فرضت الثورة السورية واقعاً جديداً على الواقع الثقافي الكردي في محافظة الحسكة عموماً ومدينة القامشلي خصوصاً، بعد القمع المديد لسلطة البعث خلال العقود السابقة. ونشأت جمعيات واتحادات للمثقفين ومعارض للكتب بعد الثورة، شهد بعضها نشاطاً ملحوظاً فيما اصطدم بعضها الآخر بالواقع الذي فرضته “الإدارة الذاتية” الكردية، أي ضرورة الحصول على موافقات أمنية لإقامة تلك النشاطات وحصرها بالمراكز المتعلقة بــ “الإدارة”.
وخرجت محاولات فردية بهدف كسر القاعدة، إذ حاول بعض المثقفين إصدار مجلات ثقافية أو فكرية وتأسيس مجموعات ثقافية مثل “مقهى الكتاب Bindarûk، كيزخاتون”، أو إذاعة “هيفي أف أم” الثقافية وغيرها.

التنوع في مواجهة القمع
عاش الكرد في سوريا عقوداً حُرموا فيها من الحديث والدراسة بلغتهم في ظل حكم الأسد الأب والابن ومنع استخدامها، إلى جانب القمع المستمر للثقافة الكردية. وحاولت مؤسسات “الإدارة الذاتية” توظيف الثقافة في خدمة مشروعها السياسي، وهو ما لم يكن ميزة خاصة بــ “الاتحاد الديمقراطي”، بل كان جزءاً من حالة سياسية كردية عامة، إذ طالما عملت الأحزاب الكردية على توظيف الأنشطة الثقافية لخدمة الترويج لسياسات معينة أو دعاية لأحزاب ما.
وقال الكاتب الصحفي عباس علي موسى إن “واقع الحسكة الثقافي تغير بعد انكسار المركزية التي كان يروج لها حزب البعث عبر تركيزه على مركز دمشق الثقافي. وبعد انطلاق الثورة، افتتح الكرد عشرات المراكز لتعليم لغتهم ولترويج الثقافة”، واستطرد: “لكن كان ينبغي أن نشهد ضخاً أكبر للمشروعات الثقافية، وأنشطة نوعية أكثر”.
واعتبر موسى أنه “وبرغم عدم قدرة الإدارة الذاتية على خلق بيئة ثقافية مناسبة، إلا أنها اتخذت خطوات تعتبر هامة مثل إلزام استخدام اللغة الكردية في مدارس المحافظة وتنظيمها لمعرض الكتاب السنوي، بالإضافة إلى المعرض المتنقل ومكتبة أمارا وحديقة القراء”.

النشاطات في القامشلي
تحتضن مدينة القامشلي شمال الحسكة معظم المهرجانات الثقافية ومعارض الكتب ومسابقات الشعر، ويلعب موقعها الجغرافي وتنوع اللغات فيها دوراً هاماً في ذلك. أما سكان المدينة فهم من المكونات العربية والكردية والسريانية، ويتحدثون اللغة العربية.
الرئيس المشترك لـ “هيئة الثقافة” الياس سيدو قال لــ “بوابة سوريا” أن “مساحة المدينة الواسعة وموقعها الجغرافي الملائم جعلهم يختارونها في معظم الأحيان لأن تكون المكان الأنسب لعقد المهرجانات”، مضيفاً: “نقيم نشاطات ومهرجانات سنوية في مدينتي الرميلان والمالكية، وأخرى متنقلة في المالكية أيضاً ومدينتي الحسكة ورأس العين، منها معرض الكتاب ومهرجاني المسرح والسينما، وتتضمن النشاطات أمسيات شعرية ونشاطات فنية وأدبية أيضاً، وتنظم من قبل القائمين على المراكز الثقافية أو برعاية اتحادات المثقفين والفنانين والكتاب”.
وافتتح مؤخراً أول مقهىً للكتاب في القامشلي في تجربة تعد الأولى من نوعها على مستوى المحافظة، بمبادرة وإشراف من الكاتب الصحفي عباس علي موسى والمترجم عبد الله شيخو، وبتمويل ذاتي ومستقل.
وقال موسى “إن المقهى حمل اسم (Bindarû/ بنداروك)، ويهدف إلى جذب القرّاء والمثقفين وكسر النمطية الثقافية. ورغم أن الإدارة الذاتية افتتحت سابقاً مكتبة في القامشلي حملت اسم (أمارا)، إلا أنّه يمكن اعتبار مشروعنا هو الأول من نوعه على مستوى المحافظة، لأنه مشروع مستقل ودعمه ذاتي”.
وتابع: “لا إمكانات مادية لدينا لافتتاح فروع أو مشاريع مشابهة، ونأمل توسيع المشروع إلى أماكن أخرى لاحقاً. وتضم مكتبة المقهى اللغات العربية والكردية والإنكليزية، وتتنوع بين كتب الأطفال والدراسات والروايات والأدب، والشعر والفلسفة”.
وبيّن موسى: “واجهنا صعوبة في الحصول على الكتب من دور النشر أو المكتبات في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها المنطقة، إضافة إلى إغلاق المعابر بين المحافظة وتركيا. مثلاً، اضطررنا إلى جلب الكتب الكردية من تركيا إلى إقليم كردستان العراق ومنها إلى هنا، وكلفنا ذلك وقتا وأموالاً كثيرة. وهناك كتب جلبناها من بغداد إلى هولير فالقامشلي، وبعضها من دمشق، وهذا يزيد من سعر مبيع الكتاب نسبياً”.
وفي القامشلي أيضاً، عمل شبان وشابات على تأسيس مركز “كيزخاتون”، وهو يختص بأنشطة الأطفال القصصية.
وقالت الإدارية في المركز سيماف حسن أنه “تم تأسيس المشروع بتمويل ذاتي عام 2017، وهو الأول الذي يستهدف فئة الأطفال، ويهدف إلى جعل الأطفال يعتمدون على الكتاب كمصدر للحصول على معلوماتهم”.

موافقات أمنية في ديريك
تشهد مدينة المالكية (ديريك) تراجعاً ملحوظاً في إقبال المثقفين على المراكز الثقافية والمكتبات، بالمقارنة مع غيرها في بقية مدن المحافظة. ولا يوجد في المنطقة سوى مكتبة خاصة واحدة لا يقبل عليها إلا الشبان الذين لم يبلغوا العشرين عاماً.
أزاد داوود وهو صاحب مكتبة “مانيسا” قال لــ “بوابة سوريا” أن “المالكية تشهد خمولاً ثقافياً بسبب عدم وجود مكاتب للاتحادات الثقافية في المدينة بعكس القامشلي التي تقام فيها النشاطات الثقافية في مكاتب الاتحادات”، معتبراً أن “فرض مؤسسات الإدارة الذاتية موافقات أمنية لقاء السماح بإقامة أي نشاط ثقافي، هو أحد أسباب تراجع الحالة الثقافية في المالكية”، ومبيناً أن “المثقفين لم يعودوا يرتادون المكتبات، وأصبحنا نعتمد اليوم على المعارض بشكل أكبر”.
وطالب الإدارة الذاتية بفتح مكاتب الأحزاب السياسية المعارضة لها، وذلك ل”كونها تقيم أنشطة ثقافية ضمن مكاتبها، الأمر الذي سيغني الواقع الثقافي في المنطقة” على حد تعبيره.
شهد الواقع الثقافي طوراً جديداً مختلفاً عما كان عليه قبل الثورة السورية. وإذا كانت الادارة الذاتية قد استغلت هذا الواقع لخدمة مشروعها السياسي وضيّقت على جوانب منه، إلا أن المحاولات الفردية لبعض المثقفين ساهمت بولادة مشاريع نوعية ربما تؤسس لواقع ثقافي أفضل لاحقاً.

*فريق بوابة الحسكة