الصفحة الرئيسية رأي وتحليل نقاش في المنطقة الآمنة في معناها واستهدافاتها

نقاش في المنطقة الآمنة في معناها واستهدافاتها

منذ بداية الصراع السوري شكّلت فرضية إقامة منطقة آمنة، أو منطقة حظر جوّي، واحدة من أهم الفرضيات، التي تأسّست عليها الثورة السورية، في إطار الفرضية الأوسع، التي تتعلّق باحتمال التدخّل الخارجي، على نحو ما جرى في أمثلة أخرى (العراق وليبيا مثلاً). ومعلوم أن هذه الفرضية كانت طرحت كردّ على استخدام النظام القصف بالطائرات والبراميل المتفجرّة، سعياً منه لتدفيع السوريين ثمناً باهظاً، من أعمارهم وعمرانهم، لخروجهم عليه، أي باعتبارها الوسيلة الأنسب لاستعادة التوازن، وللحفاظ على زخم الثورة، وحماية حواضنها الشعبية.

بيد أن هذه الفرضية، التي كانت انبنت على حسابات خاطئة ومتسرّعة، منذ حينه، لم تتحقّق ولا بأي شكل، علما أنها أسهمت في رسم مسارات الثورة السورية، بما في ذلك التحول نحو العسكرة، وطغيان العمل المسلح، على حساب الصراع السياسي، وأشكال الكفاح الشعبية، بما يعنيه كل ذلك من تحميل الشعب السوري أكثر مما يحتمل، ورفع وتائر الصراع ضد النظام إلى أقصى حد، وهيمنة الأطراف الخارجية على مسارات الصراع السوري.

ويستنتج من ذلك أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يأت بجديد بطرحه، مؤخّراً، فكرة إقامة “منطقة آمنة”، شرقي الفرات، إذ سبق للمعارضة السورية أن طالبت بها وألحّت عليها، كما سبق لتركيا، وبعض الدول الأوروبية، أن طرحتها (منذ العام 2012)، إلا أن الولايات المتحدة لم تبد أي تجاوب مع هذه الطلبات، علما أنها الدولة الوحيدة التي يمكنها أن تفرض ذلك.

القصد من ذلك التوضيح بأن الحديث الأمريكي أو التركي، عن المنطقة الآمنة، يختلف عنه في البدايات، من عدة وجوه، ففي البداية كان الغرض حماية السوريين من قصف النظام، والحؤول دون قتلهم أو تشريدهم أو تدمير عمرانهم، في حين يبدو الغرض منها الآن، هو الحفاظ على الخطوط المرسومة، بين الدول المنخرطة في الصراع السوري (الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل)، لتعزيز حصة كل منها في التقرير برسم مستقبل سوريا.

إضافة إلى ذلك ثمة اليوم اختلافات بين الأطراف الخارجية المؤيدة لفرض المنطقة الآمنة، فالولايات المتحدة تتوخّى من خلالها تثبيت خطوطها الحمر شرق الفرات، وإقفال الحدود العراقية السورية في وجه إيران، وحماية حليفها المتمثل بقوات “قسد”، التي يتشكل عمادها من قوات حماية الشعب الكردية. وبالنسبة لتركيا فإن الغرض الأساسي من طرح المنطقة الآمنة بالنسبة لها، في هذه المرحلة، يكمن في سعيها تحجيم قوات حماية الشعب، التابعة لحزب البي واي دي، السوري الكردي، والتي تعتبرها جزءا أو امتدادا سوريا لحزب البي كي كي التركي، الذي ترى فيه فصيلا إرهابيا، وتهديدا لأمنها القومي، كما يكمن في سعيها الحؤول دون أي تواصل بين المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، وتحجيم دورها كطرف تعتمد الولايات المتحدة عليه.

طبعا، ثمة اختلافات أخرى، فالمنطقة الآمنة، أو منطقة الحظر الجوي، كانت تطرح سابقا لتشمل مختلف المناطق التي تعتبر حاضنة للثورة السورية، في حين أنها تطرح اليوم في منطقة محددة دون غيرها، للأهداف التي ذكرناها، وليس لتهديد النظام، هذا دون أن نذكر الخلافات حول طبيعة هذه المنطقة، وحدودها، ودور كل طرف من الأطراف فيها.

على أية حال فإن التوافق على “المنطقة الآمنة” مازال لم ينضج بعد، إذ إضافة إلى التباينات الأمريكية ـ التركية، في حدود تلك المنطقة وطبيعتها وتوظيفاتها أو استهدافاتها السياسية، ثمة تباينات تركية ـ روسية، أيضا، سيما مع إصرار روسيا على استعادة النظام لوجوده المدني أو الخدماتي في تلك المنطقة، ورفض شمولها الحظر الجوي، أي طرحها بصيغة منطقة آمنة فقط، مع بقاء حرية الطيران، أو الغارات الجوية، ما يذكر بمصير اتفاق المناطق منخفضة التصعيد، التي تهاوت واحدة بعد الأخرى (حلب والغوطة والجنوب)، في قبضة النظام (باستثناء إدلب)، وذلك بواسطة القصف الجوي من قبل الطيران الروسي والسوري، طوال العامين السابقين.

أما في النتائج التي يمكن أن تتمخّض عن فرض المنطقة الآمنة، فيمكن تلخيصها في الآتي:

أولا، صعوبة استمرار التوافق بين دول آستانة (روسيا وإيران وتركيا)، إذ من المشكوك فيه أن تستمر على النحو الذي كانت عليه، بعد إقامة تلك المنطقة التي تستهدف التسريع بتقويض النظام، وتحجيم نفوذ إيران.

 ثانيا، إن إقامة منطقة آمنة في شرقي الفرات، سيعني بداهة مزيدا من التدخل التركي في الصراع السوري، بعد عمليتي درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018)، أي أن تركيا ستصبح من أهم الدول المقررة في ترتيبات الحل السياسي لسوريا المستقبل.

ثالثا، ستجد روسيا نفسها في وضع صعب، نتيجة التوافق الأمريكي ـ التركي، إذ ليس من صالحها أن تخسر لا الولايات المتحدة ولا تركيا، في حين هي ترى في إيران منافسا لها على نفوذها في سوريا.

رابعا، إن إقامة تلك المنطقة سيعني ذلك أن الولايات المتحدة حسمت أمرها في مسألتين، أولاهما، تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، وثانيتهما، التمهيد لفرض توافقات سياسية لحل الصراع السوري.

الآن، يفترض انتظار ما ستنجم عنه التوافقات بين الأطراف المعنية، لأنه بناء على مدى التوافق الأمريكي ـ التركي، أو التوافق الأمريكي ـ التركي ـ الروسي، قد تتقرر أشياء كثيرة إن بشأن تموضع اللاعبين الداخليين والخارجيين، أو بشأن التقرير بإيجاد حل للصراع السوري.

*كاتب سياسي فلسطيني