لم يكن مفهوم العمل التطوعي منتشراً في سوريا قبل الثورة، بسبب الإشراف المباشر للنظام وأجهزته الأمنية على أي عمل جماعي، وخصوصاً التجمعات الشبابية التي اختزلها في “شبيبة الثورة” أو “الاتحاد الوطني لطلبة سوريا” وغيرها. وبعد انطلاق الثورة السورية وبدء المنظمات الإنسانية العمل في المناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد، انفتح المجتمع السوري على مفهوم العمل التطوعي الإنساني، فظهرت عدة فرق تطوعية وجمعيات خيرية تميز فيها بشكل خاص “فريق ملهم التطوعي”، والذي ترك بصمة خاصة في العمل الإنساني ميزته عن غيره. ويعود ذلك لعدة أسباب منها آلية العمل في الفريق والبحث عن الحالات المستحقة، وطريقة جمع التبرعات، والابتعاد عن أسلوب الجمعيات الخيرية وعملها في تأمين رواتب موظفيها من كتلة التبرعات المجموعة.

بداية الفكرة وسياسة الفريق

سمي “فريق ملهم التطوعي” بهذا الاسم “نسبة إلى الشهيد ملهم فائز الطريفي من مواليد مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية عام 4/7/1986، والذي يحمل شهادة جامعية في إدارة الأعمال من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري في اللاذقية” بحسب موقع الفريق على شبكة الإنترنت. ويذكر الموقع أيضاً: “اعتُقل ملهم في فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية بتاريخ 14/5/2011 ثم تم تحويله إلى فرع المخابرات العامة في دمشق حيث قاموا بتعذيبه بشتى الطرق والوسائل. ثم أطلق سراحه بتاريخ 4/6/2011، واضطر للهرب إلى الأردن وبعدها إلى السعودية، لكنه لم يبقَ وقتاً طويلاً هناك.. فعاد إلى بلده لينال الشهادة بطلقة من الطيران المروحي في مدينة سلمى بريف اللاذقية بتاريخ 10/6/2012”.

انطلقت فكرة الفريق عام 2012 على ما جاء في موقعه على ويب، وذلك “عن طريق مجموعة من طلبة الجامعة السوريين، الذين استشعروا ألم ومعاناة إخوانهم اللاجئين في دول الجوار ولمسوا جراحهم، فعملوا بادئ الأمر على إعانتهم بما استطاعوا من موارد بسيطة متاحة وطاقات إنسانية مخلصة، للتخفيف من آلامهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية من السكن والغذاء والدواء”. وحدد الموقع مقرّ إدارة الفريق الذي تحوّل إلى “منظمة تحمل اسمه، مقرها في تركيا وفرنسا، ولها فرع في كل من الأردن والسويد وكندا، يسعى من خلالها إلى تأطير عمله الإنساني في إطار مؤسساتي خالٍ من التبعية الحزبية أو السياسية، ويعزز بذلك ثقة داعميه في مختلف أرجاء العالم، ويطور مسار عمله التطوعي وفق معايير عالمية”.

آلية العمل والتنسيق والدعم:

محمد سماوي وهو طالب سوري مقيم في ألمانيا وإعلامي في “الفريق” تحدث إلى “بوابة سوريا” قائلاً “يعتمد الفريق في عمله على تبرعات أفراد من كل أنحاء العالم ومن مختلف الجنسيات، ويتم نشر الحالات عبر حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالفريق وحسابات المتطوعين الشخصية. وفي العادة، يأتي الدعم الأكبر في أوقات وقوع الكوارث مثل الحصار والقصف المكثف وموسم تساقط الأمطار والثلوج وغيرها من الأسباب التي تزيد من معاناة أهلنا، سواء في المخيمات أو المدن والقرى، لأن غالبية الناس تتأثر بانعكاسات الكارثة الإنسانية وقت حدوثها وانتشارها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر التقارير الإعلامية التي تنقل الصورة إلى الخارج. وهذا لا يعني عدم وجود متبرعين دائمين بلا انقطاع وبشكل مستمر لدعم حالات عن طريقنا ككفالة الأيتام مثلاً وغيرها من الحالات الدائمة”.

ويتابع: “يتم التنسيق مع متطوعينا في الداخل عن طريق مجموعات تنسيق خاصة بالفريق وعبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة مثل فايسبوك وبرامج الاتصال مثل واتس أب وغيرها، وهناك زيارات دورية من متطوعي مركز تركيا إلى الداخل السوري للتنسيق والإشراف على عمل الفرق على الأرض”، مبيناً أن “الفريق يضم أكثر من 200 متطوع، 25% منهم يحصلون على أجور رمزية أو بدل تطوع. أما من يتقاضون أجراً فيشترط عليهم أن يتفرغوا للعمل بشكل كامل وخصوصاً في أوقات الحملات التي يطلقها الفريق. وتأتي هذه الرواتب والأجور عن طريق رجل أعمال متبرع يتكفل بمصاريف الفريق الإدارية والأجور الرمزية لبعض المتطوعين والتي تكفي فقط احتياجات الشخص من الطعام والسكن ومصاريف التنقلات”.

وعن معايير اختيار الحالات قال مدير الفريق في منطقة كفرنبل عبدالله السويد: “تنتشر بعض الحالات أحياناً على وسائل التواصل الاجتماعي، فنقوم بمعاينتها وتقييمها وتقديمها للإدارة للموافقة عليها. وهناك طريقة أخرى عبر رابط إلكتروني يكون موصولاً بإدارة الفريق بشكل مباشر، بحيث يقوم المحتاج أو المريض بتقديم المعلومات الأولية التي تتضمن الاسم والعنوان وجهة الاتصال ونوع الحالة أو الحاجة. ويذهب أحد المتطوعين لمعاينة الوضع بناء على المعلومات التي قدمها الشخص أو الجهة التي تواصلت معنا، ثم يُقدّم تقييم الحالة إلى الإدارة. وفي حال الموافقة يتم نشر الحالة على موقع الفريق لجمع التبرعات”. وأوضح أنه “يتم تحديد القبول أو الرفض من قبل مختصّين، وذلك من خلال قسم الحالات الموجود في تركيا والذي يشرف عليه طبيب ينظر إلى إمكانية علاج الحالة عن طريق المستشفيات المجانية وتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى عملية جراحية أم لا”. وختم السويد حديثه بالقول أن “عدد الحالات التي تمت مساعدتها عن طريق الفريق 2525 حالة وهناك حالات قيد التأمين، ويغطي المشروع الحالات الطبية والإنسانية والحملات التي تطلقها إدارة الفريق بالإضافة إلى كفالات الأيتام ومنح للطلاب وكفالات طبية لبعض الأمراض المزمنة، ولا يوجد أي تأثير للسلطات الموجودة على الأرض لأننا جهة مدنية نعمل على مساعدة المحتاجين وليس لنا أي تحزّبات لأية جهة كانت”.

نماذج من عمل الفريق

تقيم نور (5 سنوات) مع أهلها في أحد مخيمات ريف معرة النعمان الشرقي، وهي النازحة من ريف حماة والتي فقدت سمعها نتيجة قصف طيران الأسد على قريتها. ويقول والدها “فَقَدَت ابنتي سمعها بنسبة 95% بعد قصف استهدف قريتنا. وبعد نزوحنا إلى المخيم نشر أحد الناشطين حالة ابنتي على وسائل التواصل الاجتماعي، فقام أحد متطوعي فريق ملهم بالتواصل معي وعاين وضعها. وبعد فترة حضر متطوعون من الفريق وأخذوها إلى مدينة إدلب وتم تركيب سمّاعات لها والحمد لله أنها استعادت سمعها بشكل كامل”.

وقد أطلق الفريق عدة حملات إنسانية منها حملة “خيرك دفا” التي شملت النازحين في مخيمات حماة وإدلب وريف اللاذقية، بالإضافة إلى مخيمات عرسال اللبنانية. وعن ذلك، حدثنا الناشط الإعلامي أبو البراء الحموي وهو مدير “مخيم النواعير” الذي يقع على أطراف مدينة معرة النعمان قائلاً  “تواصلنا في فترة سابقة مع فريق ملهم التطوعي ووضعناهم في صورة احتياجات سكان المخيم ولبَّوا نداءنا، فحضر بعض أعضاء الفريق لمعاينة الوضع، وأجروا تقييماً شاملاً لحاجات السكان مع قدوم فصل الشتاء، من عوازل مطرية للخيم المهترئة بسبب حر الصيف وغيرها من الاحتياجات الضرورية. وبعد التقييم بحوالي عشرة أيام تم توزيع المستلزمات على سكان مخيم النواعير وحرش النواعير. وقد شمل التوزيع عوازل وبطانيات وألبسة شتوية للأطفال كالجزمات واللفحات وكفوف الصوف وغيرها”.

عبد الله الخطيب متطوع في فريق كفرنبل ومنتسب إلى الفريق منذ أكثر من عام. وقد تحدث لـ “بوابة سوريا” عن العلاقة بين متطوعي الفريق قائلاً:” منذ انضمامي إلى الفريق لم أجد أية صعوبة في الاندماج بأعضاء الفريق، لأن ما يجمعنا هو الإيمان بالعمل الذي نقوم به. وقد ساعدت روح المرح التي يتمتع بها الفريق على انتشاره بشكل أوسع وإكسابه شعبية جيدة في المناطق المحررة بشكل عام. الابتسامة التي ترتسم على وجوه الناس هي أكبر من أي أجر مادي أو راتب يحصل عليه غيرنا”.

فريق “ملهم التطوعي” مشروع مشرقٌ عزز البعد الإنساني للعمل التطوعي، وعلى أمل أن تنتهي معاناة الشعب السوري، يبقى الفريق يداً تساعد المحتاجين وسنداً لكل من تقطّعت بهم السُبل.

…………………………………

روابط تتعلق بالموضوع:

مخيم عرسال: https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1060959464076225/

هدايا العيد:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1541372442604804/

قسم الأيتام:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1992904321003121/

حالة الطفل أحمد:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/2218990865014933/

حالة امرأة معيلة:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1955448884530489/

مزاد على سيارة طفل:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1749712208437492/

أضاحي العيد:

https://www.facebook.com/molhamteam/videos/1613297885412259/

*فريق بوابة إدلب