قبل المواطنين الذين يعملون على استجرار مياه الصرف الصحي وسقاية المزروعات منها”، معتبراً أن “كل المشاريع التي تقوم بها المنظمات تأتي تحت بند الاستجابة العاجلة، والتي تهدف لإيجاد حلول سريعة للمشاكل التي تعترض المدن، فمشاريع استبدال الشبكات تعتبر من ضمن مشاريع إعادة الإعمار والتي لم يصدر قرار دولي بشأنها حتى اليوم”.

من جانبها تعمل منظمة “وطن” على تقديم حلول سريعة استجابة للنداءات التي أطلقها سكان المخيمات بعد العواصف التي ضربت المنطقة، حيث تشمل المشاريع التي يُعمل على تنفيذها اليوم إصلاح نقاط الصرف الصحي والمجاري المائية، بالإضافة إلى تزويد بعض النقاط بعبّارات مائية منعاً لانجراف الطرق.

ويقول المهندس أحمد عيسى من منظمة “وطن” أن “المشروع الذي يتم تنفيذه اليوم هو خطة استجابة سريعة، ونعمل على توسعة نقاط العمل في الأيام القادمة لتشمل أغلب مخيمات الشمال السوري. وكانت المنظمة قد نفذت عدة مشاريع مختصة بمجال الصرف الصحي خلال الأعوام الماضية لكن ضيق التمويل المادي يمنع مشاريعنا من التوسع بالشكل المطلوب، لاسيما أن تلك المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية تعتبر من المشاريع ذات التكلفة العالية”.

تستمر هذه الأزمة وتغيب الحلول طويلة الأمد لها. ما تزال الأعمال التي تتم عبر المجالس المحلية والمنظمات المعنية دون المستوى المطلوب نظراً لضعف الإمكانيات المتاحة من جهة، والأذى الكبير الذي لحق بالمحافظة نتيجة سنوات القصف من جهة أخرى.

*فريق بوابة إدلب

الصور بعدسة محمد كعيد