الصفحة الرئيسية تبادل الرسائل عدالة مضمخة بالدم

عدالة مضمخة بالدم

لونة وطفة*

“الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاث آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة”.
-غوته.
عام 1945 اجتمع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية للاتفاق على تشكيل محكمة عسكرية عُرفت بإسم محكمة نورمبيرغ الشهيرة. أدُعي حينها أنها محكمة دولية، بيد أن ما اعترفَ به النائب العام الأمريكي “روبرت جاكسون” الذي كان قد رأَس إحدى الجلسات بقوله: “ما زال الحلفاء عمليًّا في حالة حربٍ مع ألمانيا، وبوصفها محكمة عسكرية، فإنَّ هذه المحكمة تمثِّل استمراراً لجهود حرب الشعوب الحليفة” يدلُّ تماماً أنها كانت محكمة المنتصرين ضد المنهزمين، ولهذه العدالة وجوه كثيرة في التاريخ.في نفس الحقبة أثناء الحرب، كان للبروباغندا الإعلامية دور فاعل كبير بتحقيق غاية المنتصر قبل انتصاره، كاستغلال بعض الأشخاص المؤثرين بحسب مواقعهم للإدلاء بتصريحاتٍ تُصيب عين الهدف المرجو، ومن ذلك أذكر ما أورده روجيه جارودي في كتابه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” أن مُحرِّر نيويورك الأسبوعية في عام 1942 “لكيفتون فاديمان” طلب من الكُتَّاب خَلْقَ رُوحٍ من الحقْد الشديد ضدَّ كلِّ الألمان دون استثناء حيث قال: “الطريقة الوحيدة لكي يفهمَنا الألمان هي قتلُهم، وحتى بهذا فإنَّهم لن يفهموا!”، ومن ذلك أيضاً تصريح رجل الدين الأب “ويب” في جريدة الديلي هيرالد اللندنية حين قال: ” ورغم أنَّ رجل الدِّين لا ينبغي له أن ينزلقَ إلى مثل هذه العواطف، إلاَّ أنني صراحة لو استطعتُ لمحوتُ ألمانيا من خريطة العالم؛ إنَّه جنس شيطاني، كان لعنة على أوروبا طوال قرون”.
وأيضاً كتب تشرشل عام 1944 لرئيس أركانه هيستنجر مُذكرةً ورد فيها قوله” لايجب أن نقف مكتوفي الأيدي بسبب مبادئ حمقاء!”.
لم يحاسب هؤلاء جميعاً، لم يقفوا في قفص الإتهام في محكمة نورمبيرغ، ولم يقف رؤساء بلادهم أيضاً، ولا كبار المسؤولين عن أبشع جرائم الحرب العالمية الثانية، وحدهم المتورطون من المنهزمين هم من وقفوا هناك وحوسبوا بناءً على شهادات لا ترقى في بعض التهم إلى مستوى الدليل القانوني ومع ذلك تم اعتبارها أدلة دامغة.
هؤلاء الذين عملوا على بثّ هذه البروباغندا من خلال شخوصٍ فاعلة ولها وزنها هم أنفسهم الذين شكلوا المحكمة العسكرية في نورمبيرغ. ليست العبرة الآن بسرد أحداثٍ تاريخية يكاد معظمنا يتفق على ماهيتها، بل هو تكرار تلك الأحداث بوجوه أخرى حتى يكاد معظمنا لا يميزها.
هل المنتصر هو من يصنع التاريخ؟ سؤالٌ لربما تكرر كثيراً ولم نجد له يوماً جواباً متكاملاً، نعم لربما ولكن هناك دائماً صناعةٌ للتاريخ أشبه بالوجه المعتم للقمر، لا يراه أحد منا لكننا جميعاً متأكدون من وجوده، هي رواية الأحداث بحقيقة مجراها، ولأنها معتمة يبقى المستفيدون من عبرتها قلّة قليلة.
تناولت وسائل إعلامٍ عربية وغربية منذ عدة أيام خبر اعتقال ضابطين أمن من ضباط النظام السوري، أحدهما ،وهو ما أثار اختلافاً كبيراً بين السوريين أنفسهم، هو العقيد ورئيس قسم التحقيق في الفرع 251 السابق أنور رسلان والذي انشق نهاية العام 2012. لستُ هنا بصدد الوقوف مع جهة وتأييدها في موقفها ضد جهة أخرى، ولستُ أرغبُ بتأكيد المؤكد من أن جرائم الحرب لا تتجزأ ويجب المحاسبة عليها وأنها لا تسقط بالتقادم. ما أريده حقاً هو أن نحاول جميعاً فهم العدالة بشكلها المجرد دون أقنعة، وأعتقد أن مهمتي ستكون أصعب بحكم أنني اعتقلت وعذبت في نفس الفرع ولأنني لن أدعي الحيادية، إذ لا حياد من وجهة نظري في القضايا الإنسانية.
منذ بداية الثورة السورية وصولاً لحرف مسارها إلى حربٍ شبه عالمية شاركت فيها الكثير من الدول، كان السوريون ومازالوا يسعون لإنصافهم وتحقيق العدالة لهم، بيد أن من يحقق العدالة شخصية اعتبارية تتمثل بدول وضعت قوانين تعرّف من خلالها المبادئ الإنسانية، الحق، العدالة، المساواة من خلال أُطُرٍ رأت هذه الدول أنها القالب المناسب لتعريفها. هذه الدول ذاتها هي التي قامت بجرائم ضد الإنسانية منذ سنوات مضت ولم يحاسبها أحد لأنها كانت المنتصرة، بل هي من شكلت المحاكم لتحاسب الآخر المنهزم، هي ذاتها التي دعمت نظام الأسد بالأسلحة والقوات لمحاربة التطرف والإرهاب المختلق وكانت قد بررت لنفسها قتل آلاف المدنيين لأجل تلك الغاية، وأستشهد على ذلك بما ردت به تيريزا ماي حين سُئلت حول ما إذا كانت مستعدة للمصادقة على توجيه ضربة نووية قد تقتل مئات آلاف الأبرياء فقالت :”نعم، وعلي أن أقول لكم إن هدف امتلاك ترسانة الردع النووي يكمن في أن يعلم أعداؤنا أننا مستعدون لذلك” وكان ذلك في جلسة لمجلس العموم البريطاني بشأن تحديث ترسانة الردع النووي البريطانية. هذه الدول هي ذاتها التي أغلقت حدودها أمام آلاف اللاجئين الذين قضوا غرقاً على عتبات حدودها، وهي ذاتها التي أدت بطرق غير مباشرة لهجرة الملايين من السوريين ثم عملت على مبدأ البقاء للأقوى واصطفت الأجدر من وجهة نظرها ببقاءه في بلادها، هي ذات البلاد التي لم ولن تحاسب المنظومة الأسدية بصورتها الأشمل على ما ارتكبته من جرائم حرب مهما ادّعت عكس ذلك إلا اللهم إذا تغيرت مصالحها، لأنها ذات الدول التي لم تحاسب تشرشل ولا ترومان ولا ستالين، ولأنها ذات الدول التي اعتمدت منطق اختيار المتهم من بين المنهزمين، وهي ذات الدول التي صنعت تاريخاً تزعم من خلاله أنها الأجدر بدعم العدالة، لكن بأي وجه للعدالة؟ وعلى سبيل التوضيح أقول: لو أن ألمانيا كسبت الحرب العالمية الثانية لفعلت مثل ما فعل الحلفاء، بالنهاية هي ليست مسميات دولٍ بذاتها ما يصنع الفعل، بل هو مبدأ الفعل.
كمستضعفين في الأرض، وهو ما لا أرغب بالاعتراف به كثيراً، نُعَوّل دائماً على من يأخذ لنا الحق كائناً من كان، حيث لم تتوقف المطالبات والمناشدات منذ بداية الثورة السورية للأمم المتحدة و الدول الأوروبية حتى أمريكا بالتدخل وإيقاف شلال الدم السوري ومحاسبة مجرمي الحرب، لكننا دائماً ما نتناسى حجم تورط هؤلاء بدمائنا، ليس لأننا نرغب بالنسيان بل لأننا الأضعف، وأملاً منا أن يكون للعدالة وجهٌ أقل قُبحاً من سواه، ترانا سعداء بأولئك الذين اعتقلوا أنور رسلان العقيد المنشق منذ 2012 وننسى أنهم ذاتهم الذين سمحوا لرأس ذات النظام بالبقاء حتى يومنا هذا دون أدنى محاسبة، وأنهم ذاتهم الذين اخترعوا “الإرهاب” بحجة القضاء عليه، وأنهم الأيدي الخفية وراء قتل وتشريد ملايين السوريين، فإذاً بأي منطق أطلب العدل من الجلاد؟