الصفحة الرئيسية تبادل الرسائل من أنتم؟

من أنتم؟

في شباط / فبراير 2011، وقف الرئيس السابق معمر القذافي على شرفة منزله موجهاً خطابه لشعبه بقوله: من أنتم! ومنذ ذلك الحين أصبحت تلك الجملة هي الأشهر لتمثيل الديكتاتورية غير القادرة على فهم أصوات معارضيها، أو بعبارة أخرى أصوات الشعوب.

دون تحميلها الآن ما لا تحتمل، ماذا لو أردنا أن نغير مسار هذه الجملة، بل ماذا لو أردنا رد تلك العبارة لمسارها الصحيح في محاولة جادّة منّا لفهم الآخر، وبدأنا بالتساؤل: من نحن؟ وبدأت أنا بنفسي وقلت: من أنا؟

أنا السوريّة التي ظَنّت يوماً أن الحق لا يموت، لكنه أُشبع موتاً في بلادٍ لا تفهم منطق الحق ولا تؤاخذ سالبه، بل تبارك عمله وتكافؤه إلى حين ينتهي عمله كسالبٍ للحق. تغتاله يدٌ خفيّة ليحلّ محلّه الآخر الأصغر حجماً وهكذا دواليك، يغرق القاتل والمقتول في دوّامة لا قِبَلَ لأحد بها، ويصبح الحقُ تهمةً تحتاج أن تبرر ظنك بأنه لا يموت.

أنا السوريّة التي كانت يوماً في الداخل، لكنها كانت مضطرة أن تبرهن دائماً في كل ما تقوله أو تفعله أنها سوريّة في الداخل، بُغيةَ أن تخلع عنها عباءة التنظير وعدم فهم مجريات الأمور التي يصرُّ الآخرون على إلباسها إياها، ظناً منهم أنها خارج ألمهم ولا يحق لها أن تكتب عنه لأنها لن تدركه، وأن اختلاف المكان حتى لو كنتَ في الداخل له قيمته التي يجب أن لا تستهين بها وأنت تحاول أن تكون مجرد إنسانٍ، أو بالأصح مجرد سوريّ.

أنا السوريّة التي خاضت غِمارَ المعتقل، لا رغبة فيه كغاية ضرورية لما ارتكبت يداها من ممارسة مشروعة للحق، بل رغماً عنها كقدر لا مفرَّ منه. في المعتقل كان لا بد أن تُثبتَ للآخر دوماً أنها ليست مجرمة، وأن وجودها في جناح الجنايات المدنية هو جريمة بحقها. كان الآخر هو المعتقل السياسي أيضاً، الذي أبى إلا مفاضلة الألم، وكأن القضية تستحقُ أن تَنال شرف الدفاع عنها بحجم ما تُعاقب عليها.

أنا السوريّة التي اضطرت أن تلجأ للبحر ليحملها إلى مكانٍ تستشعر فيه القليل من الأمان، حين أصبح وطنها أصغر من أن يتسعها والآخر المسؤول عن قتلها وتشريدها واعتقالها، شأنها في ذلك شأن ملايين السوريين الذين لم يختاروا الخروج بملء إرادتهم. وجدت نفسها في بداية رحلة لجوئها حبيسة جزيرة يونانية تتعرض فيها مع اللاجئين الآخرين لممارسات الشرطة القمعية وظروف المخيمات البائسة. حملت كاميرتها مرة أخرى لتجابه الواقع بالكلمة والصورة، واضطرت أيضاً أن تبرر نفسها للاجئ الآخر الذي بمجرد أن وجهت كاميرتها نحوه ليخبر العالم عن ألمه قال لها بصفتها صحفية “أنتِ لا تشعرين بمعاناتنا!”، كان لزاماً عليها للمرة الثانية أن تخلع عنها عباءة التنظير التي أصرّ الآخر على إلباسها إياها.

أنا السوريّة اللاجئة التي عاشت ما عاشه معظم اللاجئين. الخوف من تجار البشر، الرهبة من الغرق، توقّف محرك القارب المطاطي، رحلةٌ منقطعةُ النظير بالتفاصيل الخانقة، وأخيراً وليس آخراً مخيمٌ أنتَ فيهِ عبارة عن رقم وسرير بخيمة تضمُّ ما لا يقل عن ثلاثمائة آخرين ينتظرون مثلك أوراقاً تثبتُ أحقيتهم ببعض الأمان. يمتدُ ذلك الانتظار أعواماً، وفي حالتي كان عاماً كاملاً، خلالها لم نكن سوى أرقاماً على هامش الوقت. وجدت تلك السوريّة دائماً من يقول لها إن ما عانته لا يقارن بما عاناه الآخر، وإن هناك دائماً من هو أسوأ وضعاً، ليصبح التصنيف بطابع (هل أنت لاجئ خمس نجوم أم نجمتين؟) وبناءً عليه تحدد مساحتك بالتعبير عن وضعك كلاجئ.

أنا السوريّة في الخارج التي سُحبَ منها خيار الاكتفاء بقولها إنها سوريّة، فالسوريّ في الداخل لا تصحُ مقارنته بالسوريّ في الخارج، ومنعاً للالتباس والفهم الخاطئ يجب أن يرفق سوريو الخارج كل ما يقدمونه من آراء بصفتهم الجديدة (أنهم في الخارج). وبالرغم من ذلك سيبقى هناك من يقول لهم إنهم لا يشعرون بألم من اختاروا البقاء بالداخل، وأن وجودك ببيئة تؤمن لكَ الغاز والكهرباء والماء ستجعل مهمة فهمك لألم فاقدها أشبه بالمهمة المستحيلة، ستكون بذلك أقرب لمكانة سوريي الداخل بنظر سوريي المخيمات أيضاً، إذ لا يتساوى فقد ما يعينك على الحياة (الداخل) بفقد الحياة ذاتها (المخيم).

بصفتكَ سورياً في الخارج، ستمرض وحدك، تبكي وحدك، وتتألم وحدك، وستُتَهَم بأن رغبتك البسيطة برؤية أهلك مرة أخرى هي رفاهية كاملة لأن هناك من فقد أهله وما زال يعاني.

بصفتك سورياً، ستبقى مفاضلة الألم هي المعيار الأول لإعطائك الحق بالتعبير عنه، وتصنيفك هو المعيار الثاني لإعطائك الحق بالتعبير عن نفسك، هل أنت سوريٌ في الداخل؟ الخارج؟ المخيم؟

هذه التصنيفاتُ لم ولن تجب على سؤال: من نحن؟ وليست بالمطلق إجابة صحيحة لتساؤلي في البداية: من أنا؟ إنها في الحقيقة ما يجعلنا دائماً في دوامة السؤال: من نحن، وهي ما يجعل حالة اللامنتمي الحالة الأعم لجميع السوريين، إذ لمن سأنتمي إن كانت لكل فئة مما ذكرت صفاتٌ قد لا أستوفيها؟ أنا السوريّة في كل الحالات المذكورة دون الاكتفاء بكلمة سوريّة؟

في مَعرَضِ بحثنا عن هويتنا كسوريين، سنتعثر دائماً بالنفي والاغتراب حتى دون وجودنا خارج مكاننا الأصلي، لأن ممارساتنا التمييزية بحق أنفسنا أفقدتنا القدرة على فهم الآخر أو الشعور به، وليس عُذراً البتة أن تكون هذه الممارسات بسبب المعاناة، فالأولى أن تكون المعاناة أداة تجميع لا أداة تفريق وتشتيت. يقول الروائي والكاتب أمين معلوف في كتابه “الهويّات القاتلة”: “الهوية لا تتجزأ أبداً ولا تتوزع أنصافاً أو أثلاثاً أو مناطق منفصلة”، ويقول أيضاً: “كل ممارسة تمييزية خطيرة حتى عندما تُمارس لصالح جماعة عانَت” .

“من أنتم”، حين قالها القذافي لم يَقصد بها فهم الآخر أو محاولة تقريب وجهات النظر، بل قصد بها إهانة الآخر وإثبات أنه لا يرقى لمستوى القرين أو النّد ليستحق مكانة الأخذ منه أو الرد عليه. نعم لقد كانت مثالاً على الديكتاتورية العمياء، كما هي تصنيفاتنا بحق أنفسنا، التي أحالت كل واحدٍ منّا لقذافي يقول للآخر: من أنت! وريثما تعود هذه الجملة لمسارها الصحيح سنبقى سوريّين يلاحقون حلم الانتماء حتى في وطنهم!

*صحفية ومدونة سورية